ياسر المسالمة
غيّب الموت صباح الجمعة السادس من كانون الأول من العام 2019م الأستاذ منصور الأتاسي أبو مطيع, خبر كان وقعه صادماً لكل من عرف الفقيد, ليس من الجانب الانساني فقط, بل من جانب الثورة والعمل الثوري, فالفقيد كان رمزاً من رموزها وأحد عقولها التي انخرطت باكراً في الحراك.
ينتمي الفقيد لمدينة حمص لعائلة الأتاسي الغنية عن التعريف, هذه العائلة الكريمة التي قدمت لسوريا ثلاثة من رؤسائها على رأسهم الرئيس هاشم بيك الأتاسي أبو الدستور السوري ورئيس أ,ل لجنة لصياغة دستور سوريا في العام 1919م, كان انتساب الفقيد لهذه العائلة كفيلاً وفي تحديد مسارات حياته حيث انخرط باكراً في العمل السياسي من خلال الفكر الشيوعي الذي تبناه مذهباً سياسياً له.
كانت حياة الفقيد حافلة بالنضال السياسي وما رافق ذلك من اعتقال وملاحقة, لكنه كان شعلة من النشاط تراه في كل مكان وفي كل موقف حتى فرض الرجل احترامه على الجميع, بل صار وجهاً حمصياً بارزاً ونجمة لامعة في سماء تلك المدينة المناضلة.
تعرفت على الفقيد في الأيام الأولى لوصولي للقاهرة, كنا نلتقي بشكل دائم في قهوة زهرة البستان, وبرغم فارق السن بيننا إلا أنني لم أشعر يوماً أن هناك أي حواجز بيني وبينه, كنا نتبادل الحديث وكان يسدي النصائح, لكنه لم يكن يكتفي بهذا, بل كان دائماً في الصفوف الاولى لأي عمل وأي مظاهرة تخص الشأن السوري في مصر.
جمعتني به عديد المشاريع الثورية في مصر, لم يكن اختلافنا الفكري عائقاً أو حاجزاً عن تعاوننا, بل على العكس كان له طريقته اللطيفة في كسر أي جليد, وكان من المؤسسين الحقيقيين للحراك السوري في القاهرة.
اجتمعنا مبكرا في العام 2012م لتأسيس كيان يمثل السوريين في مصر, وكان صادقاً ودؤوباً في عمله ونواياه, بل إنه كان السباق في الدعوة والحشد للإجتماع, وبرغم أنه كان الأكبر سناً والأكثرخبرة وعلماً وقدراً, إلا أنه أصر أن أكون أنا مديراً لهذه الجلسة, لم ننجح النجاح الذي سعى له الفقيد لكنها كانت المحاولة الجادة الأولى لنا لسوريين في مصر.
عدنا للقاء في مشروع جديد لتأسيس تكتل ثوري سوري في مصر, عندما قمنا بعقد اكبر اجتماع لنشطاء الثورة السورية في مصر في مقر حزب غد الثورة السوري حضره أكثر من مئتي ناشط, وكما المرة الأولى أصر الفقيد أن أكون أنا مديراً لهذا الاجتماع الذي تناول ثلاثة محاور حينها وكان من أهم اللقاءات التي قمنا بها.
كان يبدؤني بالاتصال عند كل حدث سوري من أجل تنظيم مظاهرة, “لازم نعمل شي” هذه الكلمة كانت أول ما يقوله بعد السلام, وبرغم كبر سنه إلا أنه كان أول الواصلين لكل المظاهرات حاملاً لافتته التي كتبها بيده والتي تحمل مضامين ثورية عميقة, ولا زلت أذكر موقفه عندما هاجمت مظاهرتنا مجموعات البلاك بلوك الارهابية وكيف استطاع بحنكته حماية السيدات والبنات من خطرهم بينما كنا نحاول مواجهة هؤلاء الرعاع.
في قهوة زهرة البستان كان لقاؤنا الدائم, نتبادل الاحاديث, نخطط أعمالنا, نلعب طاولة الزهر, كان لاعباً محترفاً وكان يحب أن يلعب معي, كان هو والاستاذ فرحان مطر والاخ حسام الدين ملص خصومي المفضلين, كنا في تلك المرحلة كسوريين كالإخوة حقاً, وكان لنا كبار نقتدي بهم هم ظهرنا وسندنا.
الأجمل كانت لقاءاتنا معه ومع المرحوم سلامة كيلة في قهوة زهرة البستان, كانت فيضاً ثورياً حقيقياً وجرعة فكرية ثرية, كان الفقيد لا يفوت يوماً من حضور الصالون السياسي الذي أسسه صديقنا شادي الشحادة باسم صالون زيتون السياسي والذي كان اول تجربة في هذا المجال, ساهم الفقيد بإثراء النقاشات والحوارات في كل مرة.
لا أستطيع حصر كل أعمال الفقيد التي كنت شاهداً عليها في مصر, فمنزله الذي تعرفت عليه فيه عندما استضاف حفلة للإستاذ عبد القادر المنلا وابنته ودعانا إليها استمعنا فيها لأغانيه الثورية الناقدة.
خسارة الاستاذ منصور خسارة كبيرة لسوريا ولمدينة حمص ولليسار, خسارة لأهله ورفاقه ومحبيه, وعلى الصعيد الشخصي, خسارته هي خسارة كبيرة لي فهو بالنسبة لي جزء هام من ضمير الثورة التي أؤمن بها وأحد الأشخاص الذين أثق برأيهم السديد في كل مشروع اطرحه او عمل اقوم به, وهو الاخ الاكبر والعم الناصح.
خسرنا كثيراً بفقده, عزاؤنا في ابنائه وأعماله الباقية فينا, وعهدنا له إكمال المسيرة والإخلاص بها.
لنقول في حضرة الموت الذي لا بد منه, رحمك الله يا أبا مطيع, وداعاً إلى لقاء, عندما تفرح روحك بسوريا المحررة الحرة.

Social Links: