مؤتمرات الطفل الكهل

مؤتمرات الطفل الكهل

التغيير 23

محمود عادل بادنجكي

بعد انقضاء حوالي 9 سنوات على ثورة السوريين، تقتضي المراجعة توصيف البدايات، اجتناباً لخلط المواقف، وابتعاداً عن إلباس ثوب ابن التاسعة، لطفل يحبو. فلن يناسب القياس، وستُشوّه الصورة.

وإنّ التذكير بتفاصيل تلك الفترة، هو قراءة ذلك الواقع، وتحميله بما يحتمل، ببراءة البدايات الأولى. لقد كنّا وقتها كمن كان مغلولاً إلى مقعدٍ طوال أربعين عاماً، ثمّ جرَّبَ تحرير ذاته من غِلٍ مُورِسَ عليه، وأغلالٍ تقيّد إنسانَه. فبدونا كطفلٍ وُلِدَ كهلاً، راح يُراكِم خبرات الحَبو، بعد تقييد، ويعاني عثرات الخطوِ الخاطئ بعد إقعاد، ويكابد النطق العاسر بعد إطباق، ويعالج عوائق إعمال الذهن بعد تعطيل، ويتلمّس طرق اتّخاذ القرار بعد استلاب.

ثمّ إنّك أثناء محاولات التحرّر، والخَطْوِ، والنُطقِ، والتفكير، واتّخاذ القرار، تجابَه بتقييد إلى تقييد، وإقعادٍ، وإطباقٍ، وتعطيلٍ، واستلاب، بأضعاف ما كان، بل زِيدَ في ذلك إمعاناً، وإكراهاً، وإرعاباً، وإرهاباً، واعتقالاً، وتقتيلاً، وتنكيلاً، وتدميراً، وتشريداً، وتهجيراً.

فينطلق المارد فينا، إصراراً وصبراً، كرامةً وعزّةً، استلهاماً وإبداعاً، تحدّياً وسلميّة، تضحيةً وفداءً، إيماناً وحضارةً. فيختصر مراحل الطفولة، والمراهقة، والشباب، والكهولة في زمنٍ مضغوطٍ مستعارٍ من وقتٍ توقّفَ فيه لوقتٍ، لا تحتمله مواقيتُ الشعوب الحيّة. وفي محاولة للعودة إلى حقيقة المرحلة العمريّة الناضجة، وليست تلك التي تنبئ عن طفولة ساذجة.

بعد مؤتمر “أنطاليا” للمعارضة السوريّة الذي انعقد 31 مايو- 3 يونيو 2011، تمّ التحرّك في داخل “سوريا” لعقد مؤتمرٍ مقابل سُمّي (المبادرة الوطنيّة من أجل مستقبل سوريا) في فندق “سمير أميس” في “دمشق”، بغرض دعوة ما أُطلق عليهم (المعارضة الوطنيّة الشريفة) 3/7/2011 وهم من (معارضي الداخل).

كنتُ ممّن وُجّهت لهم الدعوة لحضور هذا المؤتمر. وربّما ما جعلني أفكّر بالمشاركة، هو وجود شخصيّة متوازنة مثل “د. محمّد حبش” – قبل أن أتعرّف إليه- ضمن القائمين على تنظيم المؤتمر. وما جعلني أعتذر عن عدم المشاركة، هو دعوتي من قِبَل عضو مجلس الشعب السابق عن “حمص” “زهير غنّوم” الذي وصلتني أخبار عن تشبيحه، واندساسه بين المعارضين، وعدم ارتياحي للغة جسده، وأسلوب خطابه. وهو ما أكّدَتْه التجربة، وجعلتني أشكر الله على عدم مشاركتي، كون “غنّوم” مارس أقصى تشبيحه على أحد المشاركين “ماجد صالحة” أثناء المؤتمر، وانهال عليه ضرباً أمام (الكاميرات)، فأفشل المؤتمر، وأحرج المشاركين المخلصين فيه.

تلى ذلك المؤتمر بأيّام، دعوة إلى (المؤتمر الوطني للحوار- اللقاء التشاوريّ) والذي أقيم في 10/07/2011 “بمجمّع صحارى السياحيّ” في ضواحي “دمشق”، بحضور نائب الرئيس “فاروق الشرع”.

وكنتُ كتبتُ بتاريخ 06/07/2011 مقالةً عرضتُ فيها رأيي بالمؤتمرات المنعقدة، وتلك قيدَ الانعقاد، من وجهة نظر ذلك “الطفل الكهلُ” الذي كُنّا.

((حكي في المعارضة))

‏ في 06 يوليو، 2011‏، الساعة 07:04 مساءً‏‏

أكثر ما يثير تعجـّب وتساؤل واستغراب وقلق وثرثرة الناس اليوم، هو هذا “التفريخ” العجيب، والسريع، والمتفاقم، للمؤتمرات، واللقاءات، والاجتماعات التي يصدر عنها، بيانات، ونداءات، وتوصيات، ويتمّ التفريق فيها بين معارضة وطنيّة، وأخرى تتـبع “أجندات”!!
الأولى تحت سقف الوطن، والأخرى خارج، أو فوق، أو بلا سقف نهائيّاً!!

و”التفريخ” يأخذ منحيَين، في العدد، والتعدّد. أي تعدّد الاتجاهات، والمذاهب السياسيّة!!
وحجـّتهم في ذلك.. أنّ بعد هذا الإجداب، والقحط السياسيّ، يأتي هذا السيل “المعارضاتي”.

وقبل أن أدلي برأيي في هذا الموضوع سأسوق مثالاً حياتيّاً اختبرته بنفسي:
فقد طال زمن انتظارنا لطفلي – ذاك الوقت – “عمرو” لينطق كما ينطق الأطفال الطبيعيون!
بقي حوالي العامين دون أن يستطيع تكوين كلمة واحدة. حتى بابا، أو ماما! ثمّ تراه في يومٍ واحد نطق أكثر من عشر كلماتً، وأصبح ثرثاراً لا يسكت أبداً!

قال الطبيب: أنّه كان في مرحلة كـُمونٍ، وثبُت في ما بعد أنّ حافظته قوّيّة، وذكاؤه جيّد.

والمثال هنا ينطبق على الشعب السوريّ. فليس معنى سكوته طيلة الأعوام الماضية، هو قصوره عن التفاعل مع الأحداث!! أو عجزه – وظيفيّاً- عن الاهتمام بأموره وشؤونه العامّة.
لكنّها كانت مرحلة تكميمٍ لآراء، وتقزيمٍ لدور المواطنين، من خلال فرض وصايةٍ من كلّ الأنواع، على كافّة أشكال احتياجاتهم. ثمّ أصبح هذا الدور بحكم الأمر الواقع وصاية دائمة، و اعتاد الناس أخذ دور القاصرين!

إلى أن أتى ذلك اليوم الذي نطق الشعب باسم الحريّة. تبعه كلام كثير كامنٌ في الصدور، ليثبت أنّ هذا الشعب واعٍ، دارٍ بشؤونه، قادرٌ على تشخيص أوجاعه، ومؤهّلٌ لأخذ زمام المبادرة في حلّ مشكلاته، لو أعطي الفرصة.

إنّ ذات السبب الذي يجعل البعض قلقين من توالد المعارضة بهذه السرعة، هو مبرّر تكاثرها، وهو إثباتٌ عمليّ لظواهر جديدة تحتاج إلى دراسات معمّقة.

فبلدٌ ك”تونس” ذات السبعة ملايين نسمة، تمّت الموافقة فيها على تأسيس /93/حزباً جديداً!!
إنّها حالة التعويض الطبيعيّ عن (نقص الحريّة المكتسب) من الأنظمة، وهو إعادة التوازن المفقود، وتدريب عمليّ للممارسة السياسيّة، والديموقراطيّة التي كانت مؤسّسة في عقول المواطنين، وآن أوان ممارستها تحت الشمس.

وهي الحالة التي تشبه أرضاً وافقت شروطها البيئيّة، من طقس مناسب، وماءٍ كافٍ، وتربة صالحة. فإنّ النبات سينتش فيها، وتخرج الزهور والرياحين. كما ستتكاثر الطفيليات، وتتواجد النباتات الشوكيّة والضارّة. وكلّ ما علينا اختيار ما نحتاج، وتوظيف هذه المخرجات بما يتناسب مع الحاجة إليها.

يجب أن لا يخيفنا توجّهٌ سياسيّ بعينه، فالناس حريصون على المحافظة على مصالحهم ووحدتهم، والقيم التي يؤمنون بها، وسيدافعون عنها، ومنها الوحدة الوطنيّة، ونبذ الطائفيّة، ودعم المقاومة، وكره إسرائيل، وتطبيق الديموقراطيّة الفعليّة، كما تعيشها معظم شعوب الأرض.

وما يجري في “تونس” و”مصر” من مقاومة لكلّ محاولات التدخـّل في حرف المسيرة عن إرادة الشعب، لدليلٌ على عدم تمكـّن أيّة جهة مهما عظمت من التأثير في قرارات شعوبً أثبتت أنّها بلغت سنّ الرشد، ولم تعد بحاجة لوصاية أحدٍ مهما بلغ ذكاؤه، أو سطوته.

المعارضة.. وحتّى معارضة المعارضة، هي ظواهر صحيّة. واختلافها دليل عافية، وهي أوّل الطريق نحو الديموقراطيّة.‎%‎

-يُتبَع-

  • Social Links:

Leave a Reply