
//خاص المدارنت//.. سقطت الإنسانية بكامل رونقها، وانهارت منظومة القيم العالمية المفترضة، وتلاشت جلّ آليات تنفيذ القوانين الدولية الإنسانية، وأصبحت في الحضيض، بينما يُترك الشعب السوري في إدلب وما حولها يعاني الأمرَّين، من قتل وتهجير واعتقال وتدمير فاق كل حدّ.
سقطت وتسقط الإنسانية جمعاء، يوم صمتت عن كل هذا الحجم من التهجير القسري، ليتفوق على أيّ عملية تهجير قسري حصلت في التاريخ، فيُهجر ما ينوف على مليون ومئتي ألفًا من السوريين العُزَّل، خلال ثلاثة شهور من بداية المقتلة المستمرة في إدلب، من قبل دولة ( روسيا)، التي تدعي الحضارة والتفوق، والانتماء إلى الإنسانية والغرب الذي يحمي حقوق البشر، ومعها دولة الملالي الفارسية، ونظام العهر الأسدي الذي قتل ما ينوف على مليون إنسان سوري منذ بداية الثورة السورية وحتى الآن، ومعهم كل أدوات الطائفية البغيضة، التي حُملت من قبل (قاسم سليماني) المجرم والارهابي المعروف، ليقوموا بحرق وقتل ما يشاؤون من شعب سوريا، الذي قام (فقط) من أجل حريته، وكرامته المسلوبة والمهدورة، من نظام المقبور حافظ الأسد، وابنه الفاجر والفاشي.

لكن كيف تسقط الإنسانية عادة؟ وهو سؤال ربما يأخذ مشروعيته في بعض الأحيان، عندما يجري التعامل مع مسألة بحجم سقوطٍ مروعٍ للإنسانية. لكن الجواب يمكن أن يُستقرأ من واقع السوريين المدنيين، وقد بات يفقأ كل عين تريد أن ترى أو لا ترى، وينكأ كل الجراح التي يودّ السوري وسواه أن تلتئم، أو تشفى. إذ كيف يمكن لمن يمتلك من ضمير إنساني أن يجلس أمام التلفاز أو اللابتوب، ويتفرج على المقتلة الهمجية المغولية، التي تجري جهارًا نهارًا، ولا تتحرك له نبضة، ولا يرف له جفنًا، وكأنه مسلسل للتسلية ليس إلا، حيث أصبح قتل السوريين سوقًا للفرجة. كيف يمكن للإنسانية أن تتابع ما يجري في ادلب، وتبقى فاغرة فاها، لا تحرك أيّ ساكن، ولا تنتفض نصرة للمدنيين السوريين الذي يجري تهجيرهم بالملايين، باتجاه (اللا اتجاه)، فلا يبقى لهم سوى الأرض والطرقات، بعد أن نفذت أشجار الزيتون في أقصى الشمال السوري، وبعد أن نفذت عواطف الإنسانية، حيث تجري عمليات تقليص للمساعدات عبر المنظمات الأوربية، والغربية، بدلًا من زيادتها أضعافًا وأضعافًا، وإذا كان البرد لم يُقبل بعد، وما يزال بالإمكان أن يلتحف المرء أغصان الشجر، فكيف يمكن العيش بعد أيام، عندما يأتي برد تشرين أول أو أواخر أيلول.

وإذا كان ما تسميه روسيا بالهدن، الهدنة تلو الهدنة المعلنة من طرف واحد، من دون اتفاق مع أصحاب الحق بها، قد جاءت بمثابة توقف مؤقت ليعيد النظام وميليشياته ترتيب أوضاع قواعده، ومقاتليه، بعد أن تقدم وقضم بعض القرى والأراضي، فإن دول الاتحاد الأوروبي التي ألغت القمة الرباعية، التي كانت مزمعة في إسطنبول بين (تركيا وألمانيا وفرنسا وروسيا)، فهي تساهم هي الأخرى في استمرار المقتلة، أو الصمت عنها، والصامت شريك كما هو معروف، أمام عمليات الإبادة
نحن نرى عدم الالتفات روسيًا إلى كل المحاولات التركية لوقف هذه المحرقة، تحت ادعاءٍ روسي بمكافحة الإرهاب، وتطبيق اتفاق سوتشي، والوصول إلى الطريقين الدوليين، حلب دمشق، وحلب اللاذقية. وأن كل الهدن المعلنة لن تؤتي أيّ أكل من أجل عودة النازحين إلى بيوتهم، كما أنها لن تتمكن أو هي لا تريد ذلك بالأصل، من وقف هذه الحرب الأسدية ضدّ أهل إدلب الذين يزيد عديدهم مع المهجرين إليهم عن 4 ملايين إنسان مدني سوري.

الهدنة المعلنة في إدلب، لم تكن تحمل أيّ إمكانية للاستمرار، منذ بدايتها، ولا تمتلك جدية حقيقية روسية باستمرارها، لأنهم يرون أن كل ما في إدلب هو إرهابي أو حاضنة للإرهاب يتوجب قتله، حتى إن (التحالف الدولي) قد شاركهم مؤخرًا بالمقتلة هذه، بصواريخه الملقاة على ريف إدلب، والتي راح نتيجتها ما ينوف على ثلاثين شخصًا، غالبيتهم من الأطفال أو اليافعين، وليس القادة كما يدّعون.
تخوفات أهالي إدلب وكل السوريين ما برحت مشروعة، ولا مصداقية لكل الهدن الروسية الأسدية، والعجز أو التعامي العربي والدولي، واضح المعالم. والتخلي الدولي بات سيّد الموقف، والهم الأساسي لم يعد قضية الشعب السوري، بل أمن إسرائيل، ومصالح الإدارة الأميركية، والدول (الصديقة للشعب السوري)، وآخر همّهم دماء السوريين التي أصبحت مجالًا للمساومات، وممارسة عمليات التفاوض بدماء السوريين ليس إلّا. وصدق الكاتب الفلسطيني السوري أكرم عطوة إذ يقول: “ما يقدمه الضمير العالمي للسوريين، مؤخرته وصمته الحزين”!

Social Links: