– إشارة خطر

– إشارة خطر

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

يقول الكاتب – وردت في الأيام الأخيرة أنباء مقلقة من سوريا، حيث أصبح الوضع في محيط مدينة إدلب أكثر تعقيدا، بينما أطلق العسكريون السوريون النار على مواقع المراقبة التركية، ما أسفر عن مقتل 5 جنود أتراك، وجرح آخرين. من جانبها صرحت وزارة الدفاع التركية أن القوات العسكرية التابعة للحكومة في دمشق أطلقت نيرانا مدفعية كثيفة، وردا على ذلك، أدخلت السلطات التركية وحدات إضافية إلى المنطقة، بما في ذلك وحدات مدرعة، وهاجمت وحداتها 115 هدفا في المناطق التي توجد فيها القوات العسكرية التابعة للحكومة في دمشق. ولتجنب المزيد من الاشتباكات الخطيرة، أصبحت هناك حاجة للتنسيق بين القيادتين التركية والروسية.

 

أرى تلك مؤشرات خطيرة للغاية. لقد حافظت كل من القوات العسكرية السورية التابعة للحكومة في دمشق والقوات التركية على قواعد عدم الاشتباك حتى لا تستفز بعضها البعض. وبالتوقيع على اتفاقيات أستانة، ضمنت روسيا وتركيا وإيران، ليس فقط تخفيض عدد حوادث الاشتباك العسكري بين الأطراف المتنازعة، وإنما أيضا التأثير على تلك الأطراف من أجل منع أي خسائر في صفوف الوحدات العسكرية للدول الضامنة نفسها. الآن يبدو الأمر وكأن روسيا، التي تدعو إلى حماية السيادة السورية، وإنهاء الحرب على أراضي سوريا، لا تتمكن من ردع قوات الحكومة في دمشق من ضرب المواقع التركية. وبطبيعة الحال، ظهرت على الفور تصريحات خبيثة في وسائل الإعلام الغربية مفادها أن: “روسيا عاجزة عن السيطرة على عملائها[1]”.

 

في الوقت نفسه، لابد من التأكيد على أن السلطات السورية ليست على الإطلاق “عميل” لدى روسيا. فما تسعى إليه روسيا هو إنهاء النزاع المسلح في المنطقة، والحفاظ على بناء وهيكل الدولة السورية وسيادتها على أراضيها، وتحقيق تطلعات الشعب السوري في حياة آمنة كريمة، لكن ذلك يتم تحديدا من أجل الشعب السوري بأسره، وليس من أجل السلطة السورية الحالية. وقد عارضت من جانبي، مرارا وتكرارا، الإجراءات الخاطئة، وغير المحسوبة، التي تتخذها الحكومة في دمشق، والتي تثير الجانب التركي، الأمر الذي يضر بالمصالح السورية نفسها. بل إنني اعتبرت وأعتبر أن الخطوات التي تلحق الضرر بالجيش التركي مضرة للغاية، والأكثر من ذلك تصريحات المسؤولين السوريين بأن “الجانب التركي المعتدي هو من ينتهك سيادة الجمهورية السورية”.

 

إن موقفي واضح ومفهوم: تركيا، شأنها شأن روسيا وإيران، هي طرف من أطراف اتفاقية أستانة، وعليه فهي تضطلع بمهمة مشتركة في القضاء على أسباب وعوامل استمرار الصراع. من جانبها، تعمل روسيا في إطار بنود اتفاقية أستانة على نحو صارم، ولا يمكنها بتاتا الموافقة على أي إجراءات تتنافى مع تلك البنود. لذلك ينبغي اعتبار تصريحات القيادة السورية، التي زعمت أن العمليات العسكرية قد تمت بالاشتراك مع أفراد الجيش الروسي، عارية عن الصحة.

 

فضلا عن ذلك، فإن تلك التصريحات استفزازية، لأنها في الواقع تفترض أن القادة الروس في سوريا، كانوا على علم، أو شاركوا في تلك الهجمات على مراكز المراقبة التركية، في الوقت الذي تعتبر فيه روسيا العسكريين الأتراك شركاء لا أعداء، فيما يخص تسوية الأزمة السورية. إن تصريحات من هذا النوع يجب أن تتسبب، وقد تسببت بالفعل، في رد فعل سلبي للغاية من القيادة التركية. أعتقد شخصيا أن القيادة العسكرية السورية، إنما تتعمد، بإصدار تصريحات كهذه، جرّ روسيا إلى صراع مع تركيا.

 

وإذا كان ذلك الأمر يتم عن طريق الخطأ أو عدم التفكير ربما، فمن الممكن التغاضي عنه. لكنني أود أن ألفت الانتباه إلى حقيقة أنه في الغرب، وحتى في الشرق الأوسط نفسه، هناك الكثير من المحرضين والمتآمرين الذين يسعون لتدهور حاد في العلاقات بين المشاركين في عملية أستانة. فهم غير راضين عن الاتفاق بين روسيا وإيران وتركيا بشأن بنود الاتفاقية، التي تسعى لإحلال السلام في المنطقة، والتوصل لتسوية سياسية في سوريا. هذا هو السبب في أن الأصوات المعادية لكل من روسيا، والشرق الأوسط بأكمله، تستمتع حاليا بالأحداث الأخيرة حول إدلب.

 

يقول ممثلو الحكومة السورية إن تركيا لم تمتثل لأحد البنود الرئيسية في الاتفاقية: فقد عجزت عن عزل التنظيمات الإرهابية عن القوات المناهضة للقوات العسكرية التابعة لحكومة دمشق، ونتيجة لذلك، يصعب على تلك القوات أحيانا التمييز بين الإرهابيين والفصائل التي تحارب دمشق بسبب خلافات سياسية حادة. ولكن على من يقع اللوم؟ لا زالت بعض حركات المعارضة، التي تزداد عددا مع الوقت، تعلن تعنتها، بسبب أن السلطات السورية تتمسك، في معظم الأحيان بمواقفها السابقة التي لا تتزعزع. بل إن السلطات السورية نفسها مؤخرا، قد أصبحت “تعارض بشدة” قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وهنا يجب التنويه إلى أن قرار مجلس الأمن ليس توصية، وإنما هو مطلب للمجتمع الدولي واجب النفاذ.

 

ونتيجة لهذا الموقف من دمشق، ازداد عدد السوريين الذين فقدوا الثقة بإمكانية الاتفاق بين الحكومة السورية والسياسيين من أطياف أخرى على الإطلاق، أو أنه من الممكن إجراء انتخابات في البلاد. إن الهجمات الجديدة على ما تبقى من أراض تحت سيطرة المعارضة السورية، في ظل عدم إحراز أي تقدم في المفاوضات، لا تترك داخل معسكر أعداء النظام أي شك في أن “مجموعة عدم التوافق” داخل السلطة السورية لا زالت، كما في السابق، تضع رهانها على الحل العسكري للتخلص من المعارضة بالقوة.\

 

 

 

إن السياسيين الحقيقيين، أصحاب النظرة الواقعية، في سوريا ودول أخرى، يدركون بالفعل أن هذا أمر مستحيل. فالوضع الراهن في البلاد يختلف عن الوضع الذي كان منذ نصف عام فقط. فعلى سبيل المثال، يوجد الآن في مناطق الشمال السوري حوالي 7 ملايين شخص، بمن فيهم اللاجئون، ولدى أغلبيتهم موقف سلبي من النظام. يؤمن هؤلاء بأن السلطات في دمشق فقدت شرعيتها، لأنها ترفض بشكل قاطع القيام أي تغيير في المجتمع والسياسة، بينما يعيشون جميعا على أمل حدوث هذه التغييرات. لقد خرجت تلك المناطق، بما في ذلك مدينتي إدلب وحلب، والمناطق المحيطة بهما، لفترة طويلة عن سيطرة دمشق، وأصبحت غالبية سكان هذه المناطق تأمل في أن تبدأ عملية التسوية السياسية قريبا، وأن تبدأ السلطات برنامجا إصلاحيا، أو تتبدل. كانوا، مثل بقية البلاد، يأملون في أن تسهم مناطق وقف إطلاق النار، ومناطق خفض التصعيد بمشاركة العسكريين الروس، في إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإرساء قواعد ديمقراطية في جميع أنحاء البلاد.

 

فما الذي نراه الآن؟ تعود السلطات المحلية السابقة إلى المناطق المحررة من داعش وقوات المعارضة، بينما لم تقم حكومة بشار الأسد بأي خطوات حتى الآن للاتفاق مع المعارضة، حتى ولو بشأن قضية إجراء الانتخابات المقبلة، والتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، والشروع في بدء عملية استعادة الديمقراطية والحياة السليمة. بكلمات أخرى، لا زالت القيادة السورية تعرقل عملية السلام، ولم يعد من المدهش أن يعتبر كل هؤلاء حشد القوات العسكرية التابعة لحكومة دمشق في مناطق الشمال السوري نذير شؤم وكارثة محدقة.

 

يتعامل هؤلاء السكان بألم مع الحملة المعادية لتركيا في الإعلام السوري، حيث يُطلق على القوات التركية وصف “المحتلين”، ولا يمكن للأتراك أو لسكان هذه المناطق أن يعجبهم هذا الوصف: فعلى الرغم من كل شيء، يعتبر الكثيرون الجنود الأتراك مدافعين عنهم ضد الأعمال العقابية المحتملة من قبل السلطات السورية. وبفضل الدعاية النشطة لوسائل الإعلام الغربية والعربية جزئيا، تكوّنت صورة لدى سكان هذه المناطق الشمالية، بل وفي بعض المناطق جنوب البلاد، أن روسيا هي حليفة للسلطة السورية، التي تشن واقعيا حربا ضد شعبها.

 

أعتقد أنه لا يحق لنا أن ننسى أن المساعدة والدعم الروسيين هما ما منع اندلاع حرب أهلية شاملة في عموم سوريا، كانت لتوقع بأعداد هائلة من الضحايا والدمار. وكانت نيران القذائف والحرب لتذهب بأرواح مليون ونصف المليون، وربما مليوني نسمة، بينما كانت  المدن التاريخية مثل دمشق وحلب واللاذقية دمرت عن بكرة أبيها تحت القصف، لكن تهديد هذه الحرب لم يختف بعد. وأخشى ما أخشاه ألا تكون الحكومة السورية الحالية قد استوعبت بعد أن تحقيق نصر عسكري “كامل”، في ظل المعطيات الحديثة، قد أصبح أمرا مستحيلا تحت أي ظرف من الظروف. وبالتالي فإن المسار الوحيد الذي يتعين على الحكومة السورية سلوكه هو المسار السياسي والتخلي عن أساليب المماطلة، وتأجيل عملية التسوية السياسية، والشروع الفوري في التنفيذ المنظم لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

 

أما ما يتعلق بقضية الخلافات المحتملة بين تركيا وروسيا، فأنا متأكد أن كلا من الرئيسين، فلاديمير بوتين، ورجب طيب أردوغان، لديهما الرؤية والخبرة والموهبة والحنكة السياسية، وسوف يختاران بلا شك الطريق المعقول والمنطقي للخروج من الموقف الراهن. طريق يستند، كما في السابق، إلى الاتفاقات التي تم التوصل إليها في سوتشي، بشأن التعاون البناء لتحقيق مصلحة شعوب الشرق الأوسط.

 

أما نصيحتي الدائمة لوسائل الإعلام الشرق أوسطية، والغربية على حد سواء: إذا كنتم تريدون معرفة الموقف الحقيقي لروسيا، استندوا إلى البيانات التي تأتي من الكرملين، والبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الروسية.

  • Social Links:

Leave a Reply