ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟ الجزء الثاني: تحولات الماركسية

ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟ الجزء الثاني: تحولات الماركسية

نتابع نشر الكراس الذي كتبه المفكر الماركسي البريطاني جون مولينو في منتصف الثمانينات

الجزء الثاني: تحولات الماركسية 4/5

3 – وطنية العالم الثالث

كان لينين أول ماركسي يدرك أهمية حركات التحرر الوطني في العالم الثالث. فقد أوضح في تحليله للإمبريالية: “الاستعباد الكولونيالي والمالي للغالبية الواسعة من سكان العالم بواسطة أقلية محدودة من أغنى البلاد الرأسمالية وأكثرها تقدماً”(111). كما اظهر أن هذا الاستعمار سيثير حتما موجة من ثورات وحروب التحرير. ما تصوره لينين كان تحالفاً عالمياً بين الثورة البروليتارية في الغرب وحركات التحرر الوطني في الشرق، لسحق الإمبريالية بحركة كماشة. لذا فقد أصر على الأهمية القصوى لتأييد الشيوعيين لهذه الحركات الوطنية خاصة في الصراعات ضد “إمبرياليتهم”.

 

في نفس الوقت، أدرك لينين أن هذه الإستراتيجية تحمل معها خطر تشويش التمييز الماركسي “بين مصالح الطبقات المضطهدة ومصالح جماهير العاملين والمستغلين والمفهوم العام للمصالح الوطنية ككل، والذي يعنى ضمنا مصالح الطبقة الحاكمة”(112). وبالتالي فقد أكدت أطروحات لينين حول هذه المسألة في المؤتمر الثاني للكومنترن على ما يلي:

 

الحاجة لنضال صارم ضد محاولات إعطاء لون شيوعي لتيارات التحرير الديمقراطية البرجوازية في البلاد المختلفة… يجب أن تدخل الأممية الشيوعية في تحالف مؤقت مع الديمقراطية البرجوازية في البلاد المستعمرة والمتخلفة ولكن عليها ألا تندمج معها، وعليها تحت كل الظروف الحفاظ على استقلالية الحركة البروليتارية حتى لو كانت في أكثر أشكالها جنينية.(113)

 

حذر لينين أيضاً من الخداع الذي تمارسه القوى الإمبريالية باستمرار لإقامة دول مستقلة سياسياً من الناحية الصورية، ولكنها تابعة بالكامل من الناحية الاقتصادية والعسكرية. فقد كان استنتاجه كما يلى:

 

في ظل الظروف العالمية الحالية لا يمكن إنقاذ الأمم التابعة والضعيفة إلا باتحاد جمهوريات سوفيتية… لا يمكن تحقيق انتصار كامل على الرأسمالية إلا إذا قامت البروليتاريا، ومن خلفها جماهير العاملين في كل البلاد والأمم في العالم بالكفاح الواعي من أجل التحالف والوحدة.(114)

في ظل حكم ستالين، مع ذلك، سارت سياسة الكومنترن، والتي أملتها الحاجة لكسب أصدقاء للاتحاد السوفيتي، في نفس الاتجاه الذي حذر منه لينين. كانت الصين المثال الكلاسيكي بالطبع، حيث لم يكتف الحزب الشيوعي الصيني بالانضمام لحركة الكومنتانج الوطنية البرجوازية فقط بل وافق على فرض حظر على نقد مبادئ مؤسسها – صن يات صن – وسلم قائمة عضويته لقيادة الكومنتانج، ونصب شانج كاي شيك عضواً شرفياً في الأممية الشيوعية. وحصلت عملية إعطاء الحركات الوطنية “لونا شيوعياً” ودمج الشيوعية مع الوطنية البرجوازية على تكثيف إضافي بعد الحرب العالمية الثانية عندما أصبح هاماً في صراع الاتحاد السوفيتي العالمي مع الولايات المتحدة(115). بحلول الخمسينات والستينات، أصبحت من ناحية كل الأنظمة والحركات الوطنية في العالم الثالث تسمي نفسها “اشتراكية” كما ادعي كثير منها الماركسية، ومن ناحية أخرى أصبحت قطاعات عريضة من اليسار في البلاد المتقدمة، بما في ذلك اليسار غير الستاليني وبما في ذلك بعض ذوي الأصول التروتسكية، تنظر لحركات التحرر الوطني وللثورة الاشتراكية على انهما متطابقان عملياً.

 

تتسم حركات التحرير هذه بالتحديد لأنها وطنية، بالتنوع الشديد في الممارسة والنظرية بحيث أن أيا منها لا يصلح للتحليل “كممثل” للباقين (كما كان ممكناً للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني بالنسبة للأممية الثانية) في نفس الوقت، لا يمكن مناقشة كل أو حتى عدد من الأنظمة الأيديولوجية المتمخضة عن هذه الحركات بحكم حدود المساحة. ما نقترحه بالتالي هو فحص “ماركسية” العالم الثالث الوطنية من خلال ما أصبح الصفة المركزية لكل تجسيداتها تقريباً وهى حرب العصابات من أجل الاستقلال الوطني، مع إشارة خاصة للصين وكوبا، الحالتين الأكثر نقاء لهذا النوع من الثورات. كما أن لهما أهمية إضافية تتمثل في انه في حين بدأت الماوية داخل الستالينية ثم طورت إستراتيجيتها المستقلة ومارست قطيعة مع روسيا بعد أن وصلت إلى السلطة، فان الكاستروية (نسبة إلى فيدل كاسترو) بدأت غير شيوعية وغير ماركسية لكي تتحرك إلى المعسكر السوفيتي وتتبني أيديولوجية “ماركسية” بعد أن وصلت إلى السلطة فقط. إن هذا الأسلوب – على الرغم من قصوره – كفيل رغم ذلك بكشف جوهر هذا النوع من “الماركسية” أي أساسه الطبقي.

 

تتضمن حرب العصابات أولاً، نقل مركز الصراع الثوري من المدينة إلى الريف. وكان ماو تسى تونج أول ماركسي يتخذ هذه الخطوة وقد فعلها كرد فعل لسحق الطبقة العاملة الصينية بواسطة الكومنتانج في 1927. كان الدافع هو إنقاذ بقايا الحزب الشيوعي من الحكم الإرهابي ل “شانج كي شيك” في المدن(116). وقاد ذلك ماو إلى كيانجسي أولاً ثم، عندما هوجم بالقوة، إلى “المسيرة الطويلة” الهائلة إلى بيينان في الشمال الغربي، إحدى أكثر أجزاء الصين تخلفاً ونأيا. هذا الاعتبار العملي – الصعوبة الأكبر التي يواجهها الجيش والبوليس في تعقب الثوار في الريف – ظلت له أهمية كبرى بالنسبة لدعاة حرب العصابات. هكذا فان تشي جيفارا، بعد أن يعلن بان “حركات العمال غير المشروعة تواجه صعوبات هائلة” يكتب بأن “الوضع في الريف المفتوح ليس بهذه الصعوبة. هناك في الأماكن التي لا تطولها قوات القمع، يمكن تأييد السكان بواسطة العصابات المسلحة”(117).

 

إلا أن حرب العصابات لا تعنى فقط تحولا في موقع الصراع، وإنما أيضاً تحولا في مضمونه الاجتماعي. لا يستطيع العامل أن يصبح جندياً في حرب العصابات إلا إذا توقف عن أن يكون عاملاً، وبالنسبة للطبقة العاملة ككل أو حتى بالنسبة لقسم هام منها فان حرب العصابات هي استحالة واضحة. على أى طبقة اجتماعية إذن أن تحل محل الطبقة العاملة كفاعل الثورة؟ الجواب الأساسي لمنظري حرب العصابات هو: الفلاحون!(118)

 

لقد ذكرنا في الجزء الأول من هذا المقال بالفعل ما يزيد عن الكفاية لبيان أن مثل هذا الاستبدال بالفلاحين للبروليتاريا ليس متسقاً مع الماركسية، ولكن من المفيد التأكيد على أن الأمر ليس على الإطلاق مجرد مناقضة لآراء محددة لماركس ولينين حول القدرات الثورية للفلاحين. إن البروليتاريا بالنسبة للماركسية، كما أظهرنا، هي الجوهر. الطبقة العاملة ليست أداة الثورة، وإنما الثورة هي أداة الطبقة العاملة. لان الطبقة العاملة ترتبط كما تجسد قوى وعلاقات الإنتاج التي يمكن أن تحمل الإنسانية إلى الأمام نحو مرحلة أعلى للمجتمع لا توجد فيها طبقات.

