السياسة بين الماضي والحاضر

السياسة بين الماضي والحاضر

د.أحمد محمد كنعان
على هامش مقالتي السابقة حول “السياسة الشرعية” رجاني أحد الأصدقاء الأعزاء أن أتحول من الحديث عن السياسة الشرعية – كما طرحها بعض الفقهاء في الماضي – إلى الحديث عن السياسة كما هي في عصرنا الحاضر .
ومن خلال معرفتي بهذا الصديق أعلم أن طلبه لا يصدر عن إنكار منه للعلاقة بين الإسلام والسياسة، وإنما دفعه لهذا الطلب بُعد الشقة بين ما طرحه الفقهاء قديماً في باب السياسة الشرعية وبين السياسة كما صارت اليوم في العلوم السياسية وفي واقع العالم .
ولا أخفي أن هذا الطلب قد وجد في نفسى صدى؛ لأنني طالما وجدت الفوارق الواسعة بين ما طرحه الفقهاء تحت عنوان “السياسة الشرعية” وبين واقع السياسة التي صار لها اليوم مناهج وأدوات وآليات لا أجدها في ما طرحوه؛ لا لقصور في علمهم، وإنما لاختلاف عصورهم عن عصرنا، ووفائهم لعصورهم التي قالوا فيها ما رأوه الأصلح للأمة في دينها ودنياها، فكانوا بهذا أوفياء لعصورهم ودينهم، وهذا ما يوجب أن نكون أوفياء لعصرنا وديننا، فنقول اليوم ما نراه الأصلح .
ومن هنا نقولها صريحة واضحة .. ينبغي أن نتجاوز الخلاف والجدل الطويل حول كثير من مفاهيم عصرنا، ولاسيما منها ما يتعلق بالسياسة التي مازلنا نتخبط فيها شرقاً وغرباً على غير هدى، وسوف نناقش فيما يأتي أبرز القضايا التي نرى أولوية الفصل فيها حتى نتصالح مع عصرنا ونبدأ معه حوار العقل والمنطق بدل حوار الطرشان الذي دأبنا عليه طويلاً، ومن أهم هذه القضايا في رأينا :
1 – المسألة الديمقراطية : ربما لم يختلف المسلمون في مسألة من مسائل السياسة كما اختلفوا في الديمقراطية، فمازال كثير منهم يرونها كفراً، وشراً مستطيراً، بينما يراها آخرون الدواء السحري الذي سوف يشفي الأمة من كل العلل والأدواء !
ومع أننا نقف إلى جانب الديمقراطية مع هؤلاء الآخرين إلا أننا لا نوافق على زعمهم بأن الشفاء مما نحن فيه رهن بالديمقراطية وحدها .. لكنا نرى أن الديمقراطية شكلت حلاً سياسياً عظيماً ساهم في إنهاء الصراع العنيف على السلطة، وقطعت الطريق على الدكتاتورية ووراثة الحكم، وحققت خطوات واسعة نحو المساواة بين الناس، وهذه المكاسب كلها من المقاصد التي نادت بها الرسالات السماوية المختلفة، لكن مع ملاحظة فارق جوهري هو أن الرسالات السماوية تنص على مبادئ عامة تتطلب اجتهاد أهل العلم لتنزيلها إلى الواقع العملي، ونضرب على هذا مثلاً مبدأ “الشورى” التي ظلت في تاريخنا الإسلامي مجرد مبدأ نظري رهن بمزاج ولي الأمر إن شاء شاور، وإن شاء لم يشاور وانفرد برأيه، بل استمرت الشورى في تاريخنا محل خلاف بين الفقهاء، بين قائل بأنها ملزمة وقائل بأنها مُعْلِمة .. بينما طورت الديمقراطية مبدأ الشورى فوضعت لها وسائل وآليات وأدوات عملية وجعلتها ملزمة التطبيق، على النقيض مما هي عندنا متروكة لمزاج الحاكم فيما وضعت الديمقراطية للحاكم ضوابط وصلاحيات محددة، إذا ما جاوزها تعرض للمساءلة والمحاسبة، وهذا يعني أن الديمقراطية قدمت لنا صورة عملية للشورى لا مبرر لرفضها تحت أية ذريعة، بل نراها فريضة واجبة، لمواجهة الدكتاتورية التي تسلطت على الجزء الأكبر من تاريخنا وحاضرنا .
2 – المرجعية الإسلامية : يشترط كل غيور على الإسلام هذه المرجعية في نظام الحكم، وهو شرط مغري براق تتوق إليه أرواح المسلمين كافة بلا خلاف، لكنه للأسف عند التدقيق نجده لا يعني شيئاً، لأنه شرط عام عائم، لا يختلف عن شعار “الإسلام هو الحل” فأي حل هذا؟ ما هي آلياته وأدواته؟ ما هي تفاصيله؟ وبرنامجه؟
هذه الشعارات العامة العائمة لا تجدي في عصرنا الذي بات يحسب الوقت لا بالأيام والساعات، بل بـ “الفيمتوثانية” ، عصر يطالبنا بأدق التفاصيل، عصر نزاع للواقعية، نفور من النظريات المحلقة في فضاء المثالية (؟!)
وهذه ليست دعوة للتخلي عن الدين بدعوى الواقعية، فالدين في حقيقته أحكام عملية واقعية، وهذا ما يوجب علينا – نحن المسلمين – أن ننظر إلى الواقع حولنا نظرة واقعية، فنضع في رؤانا – السياسية وغير السياسية – حساب من يشاركونا العيش ليس في الوطن فحسب، بل كذلك من يشاركونا العيش على هذه الأرض، وأن نبحث عن تقاطعات الالتقاء ونقدمها على نقاط الاختلاف والمغايرة، ومن ثم فإن اشتراط أية مرجعية دينية أو غير دينية تعني حاجزاً بيننا وبين الآخرين، والأجدى من اشتراط المرجعيات أن نجتهد في وضع رؤى مفتوحة على الآخر، تكفل حفظ الحقوق، ورعاية المصالح، وجمع الكلمة .. رؤية قادرة على إغلاق ملفات الخلافات التاريخية التي دفعنا فيها ضريبة باهظة من ديننا ودنيانا .
3 – الدولة المدنية : وهو مصطلح مستحدث بات يستهوي أفئدة معظم المسلمين في السنوات الأخيرة، ظناً منهم أنها دواء جديد ناجع سوف يخلصهم من مصائب الدول التي عانوا من ويلاتها طويلاً، كما أصبحت الدولة المدنية مطلب عامة الإسلاميين ظناً منهم أنها بريئة من عداوة العلمانية للدين !
والحقيقة أن هؤلاء وأولئك مخطئون، فالدولة المدنية ليست في حقيقتها إلا دولة علمانية لكن بلباس جديد لا يتعدا الاسم وحده، أما جوهرها فهو علماني؛ فالدولة المدنية كالدولة العلمانية تنفي المفهوم الديني للدولة .
أضف إلى هذا وجود العديد من المفاهيم التي ينطوي عليها مفهوم الدولة المدنية (مثل : المواطَنة، والديمقراطية، والمساواة بين المواطنين دون النظر إلى الدين أو الجنس أو العرق ..) وغيرها من المفاهيم التي مازالت مرفوضة، بل مرذولة من قبل الإسلاميين، أو هي – في أحسن الأحوال – مازالت عندهم موضع جدل وأخذ وردّ، مما يوجب عليهم قبل القول بالدولة المدنية حسم موقفهم من هذه المفاهيم أو التخلي عن الدعوة إلى دولة مدنية، وتقديم صورة جديدة للدولة متصالحة مع الدين والعصر؛ وأن يغادروا شرط المرجعية الإسلامية في الدولة المنشودة وإلا وجدوا أنفسهم أمام إشكالية المرجعية كما عرضناها آنفاً .
وهكذا نجد أننا أمام إشكاليات متراكبة بعضها فوق بعض، تحتاج الكثير من البحث والنظر لتفكيكها والوصول إلى الصورة المشرقة الكفيلة بحملنا إلى عصر جديد.
4- السياسة الشرعية :
تحت عنوان “السياسة الشرعية” تارة، وتحت عنوان “الأحكام السلطانية” طرح الفقهاء في الماضي جملة من الأحكام المتعلقة بالسياسة، وهي أحكام باتت اليوم بحاجة ماسة لإعادة النظر، بسبب بُعد الشقة ما بين تلك الأحكام وبين عصرنا الذي اختلفت أبجديته عن أبجدية العصور التي وضعت فيها تلك الأحكام، لاسيما وأن الكثير من تلك الأحكام كان اجتهادات بشرية مبنية على العرف أو المصلحة، مما يتسع للاجتهاد؛ علماً بأن في بعض تلك الاجتهادات نقاط مضيئة كانت كفيلة بالوصول إلى نظرية سياسية أسبق مما نراه اليوم؛ منها على سبيل المثال قول أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت 513هـ/1119م) الذي ذهب في تعريفه للسياسة إلى القول : “السياسة ما كان من الأفعال؛ بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي” انظر إعلام الموقعين (4/283) ، وكأن ابن عقيل بهذه الرؤية يعبر عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : “أنتم أعلم بأمور دنياكم ” .
فهذه النظرة من ابن عقيل تنطوي على فهم للسياسة مفتوح على المستقبل مما يستحق النظر والتأمل .. فإلى حلقات قادمة إن شاء الله تعالى .
*****

  • Social Links:

Leave a Reply