خطوات على طريق التنوير (3) – التنوير وعلاقته بالبنى الاجتماعية والسياسية 2/2

خطوات على طريق التنوير (3) – التنوير وعلاقته بالبنى الاجتماعية والسياسية 2/2

مركز مينا للدراسات – حدة الدراسات التنويرية

 

هذا البحث يحاول اكتشاف العلاقة بين التنوير وحوامله الاجتماعية والسياسية، سيما أننا لا نزال ننظر إلى تطور أنساق حياتنا من منظار ثقافة أحادية، ترتبط بمفهومي القضاء والقدر، أي إننا نفتقد إلى “التنوير الذي يقوم بتحريك الفكر، وتحرير العقل من الأوهام، ويتخلص من أي سلطة معرفية، تعمل على كبح لجام العقل النقدي ومحاصرته، وجعله عاجزاً عن تحفيز الأسئلة وإثارتها“ .

نقد العقل ونمط التفكير

 

حينما نقول نقد العقل، نقصد رفض قبول الظاهرات والأحداث بصفة مسلمات، وبديهيات، وتحديداً ما يتعلق منها بالقضايا الكبرى للوجود والحياة. وهذا النقد هو إضاءة حقيقية، تعتمد أسلوب تحليل الظاهرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على أنها بنى قابلة للتحليل العلمي. وهذا ما يجعل العقل ينتقل من قبول الخرافات والأساطير كحالات فوق طبيعية، إلى حالة قبول الظاهرات عبر منطق العلم المستند إلى منهج تحليل علمي، نستنبط من خلاله فهم الظاهرات وتكوينها.

 

إذاً إن نقد العقل يمكن عدَّه انتقالاً بالوعي الاجتماعي من حالة وعي زائف، إلى حالة وعي حقيقي، وهذا يستدعي بالضرورة نقد الهيمنة الفكرية وفلسفة التسليم، والسيطرة الدينية بصورتها الخادمة لتأبيد القهر والهيمنة.

 

إن نقد الظاهرات السياسية والفكرية والاقتصادية هو إجراء صحيح، في اتجاه إنتاج وعي حقيقي عن العالم المحيط بنا، وهذا يحتاج إلى إنتاج معرفة ملموسة، تشتق من البنية الاجتماعية لا من خارجها. هذا الإنتاج المعرفي له شروط في الواقع الاجتماعي يجب معرفتها. ولكن يصطدم الإنتاج المعرفي بانفتاحه على التطور مع البنى الفكرية السائدة التي تمنع نقضها فكرياً ما يدفع باتجاه خلق مناخ حقيقي، تتم عبره عملية إنتاج المعرفة، كاحترام قيم حقوق المساواة والعدالة الاجتماعية وغيرها.

 

إذا ألغينا القيم، تبقى عملية إنتاج المعرفة خارج نسق تطورها الطبيعي، وبالتالي، فالتنوير يحتاج أساساً إلى مناخ يسمح بإعمال العقل، وإنتاج المعرفة. هذه الرؤية تدفعنا للقول “كان لا بد من نقد العقل التنويري، كنقدٍ للعقل بكليته من خلال محاكمة الواقع الاجتماعي ذاته، وإدانته لا تفسير ما يجري فقط من خلال نقد الأسس الفكرية والمعرفية والأنطولوجية والإيديولوجية التي يستند إليها الواقع القائم على التسلط لأجل تحرير الإنسان من الهيمنة والرقابة التي تبدو في علاقة المعرفة بالسلطة في النظام الرأسمالي المتقدم”[5].

 

إن نمط التفكير الذي تحاول فرضه أنظمة سياسية مستبدة، هو نمط غير نقدي، يعتمد لغة التفسير، أي نمط يمنع الاجتهاد خارج حدود النصوص الفكرية الدينية، وهذا إغفال للعلاقة النسبية بين الواقع والفكرة المُنتجة فيه. وهو إجراء يؤدي بالضرورة إلى السيطرة والهيمنة على التفكير وتنميطه، بما يخدم الاستبداد بأنواعه، ولهذا “أصبحت السلطات الوصي الشرعي على العقل العربي، وبأن المعرفة التي تأتي من الدولة هي المعرفة الحقيقية والخير المطلق”[6]. ويبقى السؤال قائماً لتجاوز التخلف والجهل، ويمكن طرحه بصورة مختلفة، هل يشكّل نقد العقل ضرورة خارج درجة محددة من تطور البنية الاجتماعية والفكرية، أم إن نقد العقل ضرورة لاستمرار تطور الحياة والمجتمعات، وباعتبار التطور سمة طبيعية للحياة وجوهرها، فإن نقد العقل يقود بالضرورة إلى اكتشاف معوقات التطور، وتحديداً في جانبه الفكري الديني.

 

إن أداة النقد هي التنوير، أي تسليط الضوء الكاشف والعميق على طبيعة بنى الظاهرات السياسية والاقتصادية والفكرية، بغية اكتشاف آليات عملها، وكيفية عرقلتها للتطور، وهذا يتطلب تنويراً شاملاً لا شكلياً، ولا تنويراً قسرياً مثل الذي تروّج له دوائر سياسية محددة.

 

إن التنوير في هذه الحالة هو ضرورة واقعية لاستمرار التطور، وإن فرض صيغة تنويرية هو اختزال للواقع، وتهديم لفعل التنوير بحد ذاته. ويمكننا القول “إن التنوير الاختزالي والنفعي يُفرغ المفهوم ذاته من جوهره، ويجعله مبتذلاً، عدا أنه يرسخ كل مدى من ارتباطه في الذهنية الشعبية بالمؤامرات الخارجية الهدّامة، بل وبالوتيرة السريعة نفسها التي فُرض بها، غالباً ما ينهار، مخلفاً وراءه قوى اجتماعية ناقمة، أكثر عنفاً وتخلفاً”[7].

 

هنا، يمكننا الاستنتاج أن التنوير هو ضرورة للكشف عن أسباب عدم التطور الطبيعي للبنى الاجتماعية والسياسية. وبما أنه ضرورة، فهو يخضع لشروطه الذاتية، ودوره في إعمال العقل بجرأة علمية، والتنوير في هذه الحالة ليس رفضاً للنص الديني المقدس، بل هو رفض للقراءات المتعددة على هذا النص التي ولدت في زمن قديم، وبشروط زمانية ومكانية ودرجة تطور مختلفة. من هنا يبدو النص ابن سياقه التاريخي، وشروطه الموضوعية، هذا ما كشفه نقد العقل العربي، ونمط التفكير السائد.

 

اللامقدس الديني تحت المجهر

 

حين نتحدث عن اللامقدس الديني، فنحن نقصد كل القراءات التي حاولت مقاربة النص القرآني. فهذه القراءات هي اجتهاد فكري لبشر في مراحل مختلفة، تمتاز كل مرحلة منها بشروط ذاتية وموضوعية ودرجة تطور، وبالتالي فقراءة النص القرآني في مرحلة ما إنما هي تعبير عن حاجات ضرورية لتلك المرحلة، وتعبير عن مستوى التطور العلمي آنذاك. وحين نقول حاجات فنحن نقصد بها الحاجات الفكرية والفلسفية، وكذلك الحاجات السياسية وغيرها من الحاجات الملحة.

 

وحين نتحدث عن التنوير، فنحن نقصد أسلوب التفكير وآلياته، وبذلك نضع أنفسنا على مسافة من جوهر النص الديني، وهذا يجعلنا نغيّر في الأدوات والوسائل المستخدمة من قبل. إن حركة الواقع والتطور تفرض أدوات ووسائل علمية ومعرفية غير دينية لنقدها، وهذا يعني عدم جواز قسر الواقع على شكل النص الديني، فالحياة المدنية لها شروط خاصة ببنيتها وتطورها، وإن إهمال هذه الشروط واستبدالها بشروط لا تنتمي إليها “قسر الرؤية” يعني مغالطة حقيقية لطبائع الأشياء وتطورها في أنساقها.

 

هذه الرؤية تحيلنا إلى العلاقة بين الفكرة والواقع، أو القراءة والواقع، وأن لكل مرحلة قراءات خاصة بها، تتعلق بدرجة تطور الواقع، ومعطيات العلم فيه. ولذلك لا يمكن وفق هذا المنطق العلمي استدراج القراءة الخاصة بمراحل تاريخية سابقة، تمتد إلى أكثر من ألف عام، إلى زمن معاصر، لأنه تجاوز لشرطيْ الزمان والمكان المنتجين للظاهرة وتكوينها.

 

فالقراءة الخاصة بمفكرين وشيوخ إسلاميين ينتمون إلى مراحل تاريخية سابقة، هي قراءة مشروطة بواقعها، ولذلك كانت أدواتهم المعرفية تنتمي إلى زمنها، الذي يمتاز بدرجة تطور محددة. ولذلك فهي غير صالحة لقراءة الحاضر والمستقبل، ويمكن عدُّ قراءاتهم راهنية زمنها، أي ابنة شرعية لواقعهم آنذاك. وهذا يجعلنا نميز كما يقول “فوكو” بين الراهن والحاضر، إن الجديد والمهم هو الراهن، فلا يتجدد الراهن بما نحن عليه، وإنما بما نصيره، أو نحن بصدد صيرورته أي الآخر. أما الحاضر فهو على عكس ذلك، نحن بصدد تجاوزه”[8].

 

إذاً نحن بحاجة لنقد اللامقدس الديني، واكتشاف إعاقاته في الحاضر لحركة تطور واقعنا، ونمط تفكيرنا، وهذا يعني نقداً عميقاً للعقل، لا ينبغي إهماله، فالعقل البشري الذي اكتشف ووضع قوانين للظاهرات الطبيعية والسياسية والاجتماعية، هو عقل يجب أن يكون نقدياً. وبدون النقد لا يحدث التطور الصحيح، ولا تصحح حركة الواقع.

 

إن وضع اللامقدس الديني تحت المجهر النقدي هو ضرورة، كما أن تشخيص الواقع بشقيه السياسي والاجتماعي المعاصر هو ضرورة أيضاً. وإن غياب النقد لن يخدم سوى مزيد من تفكك مجتمعاتنا وتشظيها وزوالها. وخير دليل على ذلك طبيعة صراعاتنا الطائفية والدينية والقبلية التي لا تزال تستند إلى تلك البنية الفكرية البعيدة عن نقد العقل.

 

إذاً يمكننا القول إن تحرير العقل العربي من أسره، يحتاج إلى تغيير نمط التفكير بالظاهرات والأحداث، وباعتبار أن التنوير العربي لم يأخذ سياقه التاريخي الطبيعي كضرورة، بقي هذا التنوير في إطاره المعرفي الخاص والضيق” لقد كان المشروع التنويري العربي مشروعاً نخبوياً بالكامل، ولذلك ظل معزولاً، ولم يتجذر في عمق المجتمع، ولم يتحول إلى مشروع شعبي، لأنه افتقد الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية المناسبة، وظل ضمن دائرة ضيقة من المتنورين”[9].

 

إذاً بقي أمامنا أن نقول: إن التنوير في المجتمعات الإسلامية هو ضرورة تاريخية للخروج من المأزق البنيوي لهذه المجتمعات، وإن التنوير هو بوابة نقد الواقع ومعرفة التاريخ في سياقهما. الأمر الذي يضع الأمور في نصابها خارج القراءات اللامقدسة للنص الديني.

  • Social Links:

Leave a Reply