عبد الله خليفة
إذا كانت ما سُميتْ الدياناتُ السماويةُ ثوراتٍ في بدءِ قيامها، وعملتْ ضد الحكومات الشمولية الكبرى في بدءِ التاريخ القديم في المنطقة، فإن المذاهبَ المنسوخة منها، والرؤى المنسوجةَ من خيوطٍ وحيدة فيها غدتْ زنزاناتٍ كبيرةً لاعتقال الشعوب، وتسخيرها للإستغلالِ والحكام.
المضامينُ الثوريةُ الأولية النواةُ ضاعتْ داخلَ العبادات، التي كُرست لتمييز العاملين المناضلين عن بعضهم البعض، وقام رجالُ الدين بالتركيز على الإختلافات بين المؤمنين، خدمةً لسلطاتهم المتنوعة، وللجهاتِ الحكومية المتعددة التي يوالونها الخضوع.
ومن هنا لن تجد فروقاً في النضال بين الجماعات الدينية المعاصرة، فهي كلها قامت على خدمة أهل الاستغلال، لكن الخلافات تأتي من تباين تلك الجهات السلطوية المتعددة.
المضامين الدينية بخدمة أهل الكدح وأن الأرض سوف يرثها العاملون توارتْ، وصارت شعيراتُ السلطات هي البوصلة.
ولهذا فإن الاختلافات بين الدينيين هي نتاجُ تلك السلطات التي ظهرتْ في بلدانٍ مختلفةِ التضاريسِ الاجتماعية والسياسية، فالمناطق البدوية الشديدة المحافظة هي ذاتُ سلطاتٍ محافظة، أساسها قبائلٌ تحضرتْ بصورٍ قليلة، وما زالت رغم الثورات التقنية والاجتماعية تعيشُ في تلك القبلية التي أساسها في العائلة سلطة ذكورية كاسحة.
الذكورية الكاسحة هذه تفترضُ عائلةً جامدةً، كلُ شيءٍ فيها مسيطرٌ عليه، من بثٍ إذاعي إلى بثٍ فضائي، إلى حراكٍ جسدي، ولبسٍ مادي، وتنقلٍ مواصلاتي، وجمودٍ سياسي.
هذه الذكوريةُ الكاسحةُ تتوافقُ مع نظام سياسي ذي ذكورية كاسحة، أي وجودٍ حاكم مطلقٍ الصلاحية، يحبسُ الحراكَ الاجتماعي السياسي لشعبه، فالمدن والطبقات والجماعات الدينية السياسية كلها تقعُ في قبضته.
هذه الصورة رسخها التقليديون وكرسوها عبر العصور، وإنتقوا من الدين ما يوافقها، وأزاحوا ما يعارضها، فلهم قراءتهم للقرآن، وصورة الإله التي يرونها كما هو حاكمهم المطلق المتدخل في كلِ شؤون العباد والبلاد.
وهذه النسخةُ موجودةٌ في المناطق الصحراوية خاصة، حيث القبلية الذكورية الحادة، وهي أكبرُ المناطق في بلاد المسلمين التي ندرتْ فيها المياه وترامت الكثبان. وهي تنزاحُ للمدن وتَغيرُ على الأرياف فتفرضُ صورتَها.
من يسمون أنفسهم بالسلف يحاولون تطابق نسختهم مع بداية الإسلام الثورة، مدخلين التسميةَ غير الدقيقة، في هيمنةٍ عتيقةٍ على الناس.
ثمة قراءةٌ أخرى تزحزحُ هذه الصورةَ الجامدة، فيتحولُ الرجلُ المسيطرُ في الأسرة إلى محاورٍ وشبه ديمقراطي، وتنشأُ الصورةُ في المدن غالباً حيث ثمة فرص للحراك الاجتماعي وخروج النساء من الأخبية، ولا يمكن إعتقال الأجساد عن الحركة والرقص حيناً، ولا يمكن إعتقال العقول كلية فيظهر التأويل والاختلاف، والسلفي يجيء من البادية المكفهرة ومن الريف الجامد ليتبدل قليلاً في قراءة أخوانية، ويمشي مع الفئات الوسطى لشيءٍ من الديمقراطية، ويعللُ الوجودَ ببعض السببيات.
يقدم الأخواني عن السلفي بعضَ الحرية النسبية للنساء، والناس، لكنه يبقي نفسَ السيطرة الشمولية على الحياة الاجتماعية السياسية، حيث القوى المحافظة تهيمن على الحكم.
في الوعي الشيعي تقدم نسختا الإخباري والأصولي مقاربةً لموقف السنة المحافظ، وفي حين يحدث التشددُ السياسي العنيف لدى السنة عبر القاعدة، فإن ذلك يحدث لدى الشيعة عبر ولاية الفقيه.
وهما قفزتان سياستان ليستا نابعتين من المذهبين بطريقةٍ فقهية.
وفي حين تظهر السلفيةُ والأخوانيةُ من مصدرين مختلفين هما البادية والقرية، فإن النسخَ الشيعيةَ تظهرُ من القرية كلية.
هذا يعكس عموماً بقاء المسلمين في ظل زمنِ ما قبل المدن والمدنية، وهم يدخلون فيهما بحذرٍ خوفاً على (العائلة) من (التفسخ والفجور) الحداثي، لكن ذلك له أسبابه في عوامل إقتصادية وإجتماعية وثقافية مركبة، وغياب وجود سلطات ديمقراطية شعبية تحافظ على التطور العقلاني في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
العائلة هي مربط الفرس في التطور الإسلامي، فيما الإصلاحات السياسية مقبولة للكثيرين، ولهذا فإن تطورَ العائلة ووشجائها القرابية العتيقة هي بؤرة التغيير الداخلي العميق.
هذه التمايزاتُ تظهرُ في الدينين الآخرين المسيحية واليهودية على نحو آخر، حيث يهربُ المسيحيون واليهود من عالمِ المسلمين المحافظ، وقد أقام اليهودُ (غيتو) خاصاً بهم يمارسون نفس الأزوداجية الصراعية بين الحداثيين والمحافظين بصورة أخرى، فيما يلوذُ المسيحيون بالفرار من الشرق أو يعارضون بصعوبة جمة.

Social Links: