عبد الكريم بوشي
لقد عرفت ما يكفي من الأمور
لكي أتمكن من التخلي عن كل شيء تقريباً
يخرج الطفل من رحم امه و هو معمد بالدماء
يصرخ في وجه الحياة بعد خروجه من سجنه و يبكي .. فهو يعرف كم الحرية صعبة و موجعة و متعبة و لكنها جميلة ..
يبكي و كأنه يرى كل شريط حياته .. ( كم هي وعرة هذه الحياة ) ..
و تبدأ الرحلة مع اول سجن يساق إليه .. إلى المعبد
ليتعلم أساليب الطاعة و العقاب و يحمل معه عبء الزيوت المقدسة و البخور
و ينبت في ثنايا دماغه عشب لا يزول مهما كانت حياته في تصحر ..
ثم تمضي به الايام فيجد نفسه في طابور تحية العلم في المدرسة ليتعلم النشيد و الشعارات و يصبح رقم في صفوف المصفقين و سجين عصا المعلم و الوجبات المدرسية و الكتب الغبية
ثم تمضي به الايام و يتعلم صناعة الأصنام و تمجيد الزعماء و الركوع و تقديم القرابين ل ( هبل و اللات …)
و فجأة تغويه الحياة و ترسم في مخيلته كل أنواع الشغف و الحب و السلام و الحرية ..
و يبدأ بأخذ الدروس عن الإرادة و القوة و العزم و التصميم ..
و يبدأ بصناعةأصنام جديدة و تحطيم آلهة القديمة
( وجدت ربي …) هكذا يوهم نفسه ..!
و لكن يدرك فيما بعد بإنه لا شيء
يدرك بإنه قد أُستهُلِك .. يدرك بأنه سلعة متداولة
بأنه مجرد رقم .. يذهب إلى عمله و ينفق أمواله و يستهلك ثم سيموت ..
ليس نبيا بمعجزات
ليس بطلا بثورات
و لن تمطر السماء لحزنه
( الحياة محاولة كاذبة.. تنجح في بعض المرات فيتوهم الناس بإن الحياة ستمنحهم المعجزات .. )
و لكن انظر إلى نفسك في المرآة .. انت عجوز في العشرين
انت ميت بأوهام النشوة ..
ثم يصرخ قائلاً :
– أعيدوني إلى سجني الأول
– إلى رحم أمك ؟؟؟
– لا.. اريد ان اعود نطفة

Social Links: