دكتور عارف دليله
هكذا هو واقعنا المأساوي والعالم المتدافع نحو المجهول في ايامنا! فما العمل؟ هل نغمض أعيننا، أم نجلس ونتفرج حتى”يأذن الله” بانقلاب الظروف خدمة لسواد عيون الشعب السوري؟ بل، واي شعب سوري بعد العسكرة والتطييف والتشظي والاحتلالات والتبعيات المأجورة، ومع تعرض الملايين المغلوبة على أمرها في الداخل والخارج إلى الفناء جوعا وعريا وبردا وحرا وعطشا ومرضا وتجهلا وانطواء؟ ام انه على السوريين، أصحاب العقل والضمير، الوطنيين الإنسانيين الحضاريين، المتبقين بعد استهدافهم بافظع وسائل الإفناء والابادة لجعلهم الاقلية المنقرضة، أن يتداعوا ويتلاقوا حتى يصبحوا الأكثرية العظمى الغالبة، وعليهم ان يستنفروا عقولهم وضمائرهم ليسقطوا المعازل والموانع الفردية والجماعية التي أقيمت فيما بينهم ويشكلوا على انقاضها الكتلة الوطنية الكبرى التي تستوعب، قولا وعملا، جميع ضحايا هذا الواقع الأليم، ويشبكوا أياديهم بعضهم مع البعض الآخر لبناء نظام حياة سورية إنسانية جديدة متقدمة يحتضن مصالح وطموحات السوريين إلى النهوض الاجتماعي والاقتصادي والى الارتقاء الانساني ؟ نعم ، لقد برهن جميع المتدخلين في سورية، الإقليميين والخارجيين، بأفظع ما يكون التدخل همجية وامتهانا للسوريين، مواطنين ودولة، واستهتارا بوعيهم وحقوقهم وكرامتهم ووطنيتهم الجامعة، بأنهم لا يمكن ان يسمحوا بتحقيق اي تغيير وطني ديمقراطي في سورية ! هذا ولسنا غافلين، كسوريين، بإن قدراتنا أضعف بكثير من أن تحدث التغيير المواتي في مواقف تحالف “الاخوة الأعداء” الأسود اتجاهنا .
ولكن، بالمقابل، ألم يكشف الشعب السوري، بالخسائر والتضحيات غير المسبوقة التي تحملها، عن اصراره على افشال خطة إخراج سورية من التاريخ والجغرافيا، والانطلاق في مسيرة التقدم إلى الأمام والارتقاء إلى الأعلى، وعن إيمانه باستحالة تقبله تكلس وتأبيد الواقع المناقض لقوانين الطبيعة والتاريخ، سواء واقع ماقبل 2011، أو الواقع الذي انتجته السنوات الثمان الكارثية التالية ، وانه لا بديل عن تحقيق التغيير الوطني الديمقراطي ؟
الا انه لابد من القول اليوم ، أن التكاليف الهائلة للانتقال إلى هذا التغيير قد تجاوزت اسوأ التوقعات بكثير ! وأهم واخطر هذه التكاليف هي خسائر الشعب السوري الإنسانية، من آلام لا تقدر، ومن ملايين القتلى والمعاقين والمهجرين ( والذين لا يراد لهم العودة لأنهم مهددون واملاكهم مغتصبة ومعفشة) والمغيبين والمخطوفين والمعتقلين والنازحين والمشردين والارامل والايتام والنساء والشباب والأطفال والعقول والزنود المنتجة، ومن قيم ومؤسسات وموروثات وكنوز حضارية، وخسائره المادية الهائلة على المستويات الخاص والمجتمعي والدولي، من ملايين المساكن التي وضع السوريون فيها جني عمرهم وفنهم والكثير من عقلهم ومن روحهم ، إلى البنى التحتية والتعليمية والصحية والانتاجية، والى القوة العسكرية التي كان يراكمها من أجل تحرير الأرض بثمن حرمانه وحرمان اقتصاده من أهم ضروراته على مدى ثلاثة ارباع القرن منذ الاستقلال وحتى اليوم.
وبالتأكيد ، فإن هذه الخسائر كلها يستحيل حصرها بأرقام او كميات ، وانما يجب النظر إليها باعتبارها “ثقبا سوريا اسودا” هائلا ، والأكثر ايلاما في كل ذلك ، انه كان متاحا ، وبكل بساطة ، بالعقل الوطني والضمير الإنساني ، ابعاد سورية عن السقوط في هاويته ، لولا فائض الرعونة ، عند أعلى سطوتها وذروة غطرستها ، الذي يختزنه الفساد والاستبداد المزمنين المدججين بالسلاح المتدفق من الدول والشركات الأجنبية المتنافسة على إرواء نزعاتها العدوانية واشباع جشع الطامعين المرضى النفسيين لديها. واكبر وأخطر الخسائر تتمثل بالاحتلالات الأجنبية التي تتجذر و تحفر لأسوارها أساسات عميقة ، قاطعة الوشائج بين أبناء الشعب السوري ، والتكامل الطبيعي بين مختلف البقاع السورية ، مغتنمة الفرصة الذهبية التي وفرها لها تزايد وتنمر قوى الأمر الواقع الهمجية المهيمنة وتشرذم السوريين واستقالتهم ، تحت ضغط مختلف أشكال الترهيب والترغيب ، من مسؤولياتهم الوطنية ، وتنكبهم عن المصالح المشتركة ، واستسلام مغسولي العقول المدججين من بينهم لإغراءت التسلط والسطو على المسالمين المستضعفين ، متبرعين بأنفسهم ان يعملوا عند آعداء وطنهم الخارجيين حراسا مأجورين لاحتلالاتهم ، وقد تعروا حتى من اوراق التوت ، وانكشفت عورات ضمائرهم الخاوية من الوطنية والانسانية والشهامة ، ووجوههم الممتقعة من الابتذال والنذالة ، وهم يجرون عربات المتدخلين المحتلين إلى حيث يريدون ، وهؤلاء كان يجب التحسب لظهورهم ولادوارهم التقسيمية اذا ما تعسكر وتطيف واستطال الصراع حتى تتعمق الشروخ وتنتفخ القروح متغذية بالتغطية والدعم غير المحدود من قبل الخارج لقوى الأمر الواقع المحلية الهمجية ، المستوطنة والطارئة، المستبدة الفاسدة ، المتطوعة لمحق مقدرات الدولة والشعب ، قطعا للطريق امام أي تغيير وطني ديمقراطي مستحق!

Social Links: