وطعنـَّـا الخبز في ظهره

وطعنـَّـا الخبز في ظهره

خالد نعمه

فعلنا ذلك دون أن يرف لنا جفن أو يهتز فينا شرف حزبي، وقد حدث ذلك بالفعل قبل ثلاثين عاماً على وجه التقريب، لا فرق إن زاد التأريخ فيها أيـَّـاماً أو نقص.
كـُّـنا ثلاثة فصائل شيوعية منقسمة على نفسها ومتصارعة على شرعية حمل اللقب، أكثر من النضال الفعلي لتحصيل حقوق الغلابة.
في تلك الفترة، كانت بعض القواعد الحزبية تحاول جاهدة كي تعكس اتجاه النزعة العامة، نزعة الانقسام المتزايدة، خصوصاً بعد أن أقدم خالد بكداش على قسم ما يسمى بحزب الطبقة العاملة شاقولياً وللمرة الثالثة في عام 1986 عندما عقد المؤتمر الخاص المنفصل لجماعته وأنصاره خلافاً لإرادة أغلبية الشيوعيين وأصدقائهم، وذلك في إعلاء منه للشخصي والأسروي على العامِّ ومصلحة الجماعة ككل.
وكانت قد مضت سنوات ثلاث على انقسامه ذاك، وقد هدأت النفوس المتوترة والعقول المشحونة قليلاً، فصار بالإمكان تقديم المبادرات العقلانية العملية الهادفة إلى استعادة ما يمكن استعادته من وحدة تنظيمية مفقودة بوحدة الإرادة والعمل الميداني المشترك حتى في ظل التنافر التنظيمي.
شعارا (خبز وسلم وحرية) و(الخبز خط أحمر) كانا أبرز شعارات شيوعيي بلاد الشام، وقد جاء قرار رفع أسعار الخبز في ذلك الوقت، كي يضع الشيوعيين على المحك وتطابق أقوالهم مع الأفعال تحت الاختبار. وكان هذا الرفع حافزاً للقيام بشيء ما في الشارع ومن أجل الناس كلهم.
بيت الرفيق ندرة يازجي، المعروف حزبياً باسم (أبو غزال)، والواقع قبالة المشفى الإفرنسي بدمشق، كان على صغره أحد البيوت التي استخدمت بكثرة في تلك الفترة للنشاطات الحزبية ولاجتماعات الكوادر والفرق، وقد حصلت فيه لقاءات مكثفة بين ممثلين حزبيين فرعيين ومنطقيين من منظمات الفصائل الثلاثة المنبثقة من الحزب الأم: اثنان منها يحملان الاسم نفسه (الحزب الشيوعي السوري)، ويصدران آنذاك جريديتيهما المركزيتين بالاسم ذاته (نضال الشعب)، أما الثالث فقد تمايز عنهما بإضافة (منظمات القاعدة) إلى الاسم وبنشرته الدورية (طريق الشعب).
دامت اللقاءات المكثفة عدة أيـَّـام، وقد اتفق المشاركون فيها على تشكيل تسعين مجموعة مشتركة، كل واحدة منها مؤلفة من ثلاثة رفاق، بمعدَّل واحد من كل فصيل في كلِّ واحدة من المجموعات، وذلك كي تقوم مجموعات الرفاق هذه بجمع تواقيع على عريضة في حملة احتجاج واسعة تشمل كل أحياء دمشق، وبغرض تعبئة الناس دفاعاً عن لقمة عيشهم.
وحـُـدِّد موعد الانطلاق للقيام بهذه المهمة، وبوشر بتهيئة كلِّ المستلزمات المادية واللوجستية للقيام بذلك بنجاح، وقبيل الموعد المـُـحدَّد بقليل جاءت الأوامر الصارمة من أعلى القيادات الحزبية في الفصائل الثلاث بعدم البدء بالحملة الآنفة الذكر وإيقاف كل مسعى في هذا الاتجاه، أمـَّـا التبرير المسوق في أوامرهم، فهو أنَّ البوارج الأمريكية تحاصر الشواطئ السورية، وأنَّ البلد في خطر.
وسال دم الخبز بعد أن اجتازوا خطه الأحمر المزعوم بذريعة الأخطار المحدقة.

  • Social Links:

Leave a Reply