زكي الدروبي
تسارعت خطى الشعوب في المنطقة، معلنة أنها ستكمل مسيرتها نحو الخلاص من الاستبداد بكافة أشكاله وصوره، والانتقال إلى الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، وإلى العدالة الاجتماعية.
من ايران وحتى الجزائر، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان وصنعاء، وبشكل متقطع في الأردن ومصر، رفضت شعوب المنطقة الفساد والتدهور الاقتصادي الناجم عنه، وأعلنوا أن نظم الاستبداد المختفية خلف شعارات مختلفة مذهبية وأثنية وخلافه، هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن معاناتهم، ولم يعد ينفع مع هذه الأنظمة إلا الرحيل.
في قوانين الديالكتيك نجد أنه في لبنان وعلى مدار سنوات طويلة من تراكم الغضب والإحباط، فشل اقتصادي، فساد مستشري، فشل إداري، تراكم النفايات، ..الخ بالإضافة لشعور اللبنانيين بإهانة الوطن من قبل دويلة حزب الله التي أعلن قائدها أنه جندي في جيش ولاية الفقيه الإيراني، طرأ تحول للتطور من تطور كمي إلى تطور نوعي حين أتت القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد فرض الضرائب الجديدة على الشعب اللبناني، ليخرج منتفقاً معلناً أنه ضد كل الطبقة السياسية الحاكمة للبنان، معارضة وموالاة، كلن يعني كلن.
في العراق نفس الأمر، فساد مستشري واقتصاد منهار رغم امتلاكه لثروات طبيعية تجعل الشعب العراقي يعيش في بحبوحة، وليس كما هو اليوم.
في صنعاء التي أنهكتها الحرب، انتفض الشعب اليمني ضد حكومة الحوثيين، معلنين رفضهم لهذا الواقع المرير الذي يعيشونه.
في الجزائر لازالت المعركة مستمرة بين العسكر وبين الثورة، حيث تحاول القيادة الثورية تسجيل نقاط على العسكر وإضعافهم سعيا للوصول إلى مطالب الثورة، مع عدم الانجرار إلى معارك خاسرة توقع الكثير من الضحايا في صفوف المدنيين، كما فعلت معارضة الشعب السوري “المجلس الوطني والائتلاف”، حين خضعت لإجرام النظام، وانتقلت من حق الدفاع عن النفس المشروع في كل الشرائع الدولية، إلى الصراع العسكري المتخفي تحت شعارات طائفية تارة وقومية تارة أخرى.
التمدد الإيراني في المنطقة لم ينعكس إيجابياً على الشعب الإيراني، بل جلب لها الويلات والحروب، وأصبحت ايران الغنية بثرواتها الطبيعية بلداً فقيراً متخلفاً يعاني شعبه من الفقر الشديد، ويعاني من استبداد طبقة الملالي الحاكمة لهذا الشعب باسم الإله وباسم الولي الفقيه المختفي في المغارة من مئات السنين. حكم الملالي اندفع تحت حلم إعادة بناء الإمبراطورية الفارسية متفاخرا بالسيطرة على أربعة عواصم عربية، ليغرق في أوحال المنطقة، وارتد إليه على شكل انتفاضات متعددة في العراق تكررت خلال عدة أعوام ثم خرجت الانتفاضة الكبرى مؤخرا لترفض هذا الشكل النهب والاستبداد المستند إلى تقسيم طائفي واثني وقومي، ورفض الوصاية الإيرانية على بلدهم، ونهبهم لخيراته من أجل تمويل تمددها العسكري خارج البلاد، ونفس الأمر انسحب على المتظاهرين في صنعاء الذين يرفضون الحوثيون أذناب الولي الفقيه في بلادهم، ونفس الشيء بالنسبة للبنانيين الذين رفضوا حزب الله، هذا الرفض من كل المنطقة لنهج حكم الملالي المعتمد على التوسع العسكري الخارجي وقتل الشعوب تحت عناوين طائفية ونشر التشيع السياسي من أجل السيطرة على هذه البلاد جاء من قلب المناطق التي تعتبر موالية لها مذهبيا، ففي لبنان شارك شيعة لبنان إلى جانب بقية الشعب اللبناني في المظاهرات المنددة بزعمائهم السياسيين، وفي العراق خرجت المظاهرات من الجنوب والمناطق ذات الأكثرية الشيعية رافضة إيران وتحكمها بهم.
لم يستوعب ملالي إيران التغيرات في المنطقة ورفض شعوبها لهيمنتهم منذ انتفاضة الشعب السوري في 2011، بل سعوا لإخضاع الشعوب الثائرة بالقوة، واستغلال الموالين لها مذهبيا في الدول المختلفة للهيمنة على قرار هذه الدول ولإثارة القلاقل والفتن فيها، واستمرت في محاولاتها حتى خرجت الشعوب في كل المنطقة منددة بهيمنة حكم الملالي السافر على شعوب المنطقة.
ومع تشديد العقوبات الأمريكية على نظام الملالي، وتحول الأخير للاستفزاز العسكري وعمليات القرصنة في البحار، وقرار ترامب بإرسال 3 آلاف عسكري أمريكي لحماية السعودية، هل يعيش ملالي إيران اليوم نهاية حكمهم؟ أم أن ما يجري ليس إلا ضغط أمريكي لتغيير بعض السياسات الإيرانية ولا يستهدف النظام الإيراني؟
هل سيسعى العالم لإنهاء التدخل الإيراني في المنطقة، والتحول نحو دعم الانتقال الديمقراطي أم أنهم ما يزالوا يعلنون دعمهم لثورات الربيع العربي ويضمرون دعمهم للمستبدين؟

Social Links: