ظروف التوصل إلى الاتفاق
ولمواجهة هذه الانتقادات، اضطرت إدارة ترامب إلى إرسال وفد رفيع إلى أنقرة للتفاوض على وقف العملية التركية، فيما كان ترامب يواجه تهديدات جدية بالعزل من قبل مجلس النواب الأميركي بسبب محاولته ابتزاز أوكرانيا للتحقيق في قضايا متصلة بابن منافسه الديموقراطي المحتمل في الانتخابات الرئاسية القادمة جوزيف بايدن.
بنود الاتفاق
في المقابل، التزمت الولايات المتحدة بإلغاء جميع العقوبات التي تمَّ فرضها على تركيا مؤخراً بمجرد توقف عملية “نبع السلام”. كما تعهدت إدارة ترامب بالعمل والتشاور مع الكونغرس للتأكيد على التقدم الذي تم إحرازه لتحقيق السلام والأمن في سوريا. وشدد الاتفاق على تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، بوصفهما عضوين في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والتزامهما بالدفاع المشترك.
تحديات تواجه الاتفاق
ويعني هذا أن الاتفاق بات جزءاً من تفاهمات أوسع يتعين على تركيا التوصل إليها مع الروس أيضاً لترتيب أوضاع المنطقة. وهناك مؤشرات بالفعل على وجود تفاهمات تركية-روسية تسمح للنظام بالعودة للسيطرة على مناطق في شرق الفرات، وتجريد “قسد” من قوتها، وتنسيق أمني تركي مع النظام، باعتبار أن هذا الموضوع يشكل أولوية بالنسبة إلى تركيا تتضاءل أمامه كل الاعتبارات الأخرى. وكانت قوات روسية ومن النظام السوري دخلت كلاً من منبج وعين العرب/ كوباني، إضافة إلى أجزاء أخرى من شمال شرقي سوريا، بالتنسيق مع الأكراد بعد الانسحاب الأميركي. وقد صرح الرئيس أردوغان أن دخول قوات النظام السوري إلى منبج لا يزعج تركيا. ويسعى الروس بوضوح إلى إحياء التنسيق الأمني بين أنقرة ودمشق، بموجب اتفاق أضنة لعام 1998 الذي يربط حق تركيا بولوج الأراضي السورية لـ”مكافحة الإرهاب” بالتنسيق مع الحكومة السورية. وينتظر أن يبحث أردوغان هذا الأمر في اجتماع القمة الذي يعقده مع الرئيس فلاديمير بوتين في سوتشي يوم الثلاثاء 22 تشرين الأول/ أكتوبر، وكذلك وضع قوات النظام السوري التي باتت الآن توجد في أجزاء من المنطقة الآمنة التي يسعى الأتراك إلى إنشائها. وقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده تدعم تطبيق الاتفاق بين دمشق والأكراد وتعمل على تشجيع التعاون الأمني بين سوريا وتركيا على الحدود المشتركة. وكشف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف، عن وجود “حوار مستمر بين سوريا وتركيا” للحيلولة دون وقوع صدام عسكري بين الطرفين، وأن الاتصالات جارية “عبر قنوات وزارات الدفاع والخارجية والاستخبارات”.
من التحديات التي تواجه الاتفاق أيضاً موقف الكونغرس الأميركي من قضية العقوبات؛ إذ تدور شكوك كثيرة حول قدرة إدارة الرئيس ترامب على تنفيذ تعهداتها لإقناع الكونغرس بصرف النظر عن تمرير عقوبات إضافية على تركيا، في ظل وجود استياء كبير بين أغلبية من الحزبين بشأن قرار الانسحاب من سوريا والتخلي عن الأكراد؛ ما يعني أن ترامب قد خسر حتى دعم حزبه الجمهوري في هذا السياق. فقد صوتت أكثرية مجلس النواب، في 16 تشرين الأول/أكتوبر بأغلبية 354 صوتاً مقابل 60 صوتاً، بما في ذلك ثلثا الأعضاء الجمهوريين، على قرار غير ملزم يعارض قرار ترامب الانسحاب من سوريا، فضلاً عن وقوف أغلبية جمهورية مع الديموقراطيين في مجلس الشيوخ ضد القرار، بما في ذلك زعيم الأغلبية، ميتش ماكونيل. ويعتزم الكونغرس، بدعم من الحزبين، التقدم بمشروع قانون يفرض عقوبات على تركيا بسبب عملية “نبع السلام”؛ ما قد يعني إغضاب أنقرة وتجدد العملية العسكرية.
الرابحون والخاسرون من الاتفاق
أما تركيا، فقد خرجت باعتبارها الرابح الأكبر من الاتفاق؛ إذ حصلت على موافقة أميركية بالسيطرة على مساحة واسعة من الأراضي في شمال شرقي سوريا بعمق يتجاوز 30 كيلومتراً لإنشاء المنطقة الآمنة التي تصبو إليها، من دون قتال، وتمكنت من إبعاد “وحدات حماية الشعب” الكردية عن حدودها الجنوبية بالعمق نفسه، وتعهدت برفع العقوبات الأميركية التي ترتبت على عملية “نبع السلام”. كما حققت روسيا أيضاً مكاسب كبيرة، إذ أفلتت الورقة الكردية من أيدي الأميركيين، وتخلصت روسيا وإيران من الوجود الأميركي في مناطق شرق الفرات، وخرج الأميركيون والأوروبيون من الملف السوري بالكامل، واستفردت به روسيا مع إيران وتركيا (الشركاء الأصغر)، وثبت عقم الاعتماد على الحليف الأميركي. وسوف تحاول روسيا خلال الفترة القادمة السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية في مناطق شرق الفرات.
خاتمة
ويترك تالياً تحديد مستقبل الحل السياسي السوري بيد ثلاثي مسار أستانة (روسيا – تركيا – إيران)، بعد أن تم تهميش دور كل الفاعلين الآخرين، العرب والأوربيين، وأخيراً الأميركيين الذين فقدوا بخروجهم من سوريا أي قدرة على التأثير في مجريات الصراع سواء في الميدان أو على طاولة المفاوضات

Social Links: