عبد القادر المنلا
ذا ليفانت –
یبدو أن فشل مشروع الإسلامیین في الوصول إلى السلطة في سوریة من خلال محاولاتهم مصادرة ثورة السوریین، و إحساسهم بالهزیمة، بدأ ینعكس عناداً و عداءً لكل التیارات غیر الإسلامیة بما فیها التیارات ذات التوجه الوطني الخالص.
و رغم حدیثهم الدائم عن الوطن، إلا أنهم یعتمدون الدین مدخلاً أساسیاً لمفهوم المواطنة، و ربما بات تخوینهم للوطنیین من غیر الإسلامیین و من الأديان و الطوائف الأخرى بذات السهولة التي كان نظام الأسد یخون بها كل من وقف ضده.
هنا یلعب الإسلامیون دوراً لا یختلف كثیراً عن الدور الذي لعبه النظام في شق صف السوریین، فاعتمادهم المعیار الدیني أساساً للانتماء الوطني، أو سابقاً علیه في الأهمیة، یخرج الكثیر من السوریین خارج المعادلة الوطنیة، بل و یجعل منهم خصوماً محتملین قد تكون أولویة محاربتهم و التخلص منهم سابقة على أولویة إسقاط النظام، و هو بالضبط الشعار الذي توارت خلفه الجماعات الإسلامیة مثل تنظیم داعش و القاعدة و غیرهما و الذین یزعم الإسلامیون ذاتهم أنهم ضدهم.
تلك التنظیمات #قدمت أكبر الخدمات لنظام الأسد حینما قاتلت الثوار بذات تلك الذریعة، تماماً كما فعل النظام حینما جعل من التخلص من “العدو الداخلي” سابقاً على العدو الخارجي في الأولویة، و هي تقنیة متبادلة و متشابهة في الحرص على السلطة بصرف النظر عن مستقبل الوطن.
و ها هم الإسلامیون الیوم یمارسون ذات الدور الذي مارسته التنظیمات المتشددة، و الغریب أن الإسلامیین الذین لا ینتمون لداعش أو النصرة و یدینون دورهما، یمارسون ذات ذلك الدور على طریقتهم في الحكم على الآخرین.
لقد كانت أسلمة الثورة حصان طروادة الجدید الذي ركبه النظام لیقضي على الثورة الوطنیة، و رغم انكشاف لعبة النظام تلك، ظل الإسلامیون متمسكین بمشروعهم و متمسكین بتصدیره على أنه هدف الثورة، و هو ما ساعد النظام لیس فقط في إیجاد الذریعة لضرب الثورة المدنیة، بل أیضاً في إعطاء الفرصة للنظام العالمي برمته لإیجاد مخرج “أخلاقي” لسحب دعمه المفترض للثورة و تحویله للنظام السوري، معتمدین على تأكید خصوم الأسد الإسلامیین لروایته، و إلحاحهم على مشروعهم الخاص بتطبیق الشریعة الإسلامیة، مما جعلهم خصوماً للمجتمع الدولي الذي عولوا علیه أن ینصرهم في الوقت الذي یناصبونه العداء، و حولوا الأسد و نظامه بشكل تلقائي إلى حلیف لذلك المجتمع الدولي الذي ینتظرون مساعدته في #أعمق حالة تناقض شهدتها السیاسة ربما على مدار التاریخ.
فئة من الإسلامیین إذن تجرّم فئة أخرى و تعدها متطرفة، و تحتكر الإسلام المعتدل لتطرحه مشروعاً بدیلاً عن الإسلام المتطرف، غیر أن الفوارق بین هذه و تلك لا تبدو كبیرة، و لا سیما بالنسبة للمجتمع الدولي الذي لن یدعم دولة دینیة مهما بلغ خصمها من الدیكتاتوریة، و هذا ما لم یدركه الإسلامیون و من الواضح أنهم لا یریدون إدراكه.
و إذا توخینا الدقة، سنجد أن المعیار الدیني لدى هؤلاء، هو معیار الانتماء إلى الإسلام السنّي تحدیداً، فأن تكون ثائراً و ” حراً ً “، علیك أولاً أن تعلن انتماءك إلى تلك الفئة وحدها، و أن تكون ضد الطوائف الأخرى بدرجات مختلفة، أولها الطائفة العلویة، و بعدها باقي الطوائف و الأدیان، و من ثم یتوجب علیك تقدیس صدام حسین و محمد مرسي و رجب طیب أردوغان.
یحصر الإسلامیون كل ما حدث في سوریة على أنه صراع سنّي/علوي/شیعي، إسلامي/مسیحي، و یقّصرون أسباب إبادة الأسد للسوریین على أنها إبادة للسنّة، و بالتالي لا بد من تجمیع القوى السنّیة تحدیداً لمجابهة ذلك المشروع، متجاهلین أن الإبادة في سوریة تطال خصوم الأسد بصرف النظر عن انتمائهم، و متناسین أن السنّة الذین أعلنوا موالاتهم للأسد یتمتعون بمكانة متقدمة لدى النظام.
الخطر الأكبر الذي یتجلى في هذا النوع من الممارسة لدى الإسلامیین، و في هذا التوقیت بالذات، لا یأتي من فكرة وصول الإسلامیین إلى السلطة، فذلك حقهم – كغیرهم – من التیارات – إن أتیح لهم النجاح في انتخابات حقیقیة -، بل في جوهر خطابهم الحالي الذي یصب تماماً في مصلحة النظام و حلفائه و یعزز روایتهم التي صرفوا عشرات الملیارات من الدولارات، و أنشأوا مراكز أبحاث و فضائیات تلفزیونیة و مواقع إخباریة من أجل تثبیتها، ثم یأتي الخصم الإسلامي لیعطي مصداقیة لها، و هي رسالة تلقفها العالم و اعتمدها باعتبارها شهادة الخصم أو شهادة الضحیة، باعتبارها اعترافاً من الضحیة ذاتها ببراءة الجلاد، الأمر الذي لم ینتبه له الإسلامیون أو أنهم تم اقتیادهم إلى هذا الفخ من خلال اختراقهم بعناصر استخباراتیة تتحدث باسم الدین و تقود الأتباع إلى حیث الدور المرسوم لهم، مما یجعلهم ینحرون أنفسهم و ینحرون السوریین و قضیتهم في وقت واحد.

Social Links: