كيف تؤثر زيارة جيفري الأُولى إلى إدلب على مجريات قمة بوتين أردوغان؟

كيف تؤثر زيارة جيفري الأُولى إلى إدلب على مجريات قمة بوتين أردوغان؟

بروكار برس

العديد من علامات الاستفهام تركتها الزيارة التي قام بها المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، إلى مخيمات اللاجئين السوريين في محافظات إدلب، وكان لافتاً مشاركة المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، كيلي كرافت، إلى جانب جيفري ضمن وفد للأمم المتحدة.

وسبق ذلك مباحثات عقدها الوفد الأميركي، برئاسة جيفري، مع مسؤولين أتراك، قللَّت تصريحات أميركية من محورية جانبها السياسي وحاولت تسليط الضوء ما أمكن على “بحث الجانب الإنساني”، بسبب اضطرار مئات الآلاف من أبناء محافظة إدلب وريف حلب الغربي للنزوح باتجاه الحدود السورية التركية جراء الهجمات الدموية التي يقوم بها جيش النظام مدعوماً بالمليشيات الإيرانية المتحالفة معه والطيران الحربي الروسي.

في مقدمة الأسئلة لماذا اختار جيفري وكرافت أن تكون زيارتها إلى مخيمات اللاجئين في عداد وفد للأمم المتحدة؟ ولماذا خصص جانباً مهماً من زيارته لأنقرة للقاء ممثلي الأمم المتحدة والمنظمات المدنية التي تعمل في حقل مساعدة اللاجئين وإنقاذ المدنيين؟

لأمم المتحدة أصدرت العديد من التقارير أشارت فيها بأصابع الاتهام، بشكل مباشر، إلى روسيا، بارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين في سوريا، وأكد تقرير وضعه محققون دوليون، نشر مطلع الأسبوع الجاري، أن روسيا نفَّذت ضربات جوية استهدفت أسواقاً شعبية ومخيمات لاجئين ومستشفيات ومدارس، مما أسفر عن قتل العشرات وجرح المئات من المدنيين، وتصنف تلك الهجمات الوحشية كجرائم حرب.

 

غير أن روسيا كعادتها رفضت ما جاء في تقرير اللجنة الأممية، مدعية على لسان المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، بأن “لجنة واحدة لا يمكن أن تكون لديها معلومات يعوَّل عليها بشأن ما يحدث على الأرض”. وهذه ليست المرَّة الأولى التي ترفض فيها موسكو العديد من تقارير الأمم المتحدة التي أدانت جرائم حرب جيش النظام والطيران الروسي والمليشيات الإيرانية.

وواضح أن زيارة جيفري وكرافت ضمن الوفد الأممي تحمل في طياتها تهرباً من عمل أميركي بحت يرتب التزامات ذات طابع سياسي على الإدارة الأميركية. وعموماً الزيارة التي أنجزت لن تقدِّم شيئاً جديداً بالقياس إلى تقارير الأمم المتحدة ذات الصلة، حتى وإن ترتب على هذه الزيارة تقديم بضع عشرات من ملايين الدولارات كمساعدات للاجئين. فما يحتاجه المدنيون في محافظة إدلب وجود منطقة آمنة، كخطوة أولى على طريق وضع حد لجرائم نظام بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين.

والولايات المتحدة الأميركية بصفتها دولة عظمى مطالبة بأن تضطلع بدورها لوقف الحرب في سوريا، وتمكين الشعب السوري بكل مكوناته من تقرير مصيره بنفسه، في بلد مستقل وسيد يتمتع فيه كل أبنائه بحقوقهم على قدم المساواة، في ظل نظام تعددي وديمقراطي.

وفي الإجابة على السؤال الثاني، تبعاً للإجابة على السؤال الأول: إن تخصيص جيفري لجانب كبير من زيارته للقاء ممثلي الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المحلي لا يمكن أن يلمع صورة الولايات المتحدة، بل يكشف مجدداً حقيقة تخاذلها أمام جرائم الحرب التي ترتكبها روسيا ضد المدنيين السوريين في سياق دعمها لنظام بشار الأسد، الذي ما كان له أن يستمر دون هذا الدعم.

والسؤال الثالث الذي تطرحه زيارة جيفري: ما هو المقصود منها في هذا التوقيت قبل يومين من القمة المزمع عقدها بين أردوغان وبوتين لبحث الوضع في إدلب؟

المفترض أن تقدم الولايات المتحدة دعماً قوياً لحلفيتها تركيا، العضو في حلف الناتو، لتمكِّن أنقرة من امتلاك ورقة قوة في معركة “عض الأصابع” بينها وبين موسكو. فالدعم الذي كانت تعمل من أجله الحكومة التركية يشمل الجانبين العسكري والسياسي، وفي أقل الأحوال أن يصدر عن إدارة ترامب موقف سياسي صلب، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام المطالب العسكرية التي قدمتها تركيا إلى الناتو والولايات المتحدة، والمقصود هنا بالتحديد تزويدها بمنظومة صواريخ باتريوت.

السفير جيفري قال في زيارته الأخيرة لأنقرة يوم الاثنين الماضي: إن واشنطن مستعدة لتزويد تركيا بالذخيرة من أجل إدلب”، في تكرار لتصريح أدلى به في زيارته لانقرة، في 13 شباط/فبراير الماضي، وقال فيه:”الولايات المتحدة تدرس تقديم دعم للجيش التركي في إدلب عبر تقديم معلومات استخباراتية ومعدات عسكرية…”.

من الواضح أن جيفري تجاهل تماماً ما تريده تركيا من دعم، ومن السذاجة بمكان الاعتقاد بأن الحكومة التركية أخذت على محمل الجد أقوال جيفري باعتبارها دعماً لها من قبل إدارة ترامب، فأقوال جيفري لا تعدو كونها مناورات بائسة للتغطية على حقيقة موقف واشنطن البائس من المعركة المحتدمة في إدلب.

للمفارقة؛ بينما كان جيفري وكرافت يجريان مباحثات مع مسؤولين أتراك، أعلن وزير الدفاع الأميركي، مارك أسبر، بشكل فج، أو كما يقال في المثل الشعبي “بق البحصة”، باستبعاده مقترحاً يقضي بأن تقدِّم واشنطن دعماً جويا لتركيا في معركة إدلب. وهذه رسالة تطمين موجهة إلى روسيا مفادها أن الولايات المتحدة ليست في وارد تقديم دعم عسكري مؤثر لتركيا، والمقصود صواريخ باتريوت لتعزيز قدرات الجيش التركي جواً.

سؤال آخر تطرحه زيارة جيفري وكرافت والمنحى الذي رسم لها، وهو: إلى متى ستبقى الولايات المتحدة الأميركية “تدفن رأسها كنعامة” أمام دموية نظام بشار الأسد وطائرات روسيا ومرتزقتها والمليشيات الإيرانية؟

لا توجد مؤشرات على أن إدارة ترامب بصدد مراجعة مواقفها، بل على العكس من ذلك مازالت ماضية في السياسة ذاتها التي انتهجتها إدارة باراك أوباما، والتي مكَّنت نظام بشار الأسد من التنكيل بالشعب السوري، بدعم من المليشيات الإيرانية، وشجَّعت روسيا على التدخل عسكريا لانقاذ النظام الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط، في أيلول/ سبتمبر 2015.

وتفرض الاجابة على الأسئلة الماضية على تركيا وقوى المعارضة السورية، وفي القلب منها الفصائل العسكرية، الاعتماد على القدرات الذاتية، ووقائع الأيام الماضية أكدت أن هناك قدرات كبيرة بمتناول اليد ومن شأنها تغيير المعادلة بالتراكم، رغم طابع الكر والفر الذي تتخذه المعارك أحياناً على بعض الجبهات، وآخرها جبهة سراقب.

ولا ريب في أن تغيير المعادلة في صالح قوى المعارضة السورية، بدعم تركي، سيفرض على الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي مراجعة مواقفها، وعندها سيمثِّل ذلك بداية انحسار الدور الروسي الحامي لنظام بشار الأسد المتهالك.

وبعد تسع سنوات على مجازر النظام المتنقلة، لعل ما يريده الشعب السوري ليس مساعدات إنسانية، بل مواقف تردع نظام بشار الأسد ومن يقف خلفه ويدعمه في حربه الإجرامية على المدنيين العزل. وتخطئ الإدارة الأميركية إن إعتقدت أن بإمكانها، من خلال زيارة جيفري وكرافت، استغلال مآسي اللاجئين السوريين للتغطية على تخاذل واشنطن حيال جرائم ميليشيا الأسد والمليشيات الإيرانية وطائرات ومرتزقة روسيا.

  • Social Links:

Leave a Reply