هل تتغير موسكو سياسياً مع تغير الزمن!

هل تتغير موسكو سياسياً مع تغير الزمن!

محمود الحمزة
عندما اكملت البكالوريا اخبروني بأن أحضّر نفسي للسفر إلى موسكو للدراسة في الجامعة، فقد حصلت على منحة دراسية في الاتحاد السوفيتي عن طريق الحزب الشيوعي، وحينها كان حلمي أن أزور موسكو وأن أدرس في إحدى جامعاتها ، فذلك بالنسبة لي كان ذو معنى كبير سياسيا وايديولوجيا واجتماعيا ونفسيا.
اذكر عندما كنا في السنة التحضيرية التقينا بشخص في الحديقة المجاورة للسكن الجامعي وحدثنا أشياء لم نستطع سماعها بهدوء، فقد استفزتنا كلماته حيث انتقد الحياة في المجتمع السوفيتي وقال لا تصدقوا كل ما تقرأونه وتسمعون عنه في الجامعة حول الاهتمام بالانسان وتحقيق العدالة وبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، فكل ذلك أحاديث ودعاية أما الواقع فهو مختلف. وأسرعنا في صباح اليوم التالي لننقل ذلك الحديث إلى استاذة مادة التاريخ السوفيتي – وكانت متخصصة في تاريخ الحزب الشيوعي السوري- فقالت هذا رجل مريض بلا شك. وانتهى الأمر.
وبعد سنوات ترددت أمامي عبارة لافتة وهي أن الذين يذهبون للدراسة في الاتحاد السوفيتي- بلد الاشتراكية، من الشيوعيين يعودون معادين للشيوعية بعكس الذين يذهبون إلى الدول الغربية الرأسمالية فكثير منهم يعتنق الفكر الماركسي هناك.
طبعا كل ما كان يقال ويكتب وينشر في العالم العربي عن الاتحاد السوفيتي كان جميلا ومثاليا وجذابا، وكنا نحن الشباب نحلم بذلك المجتمع الاشتراكي، حيث العدالة واحترام الانسان، وكنا نعتبر الاحزاب الشيوعية وقياداتها شبه مقدسة وكل ما يقولونه صحيح بالمطلق، لقد كنا “داعشيين” في عقيدتنا الماركسية. واذكر عندما قال لي أحد أقربائي وكان مسؤولاً كبيراً في حزب البعث في محافظة الحسكة، وكنت واحدا من جماعة الرفيق مراد يوسف (ابو سامي)، بأن رمو شيخو ابو جنكو وكان حينها عضو مكتب سياسي في الحزب الشيوعي السوري(جناح بكداش) قد سلم قوائم بالرفاق الموالين لمراد يوسف للمخابرات في القامشلي، فلم اصدقه واستنكرت ذلك. ولكن اتضح فيما بعد أن ذلك صحيح ومعقول جداً. وبعدها تعرفت على حوادث كثيرة تؤكد بأن القيادة العليا في الحزب كانت انتهازية وكانت تخدعنا بشعارات الماركسية الجميلة التي تتحدث عن الحرية والعدالة وعن قوانين الديالكتيك في التطور المادي والتاريخي. لقد كانت افكارا جذابة وآمنّا بها بشكل مطلق وأعمى.
وبعد سنوات اكتشفت ظاهرة غريبة في الحزب الشيوعي وهي اهمال التراث العربي والاسلامي وتربية الشخص بلا انتماء لشعب وثقافة وحضارة وتاريخ محدد بل يربون في الانسان مفهوم الانتماء لوطن مجرد وأممية زائفة لا تطبق في الواقع.
الأممية كانت شعاراً جميلا لا يطبق في الواقع. لهذا يكفي أن أذكر بأن زميلتنا الروسية في الجامعة أحبت شابا هنديا وارادت الزواج منه (كما يقال على سنة الله ورسوله) فاصبحوا يتهمونها بأنها “داعرة” وقاموا بفصلها من الكومسمول (منظمة الشباب الديمقراطي)، وكذلك في الدولة السوفيتية الاممية كان اللجوء السياسي حكرا على شخصيات محدودة جداً، بعكس الغرب الرأسمالي الذي يستقبل كل من ضاقت به الدنيا وتعرض للأذى في بلده.
لم تتغير سياسات الدولة الروسية سواء في العهد السوفيتي أم في عهد روسيا الاتحادية المعاصرة التي تأسست عام 1991 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. يتحدثون هنا في موسكو عن الدفاع عن حقوق الانسان ويرون بام عينهم كيف هرب الملايين من السوريين الى دول الجوار والى اوروبا وحصلوا على حق اللجوء ووُفرت لهم شروط الأمان والتعليم والضمان الصحي والعمل وغيرها وأغلبهم حصل على جوازات سفر في بلدان اللجوء. أما في روسيا فلم يمنحوا حق اللجوء من بين آلاف السوريين الموجودين في روسيا إلا لشخصين فقط. ويقولون انهم يدافعون عن حقوق السوريين.
أيام الاتحاد السوفيتي كان الناس يتظاهرون ويعبرون عن تضامنهم مع أي قضية توجههم بها السلطات، واليوم تقريبا تتكرر نفس الصورة إذا كانت السلطة بحاجة لدعم جماهيري من المواطنين فإنها تجمعهم بالترغيب والترهيب، أما من يريد أن يعارض سياسياً فإنه يتعرض لضغوطات هائلة تصل إلى حد الاعتقال والسجن ويقولون دولة دستورية تضمن حقوق الناس في التعبير وحرية الرأي بموجب الدستور!
شاهدت منذ أيام للمرة الثانية مقابلة تلفزيونية مع الجنرال الروسي فيودوروف الذي عمل ملحقاً عسكرياً في دمشق. يقول الجنرال الروسي بأن الخبراء الروس هم من أوحى لحافظ الاسد بتوريث السلطة لابنه بشار لكي يحافظ على هيمنة العائلة والطائفة ولم يرغب السوفيت بترشح مصطفى طلاس او عبدالحليم خدام لأنهما غير واثقين من صداقتهما لموسكو. وعندما اندلعت الثورة السورية عام 2011 اتخذت القيادة الروسية موقفاً داعماً لنظام الاسد بشكل شامل ومطلق. وكأنّ الاسد “ابن ابيهم”. ولكن الحقيقة هو أن بشار ليس اكثر من “ذنب الكلب” كما سماه أحد المسؤولين الروس، أو كما يقول المثل الروسي “هو كلب ابن كلب ولكنه تبعنا”. واتخذ الروس موقفاً داعماً ليس لعائلة الاسد وحسب وإنما لحكم الطائفة العلوية، معتبرينها خير من يحافظ على المصالح الروسية في سورية. وسمعنا تصريحات لأعلى المسؤولين وللمستشرقين والمحللين السياسيين الروس تؤكد أن دمشق يجب أن يحكمها العلويون، وإلا فإن السنة إن سيطروا سيؤسسون دولة اسلامية ويقتلون الأقليات ويتخلون عن موسكو. وحتى أن “خبيرا روسيا” (اسمه ديميدينكو) طرح منذ سنوات افكاراً غبية بقوله إن المناطق الغربية في سورية(حيث أغلبية علوية) تعتبر متطورة ومتقدمة مقارنة بالمناطق الشرقية والشمالية والجنوبية فهي متخلفة كون اغلبيتها من السنة. أليس هذا ضرب من الجنون؟ علماً أن الجميع يعرف بأن الحقيقة هي غير ذلك . على الأقل نعرف أن مدينتي دمشق في الجنوب وحلب في الشمال هي أكثر المدن السورية تطوراً وتقدماً.
والمشكلة أن الدستور الروسي يقول إن روسيا “دولة ديمقراطية علمانية” ، بينما روسيا عمليا تدعم كل الانظمة الديكتاتورية بما فيها الطائفية (نظام الأسد في سورية) والدينية الاوتوقراطية (نظام ولي الفقيه في إيران) في العالم.
حتى أن أغلب المسشترقين والخبراء والاعلاميين الروس انخرطوا في حملة دعائية جاهلة ضد ثورة الشعب السوري، من خلال تلميع صورة النظام المجرم ووصفه بالعلماني وادعوا انهم حماة الاقليات الدينية والقومية وعملت على تشويه صورة الأغلبية. لدرجة أن وسائل الاعلام الروسية نقلت تصريحاً لمسؤول روسي كبير بأن 50 ألف مسيحي يريد الهجرة إلى روسيا للحماية من خطر الارهابيين (حينها احتجزت جبهة النصرة عدداً من الراهبات في معلولا لكنها افرجت عنهن بدون ايذاء).
واليوم يصرح الرئيس بوتين أن روسيا تدخلت عسكريا الى سوريا لحماية المسيحيين. فردت عليه النخب المسيحية السورية والعربية الوطنية بالقول إن روسيا تحمي الديكتاتور بشار الاسد الذي يقتل السوريين، وأن المسيحيين ليسوا بحاجة لحماية روسيا لأن أمنهم وأمانهم جزء من أمن الشعب السوري. والشعب السوري جيداً يتذكر بأن بين ابرز الشخصيات الوطنية السورية كانت شخصيات مسيحية، ويكفي أن نتذكر القائد الوطني فارس الخوري الذي كان محبوباً ويحظى بثقة من المسلمين قبل المسيحيين، فقد كان وطنياً سورياً.
وعندما نتحدث عن موقف سياسي في موسكو فلا يمكن أن هناك خب تمت ملاحقتها واودعت السجن او تم ترحيلها لمعارضتها السياسية. واليوم 28 تموز/يوليو خرج آلاف المحتجين على قيام سلطات موسكو بمنع 15 مرشح مستقل من الترشيح الى برلمان موسكو. واعتقل المئات منهم وتم الاعتداء واستخدام العنف ضدهم.
ولا يبدو مستغرباً أن روسيا لا تشبه لا دولة أوروبية ولا دولة شرقية بل يفضلون تسمية روسيا بأنها دولة أوراسية (طبعا هنا تلعب دورها نظرية الفيلسوف القومي الارثوذكسي المحافظ الكسندر دوغين)، والديمقراطية هنا يسمونها “الديمقراطية الموجهة”، والحقبة التي تعيشها روسيا والتي يعتقد بعضهم أنها ستبقى لمئة عام تسمى “الحقبة البوتينية” على غرار الحقبةالقيصرية والحقبة السوفيتية.
باختصار الطموحات الامبراطورية باقية وموسكو لم تتغير من الناحية السياسية من ايام الامبراطورية الروسية (ايام القياصرة) مرورا بالامبراطورية السوفيتي (أيام الاتحاد السوفيتي) وانتهاء بالحقبة البوتينية (بقيادة بوتين).

  • Social Links:

Leave a Reply