بقلم :
جمعة الدبيس العنزي
كتب الكثيرون عن اللجنة الدستورية بين معارضٍ ومؤيد، وبما أن للحديث شجون سنكتب مثل من كتبوا ولعلنا نأتي بما يستحق القراءة…
لن نتحدث عن حجج معارضي اللجنة (الصادقة والكثيرة) ولا عن مبررات من ذهبوا إلى جنيف وقولهم بـــ”الواقعية”، فهم كتبوا عن ذلك وحاول كل طرف تسويق مسوغاته!
تم ترشيح اسمي باكراً للجنة الدستورية من قبل جهة معارضة معتبرة، ثم تم تداول اسمي أيام “دي مستورا” لاختياري مع الثلث الثالث “المجتمع المدني” الذي تختاره الأمم المتحدة، وتحدث معي شخصياً مسؤول مؤثر بهذا الشأن، لم اسع لذلك ولم اتعفف، وتركت الأمور تجري هكذا…
لطالما نظرت للدستور على أنه شيء عظيم؛ كقيمة، وليس كذاك الذي أكله الحمار في مسرحية خطها المبدع الماغوط!
لذلك رأيت أن هناك ألف شخص وشخص من السوريين أجدر مني ليكونوا أعضاءً باللجنة الدستورية فكتابة دستور لدولة مكلومة؛ بل ومدمرة أو تكاد من كل النواحي، مسألة دقيقة وحساسة ونبيلة، من جهة أخرى كانت الرؤية ضبابية لجهة مشروعية المشاركة من عدمها أصلاً من وجهة نظر “مواطن سوري” ينظر للأسد كمجرم قتل مئات الآلاف من السوريين ودمر البلاد.
لو قدر لي الذهاب إلى هناك لربما أشدت باللجنة ورأيت أنها مفتاح الخلاص للمأساة السورية التي لم تنته بالحرب، ولعلها تنتهي بالسلام، والواقعية تفرض نفسها هنا…
قد يكون هذا الرأي سليماً وموضوعياً حيناً، وأحياناً متأثراً بأضواء الكاميرات والأجواء الدبلوماسية والرفاهية التي تعم المكان هناك!
ولو وضعت نفسي بالطرف المنتقد للجنة لقلت بأنها خيانة عظمى لدماء الشهداء واختزال الثورة العظيمة بدستور تم تغييره ببضع دقائق ومضيعة للوقت وانبطاح لمحور أستانا من حلفاء النظام الذي وجد بهذه اللجنة فرصة ذهبية لكسب مزيد من الوقت والاستيلاء على كامل التراب السوري مدعوماً بدولة عظمى هي “روسيا” وينتهي الأمر كيفما كان، ولكن لصالح النظام حكماً.
لن انتقد من ذهبوا ولن امتدحهم، مع أنني أعرف بعضاً منهم معرفة شخصية، وهم وطنيون ومخلصون وأكْفَاء.
سأكتب للناس الغير متخصصين عن آلية عمل اللجنة، واكتب نصيحة لممثلي المعارضة وأصحاب الضمير من ممثلي المجتمع المدني.
أولاً) اللجنة مؤلفة من /150/ عضواً من الرجال والنساء السوريين، /50/ عضواً يمثلون المعارضة و/50/ عضواً يمثلون النظام و/50/ عضواً يمثلون المجتمع المدني اختارتهم “افتراضاً” الأمم المتحدة.
معلوماتي الصادمة أن /28/ عضواً من الأعضاء الذين يمثلون المجتمع المدني هم في الواقع يمثلون النظام إذا ما جد الجد!!!
آلية عمل اللجنة أن تُتخذ القرارات بالتوافق أو بالتصويت، وهنا يلزم أن توافق أغلبية 75% من كامل الأعضاء على أي قرار ليصبح ملزماً ونافذاً، أي بواقع 113 عضواً من أصل 150 عضواً.
بما يعني أن الجزء المعطل هو 37+1 أي الربع + واحد، بمعنى أنه إذا صوّت /38/ عضواً ضد أي قرار فلن يمر!!!
ولنأتي بمثال على ذلك: لو طرحت مادة بالدستور تنص على أن يكون شعار الدولة هو “علبة المتّــــة” ولم يحصل إجماع على ذلك وطرح الأمر للتصويت، فهنا يلزم أن يوافق على ذلك /113/ عضواً ليصبح ملزماً ونافذاً!!!
وبرأيكم لو طرحت مادة تنص على أنه لا يحق لرئيس الدولة الحالي الترشح لولاية تالية، أو مادة تمنع تكرار الترشح لمنصب رئيس الدولة، أو أياً من المواضيع الحساسة الأخرى التي تمس تداول السلطة أو مبدأ فصل السلطات أو مدة الولاية، فهل تعتقدون أن يتم الإجماع على ذلك، نجزم بأنه لن يتم الاتفاق على ذلك وسيذهب الأمر للتصويت، وهنا هل تتوقعون من خمسين شخصاً قدموا من دمشق وعوائلهم خلفهم، وهم منتقون بعناية ومشبعون بأفكار البعث، ويؤمنون إيماناً مطلقاً بأن سورية التي يجب أن تكون هي “سورية الأسد” هل هؤلاء سيصوتون بنعم لمثل هكذا قرار!!!
أو هل سيصوت /13/ ثلاثة عشر عضواً منهم على الأقل، مع افتراض تصويت كل الأعضاء المئة عن ممثلي المعارضة والمجتمع المدني؛ وهذا شبه مستحيل، أو مستحيل حكماً!!!
ثانياً) السادة المحترمون أصحاب الضمائر الحية في اللجنة الدستورية؛ لا تذهبوا إلى دمشق لمناقشة الدستور الذي يفترض أن ينقذ البلاد، ولا سيما أنتم يا من حُرمتم من رؤية دمشق منذ سنين طويلة، فلدمشق تأثير السحر على زائرها، فكيف بكم ألا تتأثروا وأنتم تدخلون دمشق وتستنشقوا هواؤها المضمخ بالياسمين!!!
كيف لكم أن لا تتأثروا بعد ارتشاف مياه “الفيجة” النقية العذبة، والتجول في الأزقة العتيقة لسوق الحميدية، مروراً بجامع بني امية الكبير!
ألف سبب يدفعنا لمنعكم من الذهاب، أو محاولة ثنيكم عن ذلك، والأهم من كل ما ذكرنا أن تتذكروا أن دمشق ليست لهم فقط ليدعوكم إليها كغرباء، دمشق لكل السوريين؛ المهجرين منهم والنازحين، لا تذهبوا قبل أن يسمح لكل السوريين بالذهاب لبلادهم كلها ويعودوا بأمان، ولن يحدث ذلك إلا بزوال الطاغية وزمرته كيفما كانت الطريقة، قفوا وقفت حق يسجلها لكم التاريخ، الواقعية أن لا تفرطوا بدماء الشهداء، الواقعية أن تستمعوا لنواح أمهات المعتقلين والمغيبين قسرياً وهن يرقبن كل الدروب بانتظار عودتهم يوماً، الواقعية أن لا ترتضوا بالذل والهوان ومصافحة الجلاد قبل القصاص العادل لينال كل صاحب حق حقه، أو على الأقل أن ترتسم ملامح أمل حقيقية في الأفق، الواقعية أن تقتنعوا أن الحق قديم… والحق لا يموت.

Social Links: