التغيير (21) ليلة القبض على “عبد الرحمن الكواكبي” -1-

التغيير (21) ليلة القبض على “عبد الرحمن الكواكبي” -1-

 

محمد عادل باذنجكي

كما ذكرتُ في غير مكان، أنّني كنتُ أتجنّب معرفة ما يدور على طاولات “المنتدى” من أحاديث تبدو جانبيّة – وإنْ دُعيتُ- تجنّباً من الوقوع في شرَك اعترافات للأمن إن اعتُقلتُ.

لذلك كنت أرى نشاط شريكنا في “نداء من حلب لأجل الوطن” يتفاعل في “منتدى حلب عاصمة الثقافة الإسلاميّة” مع مجموعاته، أراقبه يعمل بصمتٍ، يشعل (سيجارته) -المتأهّبة عوناً لعمل حثيث-، بسابقتها المحترقة همّاً، ويُتبع كأس شايه المُفرَغِ صبراً، بآخر يفيض أملاً.

قابلتُه قبل الثورة بتسع سنين، ولم أعرفه وقتذاك. لأنّني خِلتُه مختالاً خلال تلك الاحتفاليّة في “عيد الأب” عام 2002 وهو يسرد عن الأب لغويّاً وتاريخيّاً بحضور رسميّ.
ثمّ بدأتُ أعرِفُه، عَبْرَ إشراكه لي بتنظيم عدد من مهرجانات “القصّة القصيرة جدّاً” التي تبنّاها تبنّي أبوّةٍ مخلصة.
إلى أن التقينا في “النداء” وهو ما أدهشني، فرغم أنّنا تعارفنا، إلّا أنّنا لم نعرف بعضنا بعضاً.
شخصيّته التي تحبس فيض الكلام المختزَن بداخله، تعطي إشارات غير مفسّرة.
فهو يكتب في صحفٍ رسميّة (تشرين-الجماهير)، وكان تسلّم الملفّ الإعلاميّ لاحتفاليّة (حلب عاصمة الثقافة الإسلاميّة). هذه المواصفات، المختلطة مع سكوته الغامض، ربّما أوحتْ لعقلي المسكون بالأحكام المسبقة، أنّه من أتباع النظام. فكيف يدعوني إلى التوقيع على وثيقة ربّما تودي بي إلى دروبِ مَن سبق في المعارضة؟.
لكنّني كنت قطعت شوطاً في طريقٍ لا عودة فيه بكتاباتي التي كنتُ أغطّيها بثوب شفّاف، يُبدي أكثر ممّا يستُر.

منذ ذلك اليوم، في بدايات نيسان 2011 عرفت أخي “جمال طحّان”، بعد تسع سنين من معرفة كانت زائفة، لا تعكس حقيقته المعاكسة تماماً لما ظننتُه به.

أصبحنا نجتمع يوميّاً قبل وبعد التوقيع على “النداء” لنكتشف أنّ أُخُوّة الثورة أوثَقَ من انصهارها في بوتقة أخوّة (البيولوجيا)، وأوطدَ من صداقات القدَر التي تتيحها تجمّعات المدرسة والجيش والعمل، وأمتنَ من تلك التي يشبّكها طول الزمن بالجيرة والقُربى.

يتميّز (د.جمال) بحركةٍ دؤوبة ساخنةٍ، يطغى عليها سكونه البارد.
لقاءاته مع الثوّار جمعت الأكاديميّ، إلى العامّيّ، والصغير إلى الكبير. تعابير وجهه تشبه تمثالاً يرمِش، وربّما تصلح لوَجْهِ لاعب بوكر.
فإن كان هذا دأبه عادةً، فالأَوْلى أيضاً هنا لأنّه في هذه الحالة يقامرُ على أغلى ما يملك.

(د.جمال طحّان) لمن لا يعرفه:
– حائز على دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس.
– يمكن اعتباره حفيداً فكريّاً متّصلاً بأحد أعلام الشهباء -المناضل ضدّ الاستبداد- “عبد الرحمن الكواكبي”.
– له العشرات من المؤلّفات منها أعمال الكواكبي، وإضاءات على بعض جوانبها كما كتب العديد من المؤلّفات ضدّ الاستبداد.

بعد انطلاق الثورة بوقت قصير، اكتشف ورماً في المثانة، اتّضح لاحقاً أنّه غير حميد. كان يقتطع الوقت لمراجعة الأطبّاء، ثمّ يعود مجدّداً بوجهه السارح الذي لا يستطيع أمهر بصّاصي أجهزة الأمن المتواجدين في أنحاء “المنتدى” قراءة شيءٍ منه.

كان مشغولاً قبيل (بركان حلب) في 30/6/2011. لم يمضِ أسبوع بعده، حتّى وصلَنا بتاريخ 8/7/2011 خبر اعتقاله مع ثلّة من الثوّار القريبين منه.

جاء وقْع اعتقاله علينا كالصاعقة، خشيةً عليه، وتحسّباً من الآتي. فنحن شركاء في العمل، وربّما يكون دورنا هو التالي.

عندما أصبح النهار، تواصل معي ولده (ثائر) قائلاً: اعتَقَلوه بلباس النوم، وعليه تناول أدوية ضروريّة لمرضه، كما عليه الالتزام بمواعيد الجرعات الكيميائيّة التي تُعطى له في مشفى “زاهي أزرق”.

أخرجتُ من جيبي البطاقة التي ظننتُ أنّني لن أستخدمها، وهي بطاقة تعريف العميد “د. عماد محمّد” نائب رئيس فرع الأمن العسكريّ الذي ذكرتُ قصّتي معه في الجزء
(17.. نُذُر الربيع العاصف) من سلسلة (التغيير) هذه. وكان استخدامها حُجّتان في حاجة. فلو كنّا (الشلّة) من المطلوبين فسأستشفّ ذلك من لهجته.

كان العميد متعاوناً على الهاتف، وأوصاني بالذهاب إلى فرع (الأمن الجوّي) لمقابلة الرائد (ماهر محمود)، وهو سيوصيه بدوره، لإيصال الأدوية والألبسة للدكتور (جمال)، والعناية به‎%‎

-يُتبَع-

ملاحظة: الصورة المرفقة للدكتور جمال طحان- عالجتها أثناء وجوده في الاعتقال.

 

  • Social Links:

Leave a Reply