نتابع نشر الكراس الذي كتبه المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو في منتصف الثمانينات
ماهي الماركسية 2/6
1 – الأساس الطبقي للماركسية:
بالنسبة لماركس “ليس الوعي الاجتماعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي، وإنما الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي”(6)، وبالتالي فان فهم وتعريف أي فلسفة أو نظرية أو أيديولوجية يستلزم ،أولاً وأخيراً، توضيح الوجود الاجتماعي الذي يشكل أساسها. هكذا فان ماركس ينظر إلى الدين بصفة عامة باعتباره “الوعي الذاتي والإدراك الذاتي للإنسان الذي لم يتوصل بعد لنفسه، أو فقد ذاته مرة أخرى بالفعل”(7)، هذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان موقف الدين المقلوب رأسا على عقب من العالم، لأنهما عالمان مقلوبان رأسا على عقب.(8) إن ماركس يكشف الأسرة الأرضية باعتبارها سر الأسرة المقدسة(9)، وبالمثل يحلل انجلز المسيحية الأولى بأنها ديانة العبيد والعبيد المتحررين، ديانة الأشخاص الخاضعين أو المشتتين بواسطة روما(10). وفي البيان الشيوعي يعرف ماركس مدارس الاشتراكية القائمة المختلفة مباشرة بالإشارة للمصالح الطبقية التي تمثلها، معطياً إيانا على التوالي الاشتراكية الإقطاعية والاشتراكية البرجوازية الصغيرة والاشتراكية البرجوازية. وهكذا وفي تاريخ لاحق، بين تروتسكي أن مفتاح الأيديولوجية الفاشية بالإضافة إلى الحركة الفاشية يكمن في الوضع الطبقي للبرجوازية الصغيرة المعتصرة بين رأس المال والعمل. يمكن مضاعفة هذه الأمثلة بلا نهاية، ويجب تطبيق نفس منهج التحليل على الماركسية ذاتها – وهذا بالطبع ما فعله ماركس وأنجلز بنفسيهما.
يبدأ انجلز كتاب ضد دوهرنج بتأكيد “إن الاشتراكية الحديثة في مضمونها هي بالأساس نتاج إدراك الصراعات الطبقية القائمة في المجتمع الحديث بين الملاك وغير الملاك، بين الرأسماليين والعمال المأجورين من ناحية، والفوضي التي تحكم الإنتاج من ناحية أخرى”(11)، نستطيع أن نكمل صياغة انجلز بإضافة أن الماركسية هي إدراك هذه التناقضات من وجهة نظر البروليتاريا. وكما يقول ماركس في بؤس الفلسفة “مثلما أن الاقتصاديين هم الممثلين العلميين للطبقة البرجوازية، فان الاشتراكيين والشيوعيين هم منظرو الطبقة البروليتارية”(12) ويقول في البيان الشيوعي: “النتائج النظرية للشيوعيين ليست على الإطلاق مبنية على أفكار أو مبادئ اخترعها أو اكتشفها هذا أو ذاك من المصلحين العالميين. إنها تعبر فقط بشكل عام، عن علاقات واقعية نابعة من صراع طبقي قائم، من حركة تاريخية تسير أمام أعيننا”.(13)
وورد في البيان الشيوعي أيضاً الفقرة الهامة التالية:
يتميز الشيوعيون عن أحزاب الطبقة العاملة الأخرى فقط في الآتي: 1) في الصراعات الوطنية لبروليتاريي البلاد المختلفة، يحددون ويضعون في المقدمة المصالح المشتركة للبروليتاريا كلها. بصرف النظر عن الجنسية، 2) في المراحل المتعددة للتطور الذي يتعين أن يمر به الصراع الطبقة العاملة ضد البرجوازية، يمثلون دائماً وفي كل مكان مصالح الحركة ككل.(14)
إن هذه الفقرة توضح تعريف الماركسية كنظرية الطبقة العاملة بتقرير أن ما هو متضمن في هذه النظرية هو التعبير، لا عن مصالح هذا القطاع أو ذاك من الطبقة، وإنما عن مصالح الطبقة العاملة ككل بصرف النظر عن الجنسية، (ونستطيع أن نضيف اليوم: العنصر أو الجنس) وهي بالتالي تصلح كنقطة انطلاق لتحديد ونقد الانتهازية، التي تكمن في جذورها التضحية بالمصالح الكلية للطبقة لصالح مصالح مؤقتة لمجموعات وطنية أو مهنية أو محلية معينة داخلها.
إن ما طرحناه ليس فقط تعريفاً اجتماعياً، وإنما تاريخياً أيضاً: فهو يفسر كيف ظهرت الماركسية في الوقت الذي ظهرت فيه، فقد وجد الاستغلال والقمع لآلاف السنوات كما وجدت الرأسمالية في صورها الأولية لقرون، إلا أنه لم يكن من الممكن للماركسية أن تظهر إلا عندما طورت الرأسمالية القوى الإنتاجية ومعها البروليتاريا إلى الحد الذي يسمح بإدراك إمكانية إسقاط الأخيرة للرأسمالية وإذا نظرنا إلى سيرة حياة ماركس، علينا أن نلاحظ أنه لم يتوصل للماركسية إلا باتصاله بحلقات العمال الثوريين في باريس في أواخر عام 1843. وفي ذلك الوقت اكتشف ماركس، “تكوين طبقة ذات روابط راديكالية”، وأعلن لأول مرة ولاءه للبروليتاريا التي عندما “تعلن القضاء على النظام العالمي القائم، فإنها تعلن فقط عن سر وجودها، الذي هو في الواقع القضاء على هذا النظام.(15)
إن هذا المدخل فيما يتعلق بأصول الماركسية يختلف بوضوح عن ذاك الذي أعطاه كاوتسكي واتخذه لينين في كتابه ما العمل؟ كجزء من رأيه بأن الاشتراكية يجب أن تأتي للطبقة من الخارج، كتب كاوتسكي “إن الاشتراكية والصراع الطبقي ينشئان جنباً إلى جنب وليس واحد من الآخر.. سيادة العلم ليس للبروليتاريا وإنما للانتلجنسيا البرجوازية”(16). كما ذهب لينين إلى أنه “في روسيا نشأ مذهب الاشتراكية الديمقراطية النظري مستقلاً تماماً عن النمو التلقائي لحركة الطبقة العاملة. لقد نشأ كنتاج طبيعي وحتمي لتطور الفكر عند الانتلجنسيا الاشتراكية الثورية”.(17) لقد حاولت في موضع آخر أن أفند هذا الموقف، وأظهر نتائجه الضارة، واثبت انه كان يمثل فكر لينين فقط حتى تجربته مع الطبقة العاملة الثورية في 1905.(18)
يكفي أن نقول أن نظرية كاوتسكي – لينين هي نموذج للمادية التأملية التي نقدها ماركس في اطروحات حول فورباخ، ويعطي ماركس في البيان الشيوعي تفسيره الخاص لدور الانتلجنسيا الاشتراكية. يقوم قطاع من الطبقة الحاكمة “بالتحديد قسم من الأيديولوجيين البرجوازيين الذي رفعوا أنفسهم إلى مستوى الفهم النظري للحركة التاريخية ككل، بالانفصال عن طبقتهم ويذهبون إلى البروليتاريا”(19). من الواضح أن المرء لا يستطيع أن يذهب إلى طبقة غير موجودة ولم تجعل بعد وجودها محسوساً في الصراع. وأخيراً ..عندما نتناول الأساس الطبقي للماركسية ينبغي أن نؤكد على أن الماركسية، ليست فقط نظرية مقاومة البروليتاريا للرأسمالية ونضالها ضدها، وإنما أيضاً، وقبل كل شئ، نظرية انتصارها، لقد أوضح ماركس نفسه هذه النقطة عندما تنصل من أي فضل له في اكتشاف الطبقات والصراع الطبقي:
لقد وصف مؤرخون برجوازيون قبلي بزمن بعيد التطور التاريخي لهذا الصراع الطبقي، كما شرح اقتصاديون برجوازيون التكوين الاقتصادي للطبقات، أما ما استحدثته أنا فهو 1) برهنت على أن وجود الطبقات لا يرتبط إلا بأطوار التطور التاريخي الذي يحدده الإنتاج، 2) إن النضال الطبقي يؤدي بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا، 3) إن هذه الديكتاتورية نفسها لا تكون إلا مرحلة انتقالية لإلغاء الطبقات والانتقال لمجتمع بدون طبقات.(20)
يؤكد لينين الفكرة نفسها بشكل أقوى عندما يصر في الدولة والثورة على أن الماركسي ليس إلا شخصاً انتقل من الاعتراف بالصراع الطبقي إلى الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا. هذا هو المحك الذي ينبغي اختبار الفهم والوعى الحقيقي بالماركسية على أساسه(21)، لقد كان تأكيد لينين موجهاً بالأساس إلى كاوتسكي الذي انفق عقوداً مقدماً نفسه بوصفه الكلمة الأخيرة في الأصالة الماركسية، ومع ذلك أعطى ظهره للثورة العمالية الفعلية في روسيا. إلا أن تأكيد لينين يحتفظ بصلته الوثيقة بما يحدث اليوم، بحيث لا يوجد نقص في المثقفين المعنيين، بل والمنتمين إلى الماركسية كمنهج لتفسير المجتمع، والذين لا يظهرون أي اهتمام على الإطلاق بالنظرية ، ولا يلتفتون بدرجة كافية إلى الممارسة الخاصة بالنضال من أجل سلطة العمال.
حتى الآن، اظهر تحليل الماركسية كنظرية للبروليتاريا أن هذا المفهوم يحتوي على ثلاثة عناصر: 1) الماركسية كنظرية للمصالح المشتركة للطبقة كلها عالمياً، 2) الماركسية كنتاج ميلاد البروليتاريا الحديثة وتطورات صراعها ضد الرأسمالية، 3) الماركسية كنظرية انتصار هذه الطبقة. إن التعريف الأكثر إيجازا لهذه العناصر الثلاثة هو أن الماركسية هي: نظرية الثورة البروليتارية العالمية.

Social Links: