صبحي انطون
في البدء لم يكن كارل ماركس، كانت الاشتراكية الطوباوية وكانت الشيوعية الطوباوية في شخص كل من: فورييه – سان سيمون – مور – بوانا روتيه – كابيه – مابلي – أووين – فيتيلنغ – ديزاميه وغيرهم عديدون . درس كارل ماركس وفريدريك انجلز الاقتصاد عن آدم سميث وريكاردو وأخرين ، وفي الفلسفة وقفا على أكتاف فورباخ ، هيغيل وآخرين. وفي علم التطور وقفا إجلالا لداروين في علم التطور. وعندما برز كل من كارل ماركس و إنجلز .. برزا على أكتاف كل هؤلاء المفكرين الكبار والفلاسفة المشهود لهم أصحاب الباع الطويل في قضايا الفكر والنظرية.
بفضل ماركس وبالتعاون مع إنجلز تحولت النظرية الاشتراكية والشيوعية إلى علم وسيطرت النظرية الماركسية كنظرية علمية على الساحة الفكرية العالمية وارتبط العصر باسمها.
كيف أصبح ماركس ماركسيا ؟ هل درس الماركسية ؟ لا بالتأكيد. ماركس درس تراث ما قبله درس ماكتبته العقول الكبيرة درس الكبار الذين سبقوه الذين كتبوا في الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم الطبيعة وغيرها. وبناءا على هذه الدراسات وعبر سنوات عديدة وبالتعاون مع رفيقه في سلاح النقد الموهوب عازف الكمان الثاني إنجلز توصل ماركس إلى اكتشافين هامين:
أولا: المفهوم المادي للتاريخ ، ثانيا: اكتشاف فائض القيمة ووضع نظرية القيمة الزائدة . هذين الاكتشافين هما العمود الفقري للنظرية الماركسية.
في ضوء ما تقدم نستطيع القول دون خوف ولا وجل من أحد، كائنا من كان هذا الأحد أن الماركسية وما قبل الماركسية و مابعد الماركسية يجب أن يُدرسوا كما فعل ماركس اجتهادا من الجميع ليزدادوا علما ليزدادوا فهما و إدراكا، وأن يتم التمسك بالماركسية زادا دليل عمل.
ليس غريبا أن شخصا ك جورج ماغنوس – كبير المستشارين الاقتصاديين لبنك ( يو بي إس) السويسري- أن يكتب مقالا بعنوان “أعطوا كارل ماركس فرصة لإنقاذ الاقتصاد العالمي” وليس غريبا أن تتم إعادة قراءة كتب كارل ماركس بعد كل أزمة اقتصادية تهز العالم ليس آخرها أزمة عام 2008. ولكن الغريب أن الكثير ممن يدّعون أنهم ماركسيين في العالم العربي لم يقرأوا ماركس أو أنهم تعبوا من قراءته.
لم يقل كارل ماركس : أني اليوم أتممت عليكم رسالتي وارتضيت لكم الماركسية دينا . الماركسية الحية المتطورة لم تمت ولم تسقط مع سقوط التجربة السوفييتية. الماركسية السوفييتية التي فصلت النظرية عن الممارسة هي التي سقطت، ماركسية ستالين وبريجينيف الجامدة الكسولة البعيدة عن الاجتهاد هي التي سقطت. الماركسية شاخت في بعض نقاطها وهذا شيء طبيعي وشيء آخر. وهذا ما ألمح إليه إنجلز في مقدمة البيان الشيوعي الطبعة الانكليزية وقال فيما قال بالرغم مما شاخ من نقاط في البيان الشيوعي يظل هذا البيان وثيقة تاريخية هزّت أعمدة النظام الرأسمالي يومها ولاتزال.
يقول إنجلز: ( إن النظرية التي وضعت وطورت في ظروف القرن التاسع عشر لايمكن إعادتها ميكانيكيا في ظروف مختلفة جوهريا، بعد قرن كامل مضى، ولأجل أن تبقى نظرية حية فعالة كان يجب عليها أن تتطور خلال هذه المدة كما يجب أن تتطور في المستقبل أيضا)
لنقرأ ماركس على طريقة ماركس بعيدا عن القراءات السوفيتية المشوهة الميكانيكية ولننتقل حقا من المثالية إلى المادية بعيدا عن الاتهامات وفتح الخانات مابين تحريفية وانتهازية وانتقائية وما إلى ذلك. وأولا وليس آخرا علينا امتلاك ناصية مايمكن من المعرفة النظرية التي تساعدنا وتسهل لنا فهم ما تيّسر من النظريات الأخرى، ومن الدراسات المتعددة التي تظهر هنا وهناك والعمل على دراسة واقعنا الحسي من أولى مهامنا، وذلك في ضوء الربط الجدلي بين النظرية العلمية والممارسة الحية بعيدين عن الوقوع في الجمود العقائدي. أن تدرس النظرية الماركسية كنظرية نقدية، إنها مرشد للعمل وليست عقيدة جامدة وأنها كذلك فهي تملي علينا الاجتهاد في النظرية وتخصيبها وتطويرها بما ينسجم طردا مع واقعنا.
لنزداد علما لنزداد تفتحا وتعقلا وإدراكا لما يجري من حولنا فلقد تعقدت الأمور كثيرا وتشابكت القضايا المطروحة على بساط البحث وما عادت القضايا السياسية والاقتصادية والفكرية ترضى (بعازف ربابة) فهي أحوج ما تكون اليوم إلى ( قائد أوركسترا) بكل ما تعنيه القضية من معنى. المسألة حقا ما عادت يسقط ويعيش ، المسألة تتطلب مزيدا من التحليل وإعادة التركيب ومن ثم التحليل مجددا وهكذا التحليل ثم التحليل.
الشباب الديمقراطي المنتشر اليوم على مساحة أوروبا هو العقل الواجب تنميته وتطويره وبنائه هو القادر على التصدي لما هو آت . هذا الرافد المتدفق حيوية ومعرفة واجتهادا هو المطالب بوضع حجر الزاوية لمستقبل تنظيم سياسي ديمقراطي عضوي يشكل حضورا في الشارع السياسي مع كل الشرفاء على مساحة الوطن.

Social Links: