بعدما نُشِرَت الأحاديثُ الثلاثة التي تضمنت أخباراً وحكاياتٍ عن زيارة جمال عبد الناصر إلى الإقليم الشمالي 1958 على موقع تلفزيون سوريا، أرسل إليَّ أحد الأصدقاء طرفة جميلة ومعبرة، تتعلق بالمرحوم عبد الناصر والسيف.
سأروي لكم تلكَ الطرفةَ مثلما وصلتني، ولكن بعد أن أستأذن حضراتكم برواية ذكريات أخرى على سبيل التمهيد..
حينما كنت في عمر الشباب، شاركتُ، أنا الداعي لكم بطول البقاء، في مهرجان أدبي أقيم في مدينة الرقة -سنة 1983- بإشراف اتحاد الكتاب العرب. كان ذلك في بداية اهتمامي بالقصة القصيرة، ولم يكن في رصيدي الأدبي يومذاك سوى قصيرة واحدة تحمل عنوان “اعترافات الرجل المغزلي” وهي التي شاركتُ بها، وقد بدا غريباً أن تكون لدى المرء قصة واحدة ويُسمح له بالمشاركة في مهرجان كبير كهذا.. حتى إن كاتباً من أبناء منطقتنا بدا مستاء من مشاركتي في المهرجان، ومن وجودي في الوسط الأدبي بحد ذاته، وصار يقول لكل مَنْ يسأله عني: هادا خطيب بدلة يزعم أنه أديب، وطول عمره ما كتب غير قصة واحدة وبضع زوايا صحفية متفرقة! وفي سنة 1987 حينما أصدرتُ مجموعتي التي تحمل عنوان (حكى لي الأخرس- سخريات صغيرة) عاد السائلون إلى ذلك الكاتب وقالوا له: ابن بلدك أصدر مجموعة قصص.. فقال لهم: يا عمي كبروا عقولكم، هذا مو قاص ولا أديب، هادا تَبَعْ سخريات صغيرة! وبصراحة؟ كان كلامُه يحمل وجهة نظر لا تخلو من صواب، فعشراتُ المواد النثرية التي كتبتُها منذ ذلك الوقت (وحتى ساعة إعداد هذا البيان) ينطبق عليها وصف السخريات الصغيرة.
نأتي الآن للحديث عن السيف. كان يحضر مهرجانَ الرقة المذكور أعلاه أدباءُ في عمر الشباب من مختلف نواحي سوريا، ألقوا، خلال ثلاثة أيام، ما فتح الله ورزق من القصص والأشعار، بحضور أدباء ونقاد معروفين ومُكَرَّسين من أمثال عبد النبي حجازي وقمر كيلاني وفايز خضور وحنا عبود وغيرهم، وفي آخر المهرجان أراد الأدباء المعروفون أن يستمعوا إلى آرائنا نحن الشباب، فتجرأتُ وقدمتُ مداخلة حامية قلت فيها:
– الحمد لله على أني دخلتُ عالم الأدب من باب القصة وليس من باب الشعر. لا تفهموا من كلامي أنني لا أحب الشعر، بالعكس، أحبه كثيراً، ولكنني لم أحبب معظم الأشعار التي سمعتها من الزملاء في هذا المهرجان وتتضمن كلَّ هذا القدر من السيوف والتروس والنبال والخيول العربية الأصيلة، والكر على الأعداء (دون فَرّ). أريد أن أسأل الزملاء المحترمين الذين جاؤوا من دمشق وحلب وحمص واللاذقية وطرطوس والحسكة.. من أين تشترون السيوف التي تكتبون عنها قصائدكم؟ هل يوجد في مدنكم بيّاعو سيوف وكنانات وأقواس ورماح؟ هل صادف أن رأيتم الحصان؟ أنا شخصياً لم أره، وفي بلدتي معرتمصرين ثمة حيوان يشبه الحصان يقال له: الكديش. هذا كل ما رأيته من هذه الحيوانات!
فتجرأتُ وقدمتُ مداخلة حامية قلت فيها: الحمد لله على أني دخلتُ عالم الأدب من باب القصة وليس من باب الشعر. لا تفهموا من كلامي أنني لا أحب الشعر، بالعكس، أحبه كثيراً، ولكنني لم أحبب معظم الأشعار التي سمعتها من الزملاء في هذا المهرجان وتتضمن كلَّ هذا القدر من السيوف والتروس والنبال والخيول العربية الأصيلة
زملائي الذين ألقوا قصائدَ “حربجية” طلبوا الإذن بالكلام، وراحوا يصعدون المنبر واحداً واحداً ويردون عليَّ قائلين إن ذكائي كان يجب ألا يُقَصِّر عن إدراك أنهم لم يكتبوا عن السيوف والرماح والخيول بصيغتها الواقعية، وإنما بوصفها رمزاً للقوة!
توقفتُ، على ما أذكر، عن الأخذ والرد، لأنني لا أحب أن يتحول الرأي إلى نوع من المشاحنات التي تولد الضغينة.. مع أن بإمكان الواحد أن يتساءل: لماذا يكون السيف في القرن العشرين رمزاً للقوة بدلاً من البي تي إر والدبابة والطائرة الحربية والقنبلة الذرية؟
بعد هزيمة 1967 أطلق جمال عبد الناصر مقولة ذات وقع مُزَلْزِل، حينما قال إن ما أُخِذَ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. ولعله من حسن حظنا أنه لم يقل (بالسيف). الجماهير الناصرية بدأت بترويج عبارته على أنها مقولة فلسفية باهرة لا يمكن أن تصدر إلا عن قائد عبقري (ملهم).
إذا كنت عزيزي القارئ تريد الحق، أقول لك إنها مقولة صحيحة بالفعل، ولكنها تفتقر إلى إمكانية التطبيق، والدليل أن عبد الناصر مات دون أن يسترد سنتمتراً مربعاً واحداً مما أُخِذَ من مصر بالقوة تحت قيادته، والرؤساء والملوك العرب الذين تعاقبوا على قيادة دول المواجهة لم يستطيعوا استرداد شيء لا بالحرب ولا بمعاهدات السلام، وكل ما ترجوه شعوبنا الغلبانة -الآنَ- أن تَسْلَمَ على تبقى لديها من أرض وكرامة، وأن تحظى بحكام أكثر واقعية، وأقل خطابية وعنتريات.
السيف يرمز للقوة لدى مختلف التيارات الشعبوية. الناصريون والبعثيون يحبون السيف (الإخوان المسلمون يحبون السيفين!)، وفي كل احتفالاتهم يؤتى بالطبال والزمار وفرق العراضة التي يرقص أعضاؤها بالسيف والترس. ومن هنا جرى توليف الطرفة التي أرسلها إليّ صديقي الذي حدثتكم عنه في المقدمة، وتقول إن عبد الناصر كان يخطب في حلب خلال تلك الزيارة، وكان بين الجمهور رجل من الإخوان المسلمين.. وهؤلاء يكرهونه كما هو معروف لأن النظام الناصري أبدى كراهية للإخوان وحكم على سيد قطب في سنة 1954 لمدة 15 سنة. (وفيما بعد أعدمه).
أثناء الخطاب سحب عبد الناصر سحبة بلاغية طويلة، فهتف الرجل الإخواني بصوت خفيض: آخ على سيف!
كان بين الجمهور عنصر من المكتب الثاني (مخابرات) سرعان ما قال للرجل الإخواني: شو قلت ولاه؟
فقال الرجل بدهاء: قلت آخ على سيف يكون معي حتى أرقص أمام الرئيس عبد الناصر حتى الصباح

Social Links: