إحداث مؤسسة المخابز هل يمكن اعتباره البدء بحرق الأسد لمراكبه

إحداث مؤسسة المخابز هل يمكن اعتباره البدء بحرق الأسد لمراكبه

م. سامر كعكرلي

نشرت وسائل إعلام النظام السوري خبراً مفاده بأن بشار الأسد قد أصدر المرسوم التشريعي رقم  /6/ لعام 2020 والقاضي بإحداث المؤسسة العامة للمخابز، لتحل محل الشركة العامة للمخابز ولجنة المخابز الاحتياطية. لهنا الخبر عادي جداً في دولة تم تفصيل دستورها منذ عام 1970 على مقاس رأس النظام الذي احتكر كافة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية لتصبح تلك السلطات مطواعة بين يديه لتكريس نظامه الاستبدادي، لدرجة أن مسألة تتعلق بالخبز تحتاج لمرسوم رئاسي.

ولكن الجديد هو في مضمون المرسوم المذكور، حيث جاء في صلب المرسوم بأن المؤسسة الجديدة تم منحها صفة مؤسسة ذات طابع اقتصادي، إضافة لمنحها الاستقلال المالي والإداري. أو بمعنى أخر مؤسسة اقتصادية، ولمعرفة تأثير ذلك على معيشة المواطن السوري لا بد لنا للعودة إلى تعريف المؤسسة الاقتصادية ((Economic Corporation)) والذي ينص  على أنها : منظمة اقتصادية ذات استقلالية تتميز بأنها تتخذ القرارات المالية والإعلامية والمادية والمتعلقة بالموارد البشرية بهدف بناء قيمة مضافة ترتبط مع أهداف المؤسسة الاقتصادية ضمن نطاق مكاني وزمني وبمعنى أخر بأنها عبارة عن تجمع من الأشخاص يستخدم كافة الوسائل المالية والفكرية بهدف تحقيق الأرباح المالية. وهنا تكمن خطورة هذا المرسوم وذلك بتحويل مادة الخبز الذي يُعرف بأنه قوت الشعب لمجرد سلعة خاضعة للربح والخسارة، دون النظر إليه كمادة خدمية ترتبط بطبقات المجتمع الأشد فقراً. ومما يزيد من ذلك هو الأحاديث المتكررة التي باتت وسائل إعلام النظام تروج لها منذ مدة قبل صدور هذا المرسوم والتي تؤكد جميعها على أن دعم الدولة لمادة الخبز بات يشكل عبأً مالياً كبيراً على خزينة دولة التي تخوض حرب كونية (على حسب تعبيرهم)، وأن بيع ربطة الخبز بسعر خمسين ليرة سورية مع العلم بأن تكلفتها يتجاوز الثلاثمائة ليرة سورية أصبح يعتبر ضرباً من الجنون الإقتصادي، أيضاً هناك مؤشر أخر يؤكد الشكوك والمخاوف من رفع السعر الرسمي للخبز وهو انخفاض حجم الدعم في ميزانية عام 2020 التي أقرها مجلس شعب النظام بأكثر من /10/ مليار ليرة سورية عن موازنة عام 2019.

وهذا الأمر إن حدث وسيحدث بكل تأكيد فأن ذلك يؤكد دون أدنى شك بأن بشار الأسد ونظامه قد قررا حرق كافة الخطوط الحمر الذي وضعها حافظ الأسد لتثبيت أركان حكمه من قصة دعم الخبز لقصة القضية الفلسطينية التي قال عنها بشار الأسد فلتذهب للجحيم.

وصحيح أن نظام حافظ الأسد قد كان يتحايل على موضوع دعم الخبز أكثر من مرة وبأكثر من طريقة،  فتارة يأمر بخلط الشعير بالقمح  (حسب قول محمد العمادي وزير الاقتصاد في عام 1987)، وتارة أخرى يأمر بتخفيض وزن الربطة دون المساس بعدد الأرغفة، وتارة أخرى يقلل حجم الرغيف، ومرة يتجرأ أكثر ويقلل عدد الأرغفة في ربطة الخبز. إلا أن الخط الأحمر لم يتم تجاوزه بأوامر من حافظ الأسد شخصياً.

ولكن للحقيقة لا يشكل هذا المرسوم أول خطوات سياسة حرق الخطوط الحمراء ((بالنسبة لموضوع دعم الخبز حصراً)) التي اتخذها بشار الأسد بعد وراثته لحكم سورية، فقد كان هناك خطوات كثيرة لهذا الأمر ابتدأت حتى قبل الثورة ولكن كانت بأسلوب شيطاني خبيث مخفي غير معلن، وكانت تلك الخطوات تعتمد على محوريين أساسيين: الأول تخفيض كمية ونوعية الخبز المدعوم من قبل الدولة وتخفيف منافذ بيعه، وبذلك تظهر أزمة ازدحام على الأفران التي تبيع هذا النوع من الخبز، والمحور الثاني فتمثل بتشجيع القطاع الخاص المرتبط بالنظام أصلاً على إقامة أفران تم تسميتها بالأفران السياحية وهي تُنتج خبز عالي الجودة تمت تسميته الخبز السياحي، فانتشرت تلك الأفران في مختلف المحافظات مثل أفران شمسين وتفاحة وقمرين في دمشق و طيبة وبركة في حلب، ولجأت تلك الأفران على توزيع مُنتجاتها على البقاليات والسوبر ماركات، وبهذه الطريقة عندما يرى المواطن الذي يريد شراء خبزاً من الأفران الحكومية يرى ازدحاماً شديداً على منافذ بيع تلك الأفران فعندها يكون عند هذا المواطن حلين ليتجنب الوقوف لساعات طويلة إما أن يشتري خبز الدولة من الأطفال المشردين الذين يبيعون الخبز الحكومي بسعر أعلى من السعر المحدد، أو أن سيذهب لأقرب بقالية يشتري حاجته من الخبز السياحي بسعر مضاعف ، وبهذه الطريقة يستفيد النظام بنقطتين الأولى هي تأهيل المواطن السوري لساعة رفع السعر الرسمي لأنه بكل الأحوال يشتريه بسعر مرتفع، والثانية تخف كمية الخبز التي تباع من أفران الدولة الأمر الذي يؤدي لتخفيف المبلغ المخصص لدعم الخبز وبذلك تستفيد خزينة النظام من تلك العوائد دون أن يضطر لإعلان رفع الدعم بطريقة قد تستفز المواطنين. وبقي الأمر هكذا حتى اندلاع ثورة الكرامة في منتصف شهر آذار من عام 2011 والتي تسببت باستنزاف آلته العسكرية لقمعها، الأمر الذي دفع النظام للبدء بتجاوز الخطوط الحمراء اقتصادياً، فلجأ في شهر تموز من عام 2014 برفع سعر كيلو الخبز من /9/ ليرات للكيلو غرام الواحد إلى /15/ ليرة سورية، أي بنسبة تزيد عن 65%، وبتاريخ 18/01/2015 أصدر وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة بشار الأسد قرارين الأول يقضي بتخفيض وزن ربطة الخبز من /1750/ غرام إلى /1450/ غرام، والثاني زيادة سعر الربطة من /25/ ليرة سورية إلى /35/ ليرة سورية، وثم تم رفع سعر الربطة في الشهر العاشر من عام 2015 إلى خمسين ليرة سورية.

واليوم وبعد مرسوم بشار الأسد الذي حول قوت الشعب لسلعة تجارية تهدف للربح يكون قد تجاوز مرحلة حرق الخطوط الحمراء ليدخل مرحلة حرق المراكب جميعها لأنه من المؤكد بات سياسته القمعية المجرمة، التي انتهجها لقمع ثورة الكرامة لم تجديه نفعاً بسبب صمود الشعب السوري مما زاد  من تورطه بالدماء السورية لدرجة لا يمكنه العودة للخلف.

 

  • Social Links:

Leave a Reply