بقلم الرفيق صبحي انطون أبو يسار
في التحالفات
جرت العادة أن يكون لكل حزب سياسي وخاصة الأحزاب الشيوعية برامج سياسية تحدد الطريق الذي سيسلكه هذا الحزب خلال مرحلة تاريخية معينة محددة. أهم النقاط التي تُصاغ في البرنامج السياسي هي تقييم المرحلة أولا وكيفية العبور من المرحلة التاريخية المحددة إلى مراحل تاريخية أخرى أكثر تقدما ويعتمد هذا العبور ثانيا على تحالفات وطنية ديمقراطية تمهد الطريق إلى بناء وطن لجميع أبنائه ومكوناته ومجتمع مزدهر يضمن الحقوق لجميع الطبقات الوسطى والصغيرة والفقيرة وأصحاب المراتب الاجتماعية ذات الدخل المحدود شرط أن تتم هذه التحالفات عبر الحوار الديمقراطي المسؤول وصولا إلى قواسم مشتركة وإلى أسس واضحة في السياسة والاقتصاد والاجتماع تخدم جميع المكونات السياسية الداخلة في التحالف المنشود.
في التحالفات التي شارك فيها الحزب الشيوعي السوري مع حزب البعث العربي الاشتراكي إلى جانب أحزاب سياسية أخرى كان هناك نقطة مركزية جرى حولها جدلا لأن حزب البعث حاول وبإصرار أن يتم قبولها من قبل الأحزاب السياسية الأخرى المشتركة في الحوار والنقطة هذه هي أنه يُمنع منعا باتا العمل السياسي في صفوف الطلبة من قبل الأحزاب السياسية التي ستشارك حزب البعث الحاكم فيما يُسمى بالجبهة الوطنية التقدمية. وما كان من الحزب الشيوعي السوري إلا أن وافق عليها يومها وكان خالد بكداش هو الأمين العام للحزب وكان الشيوعي المحاور مع البعث يوسف الفيصل.
على مستوى الحزب وخاصة في أوساط الكادر الرئيسي قُوبل هذا الموقف بالرفض القاطع واحتار خالد بكداش في أمره إلى أن جاءه الفرج من ولاية الفقيه في موسكو بشخص بريجنيف الذي أرسل برقية تأييد لقيام الجبهة الوطنية التقدمية وهذا يعني فيما يعنيه ضرورة موافقة الحزب الشيوعي السوري على الدخول في الجبهة. عندها اشتد ساعد خالد بكداش وكان له أن سرّب إلى سلطات الأمر الواقع أسماء الرفاق الذين عارضوا و وقفوا في وجه الدخول في الجبهة. وبناءا على هذا سرّح النظام جميع المعلمين الشيوعيين من التعليم وألحقهم بالدوائر الإدارية للدولة كالتموين وغيرها .. والحزب يغطّ في نوم عميق.
أمام هذه النقطة تذكرت موقفا أتقن إدارته أحد الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب يوم قرر ألا يكون في الجزيرة العربية دين آخر غير الاسلام دينا هذا إذا علمنا أنه سبق أن كان في الجزيرة العربية مجموعة عديدة من الأديان وخاصة اليهودية والمسيحية. طلب الخليفة عمر من قبيلة تغلب التي كانت تدين بالمسيحية والتي كانت من كبريات القبائل العربية أن تتخلى عن مسيحيتها وأن ترتضي الإسلام دينا .. رفضت تغلب ذلك ورفض عمر ابن الخطاب أن ينجر إلى عمل مسلح معها فما كان منه إلا أن دخل مع تغلب في حوارات سياسية ولأنه كان يتمتع بذكاء مشهود له كرجل دولة, توصل مع تغلب إلى اتفاق سياسي مفاده أن تتوقف قبيلة تغلب عن معمودية الولادات الجديدة على مستوى القبيلة جمعاء مقابل أن تبقى على نصرانيتها وكان أن وافقت تغلب. ولشدة ذكاء عمر كان الواضح لديه بأن المسيحية في قبيلة تغلب ستنتهي مابين ثلاثين إلى أربعين عاما فالكبار في العمر سيرحلون إلى جوار ربهم والشباب ليسوا مسيحيين لأنهم خارج المعمودية وبذلك يتم له مايريده وكان له ذلك.
إذا تم هذا الاسقاط التاريخي على ما قام به خالد بكداش من موافقته على عدم العمل السياسي والتنظيمي في صفوف الطلبة نصل إلى أن ما تم مع قبيلة تغلب تمّ مع الحزب الشيوعي السوري وانتهى الحزب إلى ماهو عليه اليوم, يقول ما يُقال له ويكتب ما يُستكتب له .. تحول الحزب من الوجود إلى العدم ومن الاستقلالية إلى الذوبان.
يقول إنجلز: ” تنحصر المسألة في أن نعرف كيف نمارس السياسة وأي سياسة نمارس”

Social Links: