حين يتحول الوطن إلى سلعة للمبازرة

حين يتحول الوطن إلى سلعة للمبازرة

محمود الوهب

عوَّل المتابعون للشأن السوداني في البلاد العربية كلها وما زالوا يعوِّلون كثيرا على الثورة الشعبية السودانية بما قدمته من وعي راق وحرص شديد على السلمية..! بل لعلَّ هؤلاء المتابعين قد رأوا فيها مواصلة لانطلاقة ثورات الشباب في البلاد العربية وقد أخذت اسم “الربيع العربي” تيمناً بما في الربيع من تباشير خير وأمل، وكأنما تفاءل من أطلق التسمية بوقف هذا التدهور العربي على غير صعيد، وبخاصة على صعيد ما يجري من محاولات لتصفية القضية الفلسطينية، يشير إلى ذلك الاجتماع الثلاثي الأخير بين الدولتين العظميين إضافة إلى إسرائيل ذاتها، فما يفصَّل فيه يطول المنطقة كلها بما فيها سورية والعراق ولبنان..!

لقد أشعل محمد البوعزيزي فتيل ذلك الربيع في تونس ليهزَّ الحكام العرب أولاً، ولينبه الغافلين من القوى السياسية التقليدية لتلك البلدان التي أصابها من أمراض البراغماتية الانتهازية ما أصابها إلى أنَّ جيلاً جديداً من الشباب العربي ينهض اليوم بثقافة جديدة وروح تواقة إلى الحرية والبناء في ظلالها.. إنه الجيل الذي راكم في روحه كلَّ المآسي، وأدرك أن الكيل قد طفح، وأن الاستبداد بشقيه العسكري والسياسي قد أنهك جسد الأمة وروحها، وهو يقودها من قاع إلى آخر من الهزائم والتخلف والفساد، فأخذ على نفسه مهمة التغيير والتجديد الفعليين..! وقد أشار بوضوح تام إلى أن استبداد العسكر المتصالح مع بعض الممالك التي ماتزال تشد العرب إلى التخلف والثبات على الحال بينما العالم دائم الحركة والقفز إلى أمام..!

لقد أشعل محمد البوعزيزي فتيل ذلك الربيع في تونس ليهزَّ الحكام العرب أولاً، ولينبه الغافلين من القوى السياسية التقليدية لتلك البلدان التي أصابها من أمراض البراغماتية الانتهازية ما أصابها

ويبدو أن التركة في معظم البلدان بما فيها السودان ثقيلة جداً إذ يخلّف الحكم الاستبدادي الطويل ذيولاً ليس الخلاص منها بالأمر السهل.. وما الأزمة التي يمر بها السودان اليوم إلا شكل من أشكالها، فما يجري بازار حقيقي ترتبط خيوطه بمحمد حمدان دقلو المعروف بـ “حميدتي” الذي يبدو الأبرز إذ يصارع أكثر من غيره لأجل السيطرة على حكم السودان.. وكيف لا وهو القادم من السوق أصلاً.. فهو قائد قوات الدعم السريع الذي لم يأت من الجيش، بل لم يخدم فيه إطلاقاً، ولم يكمل تعليمه في الأصل، إذ أتى به عمر حسن البشير في سياق مشكلة دارفور منذ أن ظهر رئيساً لمليشيا في عشيرته الكبيرة نسبياً، وقد كان تاجراً للإبل وحامياً لقوافلها بين ليبيا والتشاد والسودان، منح حميدتي رتبة ضابط، ورُفّع في الفترة الأخيرة إلى رتبة فريق أوَّل إذ يعدُّ أصغر ضابط وصل إلى هذه الرتبة، ولمَّا يتجاوز عمره الثالثة والأربعين عاماً.. وإذا كان دخوله الجيش ووصوله إلى الدائرة المحيطة بالبشير، على النحو الذي رأيناه فسهل عليه أن يتشهى السلطة ويطمع بها..! ألم يكن محمد علي باشا الكبير أمياً..؟! أولم يكن أودلف هتلر الذي أوشك، في وقت ما، أن يتزعم العالم، عريفاً في الجيش الألماني؟!

ربما من هذه الزاوية بالذات يمكن فهم الدوافع والأسباب التي تجعل حميدتي يرفض أوامر سيِّده “البشير” التي تقضي بفض اعتصام قوى الحرية والتغيير، ليأمر هو بفضه، فيما بعد، وليقتل المئات من شباب السودان وشاباته، أي بعد أن خُلِعَ الرئيس البشير دونما أية مهانة كما هي العادة لدى قادة الانقلابات العسكرية العربية..! ولعلَّ “حميدتي” أيضاً هو من انقلب على عوض بن عوف الذي لم يدم حكمه غير يوم واحد فقط..

واللافت أن ثمة من أراد استثمار هذه الرغبة لدى حميدتي حقاً رغبة الاستيلاء على الحكم فقد جاء فضَّ الاعتصام بتلك الطريقة الوحشية المباشرة بعد زيارة (حميدتي) إلى المملكة العربية السعودية، والتقائه بولي العهد محمد بن سلمان، وتلقيه دعماً سعودياً، كما أشارت إلى ذلك وسائل الإعلام، وما ذلك الدعم لأنه الآمر الأعلى لبعض فصائل قوات الدعم السريع التي تحارب في اليمن إلى جانب المملكة السعودية بل لأن المملكة لا تريد نظاماً عربياً واحداً يتحدث بالديمقراطية أو ينتمي لأي تيار يمت بصلة إلى روح الحضارة والبناء الحديث.. ولذلك لم يكتف المجلس العسكري بفض الاعتصام بل أخذ في التراجع عن الاتفاقات التي أنجزتها جلسات التفاوض قبل الزيارة بينه وبين قوى الحرية والتغيير، لا حول النسب فحسب، بل إنه متمسك بالرئاسة خلال الفترة الانتقالية، ويناور على ما هو أبعد وربما لتصفية الثورة من أساسها..

و”حميدتي” هو الأبرز اليوم فعلى الرغم من أنه نائب لرئيس المجلس العسكري السوداني الفريق أوَّل عبد الفتاح البرهان إلا أنّ حركة “حميدتي” هي الأقوى إذ تراه بعد تأديته قسم النيابة قد زاد من حجم نشاطه السياسي متقدماً كل من في المجلس العسكري، فهو من يقابل السفراء الأجانب ورؤساء البعثات الدبلوماسية بالخرطوم وضيوف المجلس العسكري من الخارج. وهو الذي يقيم التجمعات الجماهيرية، ويخطب بها، وبيده عصا البشير ذاتها، يهدد ويتوعد قوى الحرية والتغيير متهماً إياها على نحو غير مباشر بأعمال التخريب وعرقلة أمور المواطنين، وليس غريباً أن يرسل من يطلق النار على الشرطة أو الجيش ممن يُكلّفون بأمن المظاهرات..!

كل هذه الوقائع تطرح سؤالاً مهماً هو هل ينجح العسكر بإخماد روح الثورة السودانية والعودة إلى الطريق الذي بدأه السودان منذ خمسين عاماً كما معظم العسكر في البلاد العربية

كل هذه الوقائع تطرح سؤالاً مهماً هو هل ينجح العسكر بإخماد روح الثورة السودانية والعودة إلى الطريق الذي بدأه السودان منذ خمسين عاماً كما معظم العسكر في البلاد العربية التي قامت بانقلابات عسكرية تحت اسم الثورات وتنطعت لشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية بترتيبات وألوان مختلفة، وهل يعود العرب إلى حال السكون والبقاء على التخلف أم إننا سنشهد عودة الروح للربيع العربي ليتابع مهامه؟! يعتقد أن الأمور أمام “حميدتي” ليست سهلة.. فجوهر موقفه ضعيف إذ إن العسكر هنا ما كان لهم القيام بانقلابهم على البشير لولا تلك التظاهرات التي دامت نحو أربعة أشهر متتالية واستنهضت روح الشعب، ولا تزال حتى الساعة تستلهم طاقاته مستمدة إياها من أوضاعه البائسة اجتماعياً واقتصادياً والسودان كما يقال: السلة الغذائية للعرب أجمعين..! ثم إن العسكر لم يفلحوا في أي بلد عربي آخر كسوريا والعراق وليبيا واليمن في التنمية وتجنيب بلدانهم الفقر والتخلف كما وعدوا..! وثالثاً إن العسكر في بدايات انقلابهم أعلنوا أنهم جاؤوا لدعم الثورة السودانية في مساعيها نحو دولة ديمقراطية مرجعها الشعب السوداني، ولن يفيدهم كسب بعض السياسيين البراغماتيين الذين لا لون لهم، ولعلهم أيضاً قد تلقوا دعماً من الجهة ذاتها التي تدعم “حميدتي..!”

ورابعاً ثمة في الجيش السوداني وبين ضباطه النظاميين الكبار من هو جدير بالمناصب العسكرية التي هي من نصيب الجيش كوزارة الدفاع أو رئاسة الأركان أكثر من “حميدتي” ما يمكن أن يشكِّل انشقاقات فيما بينهم..!

ويبقى الأهم الذي يلاحق حميدتي بل المجلس العسكري كله هو أمر التحقيق في قضية فضِّ الاعتصام ومحاكمة المسؤولين عنه فهذه القضية لا يمكن لقوى الحرية والتغيير أن تتنازل عنها إضافة إلى الدم الذي أريق في مظاهرات الأيام الأخيرة ولعلَّ هذه القضية تشكل عقدة المجلس العسكري.. والثقة كبيرة بالشعب السوداني الذي لا يملك من القوة غير الشارع والدم الذي سال وسيلة لاستعادة السلطة المدنية وبناء الدولة على أسس جديدة ترتقي بالسودان وتستثمر خيراته وتنميها لصالح شعبه وحده..!

  • Social Links:

Leave a Reply