 

هكذا، فمثلما انه كان من المستحيل إقحام مفهوم الاشتراكية في بلد واحد على الماركسية دون أن يحتم ذلك سلسلة كاملة من المراجعات التي تتبع ذلك، فان نظرية الثورة الاشتراكية الفلاحية تحطم هيكل المادية التاريخية بأكمله. فالفلاح ليس هو نتاج لعلاقات إنتاج رأسمالية وإنما ما قبل رأسمالية. إذا كان الفلاحون هم الطبقة الاشتراكية، إذن فأن الثورة الاشتراكية كان من الممكن أن تحدث في أي وقت في الألف سنة الأخيرة. وتكون الرأسمالية والثورة الصناعية في هذه الحالة مراحل غير ضرورية في التاريخ الإنساني ويكون قد تم التخلي تماماً عن الدور التحديدي لتطور قوى الإنتاج. كل ما هو مطلوب هو قوة الإرادة والأفكار السليمة. يظهر هذا المفهوم بالضبط في حجج الماويين، ورفاق طريقهم المثقفين مثل شار بتلهايم، القائلة بأن الاشتراكية يمكن بناؤها في الصين أو غيرها مهما كانت نقطة البداية الاقتصادية متخلفة وفقيرة بشرط سلامة القيادة السياسية(119). كما يبدو هذا المفهوم أيضاً في موقف كاسترو – جيفارا – ديبريه القائل بعدم ضرورة انتظار نضج الظروف الموضوعية للثورة، لان الثوريين (رجال حرب العصابات) يمكنهم خلقها بأنفسهم(120) – النتيجة ليست مادية ماركسية وإنما مثالية مفرطة.

 

إحدى محاولات تجاوز هذه المشكلة، والتي حاولها، مثل ماو، الذين شعروا ببعض الانتماء الأيديولوجي للتراث الماركسي (كما عكسته الستالينية) كان الحديث دائماً عن “قيادة بروليتارية” للفلاحين(121). ولكن حيث أن البروليتاريا لم تلعب أي دور على الإطلاق في الثورة الصينية (كتب ماو في 1949: يرجي أن يستمر العمال والموظفون في كل المهن في العمل وان يستمر العمل كالمعتاد)(122) فان هذا لا يمكن أن يعني سوى قيادة الحزب “البروليتاري”. وحيث أن الحزب الشيوعي الصيني لم يكن به عملياً أعضاء من الطبقة العاملة (123)، فان هذا بدوره لا يمكن أن يعني سوى قيادة الأيديولوجية “البروليتارية”. مرة أخرى نعود للمثالية. الأيديولوجية، منفصلة عن قاعدتها الاجتماعية تتحول إلى طبقة اجتماعية أخرى وتقوم افتراضياً بإعادة تشكيلها.

 

في الواقع إن المثالية المتطرفة والنوع الفج منها، نظرية “الرجل العظيم” راسخة في الماوية. تتراوح الأمثلة من تصور أن الاتحاد السوفيتي انتقل من ديكتاتورية البروليتاريا إلى دكتاتورية البرجوازية مع تغير الزعامة من ستالين إلى خروشوف، إلى استخدام المصطلحات الطبقية (برجوازي – مالك أرض – الخ) كأوصاف أخلاقية(124)، إلى العبادة السخيفة لفكر ماو تسي تونج، وعبادة ماو نفسه “موجة الدفة العظيم” و “الشمس التي لا تغيب أبداً”(125).

 

من المهم ملاحظة انه على حين أن عبادة ستالين ظهرت فقط بعد وصوله للسلطة، فان عبادة ماو تعود إلى ما قبل الاستيلاء على السلطة. ذلك لان الطبقة العاملة لن تتسامح مع قائد غبي وبالتالي فقط على ستالين أن يستحق الطبقة العاملة قبل أن يفرض عبادته، في حين أن الثورات القائمة على الفلاحين عادة ما تعتبر قادتها نصف مقدسين. بالفعل ليس على المرء إلا أن يفكر في عبادة كيم ايل سونج – وهو شي منه – وفيدل كاسترو – وشي جيفارا لكي يرى أن هذه المثالية الفجة ليست فقط من الخصائص المشتركة لماركسيات التحرر الوطني وإنما أيضاً خاصية يشتركون فيها مع حركات وطنية غير ماركسية صراحة (مثل غاندي وصن يات صن).

 

إننا هنا نجد ماركس مقلوباً على رأسه. ليس الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي، وإنما الوعي الاجتماعي (الزعامة) هي التي تحدد الوجود الاجتماعي. إذ لو كان منظرو حرب العصابات متسقين لتنصلوا من الماركسية تماماً. بالفعل إذا كان الادعاء المركزي لهؤلاء المنظرين – إن حرب العصابات هي الطريق للاشتراكية – صحيحاً تكون الماركسية إذن قد فندت في أهم أطروحاتها وأكثرها جوهرية. ومع ذلك فإذا تركنا جانبا لهذه اللحظة فكرة أن الصين وكوبا وفيتنام الخ.. هي أنظمة اشتراكية، فان الطابع المثالي لنظريات حرب العصابات يشير فوراً إلى أن العلاقة بين جيش العصابات والفلاحين ليست على الإطلاق كما يدعي: لان المثالية نفسها لها جذور اجتماعية – وجود طبقات أو شرائح تصل، من خلال أنها تحيا من عمل الآخرين، إلى الاعتقاد بأن أفكارها هي مفتاح المجتمع.

 

لتوضيح هذه المشكلة من الضرورية أن نعود لتحليل ماركس للفلاحين الفرنسيين في الثامن عشر من برومير – لويس بونابارت:

 

الفلاحون ذوو الملكيات يشكلون جمهوراً واسعاً يحيا أعضاؤه في ظروف متشابهة ولكن دون الدخول في علاقات متعددة فيما بينهم فخط إنتاجهم يعزلهم عن بعضهم البعض بدلاً من أن يدخلهم في علاقات متبادلة.. بمقدار ما تحيا ملايين العائلات في ظروف معيشية اقتصادية تفصل خط حياتهم وثقافتهم عن تلك الخاصة بالطبقات الأخرى وتضعهم في موضع الرفض العدائي للآخرين فانهم يشكلون طبقة بمقدار ما أن هناك فقط اتصال محلي فيما بين هؤلاء الفلاحين ذوي الملكيات الصغيرة، وان وحدة مصالحهم لا تؤدي إلى تعاون ولا رابطة وطنية ولا تنظيم سياسي فيما بينهم، فانهم لا يشكلون طبقة. انهم بالتالي غير قادرين على فرض مصالحهم الطبقية باسمهم هم… انهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم وإنما ينبغي تمثيلهم. يجب أن يظهر ممثلهم في ذات الوقت كسيدهم كسلطة فوقهم، كقوة حكومية غير محدودة تحميهم ضد الطبقات الأخرى وترسل لهم المطر والشمس من السماء.(126)

 

وضع ماركس هنا إصبعه على الخاصية الجوهرية للفلاحين والتي تحددها الظروف الاجتماعية لوجودهم، عدم قدرتهم على التحرر الذاتي. يستطيع الفلاحون أن يحاربوا، وهم يفعلون ذلك بجسارة ولكنهم لا يستطيعون أن يكونوا الطبقة الحاكمة في المجتمع. يمكن للقرية أن تهزم المدينة في أي عدد من المعارك، ولكنها لا تستطيع أن تكسب الحرب، لأن القرية لا تستطيع أن تدير المدينة حيث توجد القوى الإنتاجية. كان هذا صحيحاً عند “وات تيلر” في 1381، و “اميليو زاباتا” في المكسيك، والانتفاضات الفلاحية التي لا تحصى على مدار التاريخ الصيني(127). لكي تتماسك كقوة سياسية وطنية تحتاج طبقة الفلاحين قايدة طبقة أو قسم من طبقة مدينية خارجية. بالنسبة للينين وماركس وتروتسكي كان مقدرا لهذه القيادة أن تكون الطبقة العاملة “ليس بالذهاب إلى الريف” وإنما بالقتال لإسقاط الدولة في المدن. بالنسبة لماو وكاسترو وشركائهم، كانت القيادة هي كوادر وقادة جيش العصابات الذين يأتون (ولم يكن من الممكن جلبهم من مصدر آخر) تقريباً بالكامل من الانتلجنسيا المدنية.

 

ما هي العلاقة بين القيادة والفلاحين في حرب العصابات؟ أولاً جنود جيش العصابات سيكونون في غالبيتهم الساحقة فلاحين من حيث التكوين، إلا أن أقلية ضئيلة فقط من الفلاحين ستشارك بهذه الطريقة (في كوبا، كانت قوات كاسترو المسلحة تبلغ بضعة آلاف بالكثير، في الصين كانت الأعداد هائلة 300 ألف في بداية المسيرة الطويلة، 20 ألف في نهايتها، وبضع ملايين في أشد أوقات الحرب – ولكن كانت مع ذلك نسبة ضئيلة من بين 500 مليون فلاح صيني). وحيث أن جوهر حرب العصابات هو قابلية الحركة السريعة وتكتيكات الكر والفر تجعل ذلك لا مفر منه، وتتضمن هذه التكتيكات أيضاً أن فلاح العصابات يتوقف عن أن يكون فلاحاً ويصبح جندياً محترفاً، تنفصل أعماله وأيديولوجيته عن أصلها الطبقي ويعاد تشكيلها تحت النظام العسكري بواسطة قيادة الجيش الآتية من الطبقة المتوسطة. العلاقة إذن مختلفة تماماً عن تلك القائمة بين العمال في حزب لينين حيث يستمر الأعضاء العمال عمالاً وحيث يشترط في اشتراك المثقفين، وهو أمر ضروري، أن يقبلوا بوجهة نظر وقواعد النضال البروليتاري.(128)

العلاقة بين جيش العصابات والفلاحين ككل مختلفة تماماً أيضاً عن العلاقة بين الحزب اللينيني والطبقة العاملة. الحزب اللينيني معني بقيادة الطبقة العاملة ككل في صراع من أجل تحقيق مصالح الطبقة العاملة. أما جيش العصابات معني بالعمل نيابة عن جمهور الفلاحين بالتأكيد وهو يمنح في المقابل مساندة وحماية وإغراء الإصلاح الزراعي. بلا قصد، أعطى جيفارا تعبيراً نقياً عن النخبوية المثالية المتأصلة في إستراتيجية حرب العصابات:

 

لقد سبق أن وصفنا محارب العصابات أنه شخص يشارك الشعب في اشتياقه للتحرير ويقوم – متى استنفدت الوسائل السلمية – ببدء المعركة ويحول نفسه إلى طليعة مسلحة للشعب. منذ لحظة بداية الصراع تكون لديه نية تحطيم نظام ظالم، وبالتالي نية خفية بدرجة أو بأخرى – لاستبدال القديم بشيء جديد. لقد سبق أن قلنا أيضاً أنه.. تقريباً في جميع البلاد ذات التنمية الاقتصادية الناقصة، يمنح الريف الشروط المثالية للمعركة هكذا، فان أساس الهيكل الاجتماعي الذي سيبنيه محارب العصابات يبدأ بتغيرات في الملكية الزراعية.(129)

 

أولاً: يأتي محارب العصابات بمثله عن نظام اجتماعي عادل، “كاهن حقيقي للإصلاح” كما يسميه جيفارا، ثانياً اختيار الأرض على أسس عسكرية، ثالثاً، برنامج الإصلاح الزراعي.. يكمل جيفارا:

يجب أن يساعد الفلاح دائماً تقنياً واقتصادياً وأخلاقياً وثقافياً. سيكون محارب العصابات نوعاً من الملاك المرشد الذي نزل إلى المنطقة يساعد الفقراء دائماً ويسبب أقل مضايقة ممكنة للغني في مراحل الحرب الأولي.(130)

 

بالمثل كان جيش ماو الأحمر يعمل تحت تعليمات صارمة في تعامله مع الفلاحين: “كن مجاملاً، وساعد عندما تستطيع. أعد كل الأشياء التي تستعيرها. استبدل كل الأشياء المحطمة.. ادفع ثمن كل الأشياء المشترة.. الخ”(131). ما ينبغي استيعابه هن هو علاقة القوة بين الفلاح والمحارب التي تجعل هذه الأوامر الأخلاقية ضرورية لأن هناك في الواقع اغراءا مستمراً بالسلوك على عكسها.

 

الأساس الحقيقي لهذه النخبوية ليس مجرد الثقافة المتفوقة لقيادة حرب العصابات أو حتى امتلاكها للسلاح. وإنما اختلاف الأهداف الطبقية. فالهدف الطبقي الجوهري للفلاحين هو امتلاك الأرض. أما الهدف الجوهري للانتلجنسيا الثورية التي تشكل قيادة العصابات هو الاستيلاء على سلطة الدولة لتحقيق التحرير الوطني. تستخدم قيادة حرب العصابات الفلاحين لرفع نفسها، وليس الفلاحين إلى السلطة ويظهر انطباق ذلك على جيش وحزب ماو من الطريقة التي أوقف بها الحزب الشيوعي الصيني الصراع التلقائي للفلاحين من أجل الأرض، وذلك للإبقاء على الائتلاف الوطني في الحرب ضد اليابان.(132)

إن صراع أمة مضطهدة من أجل التحرر، سواء كان ضد وضع استعماري رسمي مثلما كان الوضع في الجزائر أو كان ضد نظام عميل للإمبريالية مثل حالة كوبا، هذا الصراع تقدمي ويجب تأييده إلا أنه يظل أساساً مهمة ديمقراطية برجوازية فالدولة القومية هي نتاج الرأسمالية، أما رسالة البروليتاريا هي تخطي تقسيم العالم إلى دول. وبالتالي فان التأييد الماركسي للتحرير الوطني يختلف في الدوافع والوسيلة عن التأييد البرجوازي والبرجوازي الصغير. يشكل التحرير الوطني بالنسبة للبرجوازية صراع لتأسيس أرضها في ركن العالم الخاص بها الذي تحكمه وبالتالي فهي تنظر له على أنه هدف مهيمن في ذاته، ينبغي أن تتوحد حوله كل الطبقات “الوطنية”. أما بالنسبة للماركسيين، يشكل التحرير الوطني وسيلة فقط، صراع للتخلص من الاضطهاد القومي الذي يشكل عقبة أمام التوحيد الطوعى للطبقة العاملة العالمية في “اتحاد جمهوريات سوفيتية” مأمول انه بالتالي صراع يجب أن تحتفظ فيه البروليتاريا باستقلالها الطبقي لكي تحمل الثورة أبعد من الحدود الاجتماعية والوطنية التي سترضى بها البرجوازية والبرحوازية الصغيرة، في عملية ثورة دائمة. مما سبق يتضح أن إستراتيجية حرب العصابات (إلا إذا كانت جزء من ثورة عمالية) ليست متناسبة مع هذا الأفق الأممي البروليتاري، كما يتضح بالمثل من نظريتهم وممارستهم أن أيا من “ماركسي” العالم الثالث الوطنيين لم ينجح في تجاوز الموقف الوطني، ويشير هذا إلى أن الأساس الطبقي “لماركسيتهم” ليس البروليتاريا وإنما البرجوازية الصغيرة.(133)

 

ويبقى جانب إضافي للمشكلة ينبغي تناوله: متى تحقق التحرر الوطني (إذا لم يتم تجاوزه بحدوث ثورة عالمية) ينبغي تعزيزه والحفاظ عليه في ساحة الرأسمالية العالمية الضارية التنافس. النخبة المحاربة البرجوازية الصغيرة التي دفعت إلى السلطة بواسطة حرب الفلاحين تجد نفسها إذن في نفس الموقف بالأساس الذي وقفت فيه النخبة البلشفية بعد تدمير الطبقة العاملة في الحرب الأهلية، مع فارق أنها ليست مرتبطة عضوياً بالطبقة العاملة العالمية من خلال حزب ثوري أممي(134)، وبالتالي فليس لديها خيار غير البديل الستاليني وهو الصراع من أجل النمو الاقتصادي من خلال تراكم رأس المال القائم على استغلال العمال والفلاحين، وهو ما يعني بدوره أن عليها أن تعزز نفسها كطبقة حاكمة جديدة.(135)

 

في هذه الحالة يحدث شيئان: 1) تتحول عبادة المحارب الذي يضحي بنفسه لشعبه إلى أيديولوجية تضحية ذاتية من الطبقة العاملة (والفلاحين) من أجل الأمة وتصبح الاشتراكية عقيدة تقشف (ممجدة في الغرب بواسطة بتلهايم وغيره، كنقد للاقتصادوية). 2) هياكل الثورة الوطنية الراديكالية المائعة تستقر على الشكل الستاليني لدولة الحزب الواحد البيروقراطية. التوازي بين وطنية العالم الثالث والستالينية السوفيتية هو إذن أكثر من مسألة أصول أيديولوجية وتنظيمية مشتركة (موجودة في الصين ولكن ليس في كوبا)، أو اعتماد ضرورية على المعونة الروسية (كما هو الحال في كوبا ولكن ليس في الصين منذ أوائل الستينات). إن هذا التوازي يأتي من وضع طبقي مشترك ومهام اقتصادية مشتركة.

 

خلاصة القول أن “ماركسية” العالم الثالث الوطنية، مثل الكاوتسكية والستالينية هي في أصولها ليست أيديولوجية ثورة بروليتاريا وإنما أيديولوجية قسم من البرجوازية الصغيرة يقف بين العمل ورأس المال. في حالة الكاوتسكية والستالينية، كانت بيروقراطية الحركة العمالية هي التي رفعت نفسها فوق قاعدتها في الطبقة العاملة. أما في حالة وطنية العالم الثالث، لعبت انتلجنسيا الطبقة المتوسطة المضطهدة من الإمبريالية الدور الأساسي ومثل الستالينية في روسيا وأوروبا الشرقية (ولكن ليس الكاوتسكية أو الستالينية في الغرب) استطاعت في ظل ظروف معينة(136) أن تحول نفسها إلى الطبقة الحاكمة. كأيديولوجية هي أبعد كثير من الناحية الصورية عن الماركسية من أي من الكاوتسكية أو الستالينية، وكان من الممكن قبولها كماركسية أو كنوع من الماركسية فقط بسبب الدور السابق للستالينية في دفن التراث الأصيل تحت جبل التشويه، وبسبب الضعف الشديد للماركسية البروليتاريا في الخمسينات والستينات.

هكذا فعلى الرغم من كل اختلافاتهم، فان الكاوتسكية والستالينية، ووطنية العالم الثالث بينهم الكثير مما هو مشترك – قبل كل شئ التزام إزاء الدولة الوطنية (الوطنية وملكية الدولة) ورفض للتحرر الذاتي للطبقة العاملة. تلك الخصائص والتي تم التوصل إليها من خلال أساليب تاريخية مختلفة – قام انجلز بتحليلها في كتابه ضد دوهرنج على أنها خصائص أساسية للمرحلة النهائية للتطور الرأسمالي، للعلاقة الرأسمالية “ليس وقد تم التخلص منها” ولكن وقد بلغت الذروة(137). ما حدث إذن لهذه الماركسيات هو أنها بتركها المواقع الطبقية للبروليتاريا، انتهت إلى تأييد المرحلة التالية للرأسمالية.

لقد انهينا الآن عرضنا للتحولات الرئيسية للماركسية منذ وفاة ماركس ونستطيع الآن أن نعود لنقطة بدايتنا: التراث الماركسية الأصيل.

  • Social Links:

Leave a Reply