د عارف دليلة
رغم ان الكثيرين يهونون من خطر كورونا ويحاولون اقناع الناس بانه لا يختلف كثيرا عن اي انفلونزا ، بل انه اقل منها قتلا للبشر ، وانه يمكن تفاديه باتباع عدد من الارشادات البسيطة التي تقي من العدوى به ، وانه حتى قبل اكتشاف المصل او العلاج المضاد له ، وبالرغم من سرعة انتشاره والتزايد في اعداد المصابين به ، فان نسبة المصابين الذين يشفون منه ترتفع بسرعة اكبر من سرعة نمو نسبة الذين يقضون بسببه ، في تناسب طردي مع الصرامة في تنفيذ الاجراءات الوقائية المطلوبة لعدم الاصابة به !
الا ان الهلع الذي انتشر في العالم كله بسبب فيروس كورونا خلال مدة شهرين تقريبا من ظهوره بلغ حدا قل نظيره في التاريخ ، ولعل السبب يكمن في ظاهرة جديدة لم يعرفها العالم سابقا الا وهي الاعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي التي تجمع وتنقل الاخبار والوقائع لحظة الحدث من جميع انحاء العالم وتوصلها الى اكبر نسبة من البشر في اللحظة نفسها ، وبالصوت والصورة.
ومن المعلوم ان الاقتصاد ووقائعه ،على المستوى الوطني والعالمي ، وحتي الفردي ، يحتل الاهمية الاولى عند اغلب البشر كمحدد لنوعية ولمستوى المعيشة ، وبشكل عام لحظوظ البشر في الحياة ، ولمستقبلهم ايضا .
وبالعودة الى خطر الفيروس، فانه ، كما نعتقد ، ليس بهذه الخفة والبساطة التي تروج عنه ، وبالاخص اذا اخذنا بالاعتبار مسالتين اساسيتين ، الاولى ، هي سرعة انتشاره ، والثانية هي تهاون السلطات العامة في معظم البلدان ، وعجزها ، غالبا ، عن تجهيز البنى التحتية وتعبئة الامكانات المادية وتحسين القدرات المناعية التي يمكنها التقليل من قوته الهجومية من ناحيتي الانتشار والفتك .
والسؤال الرئيس هنا هو التبعات الاقتصادية على المستويات الوطني والعالمي والفردي ؟
لايمكن لاحد حتى الان اعطاء اجابة شافية على هذا السؤال ، لسببين رئيسين وهما صعوبة تقدير انتشاره ، وطول المدة التي يتطلبها اكتشاف العلاج المضاد له وامكانية الوصول الى هذا العلاج .
يمكن القول الان بان الاثار الاقتصادية لهذا الوباء كبيرة جدا ، فهو حتى الان استطاع تخفيض الصادرات ،الصينية، مثلا بنسبة ١٧% ، وهذا يعني انخفاض الانتاج الذي يعتمد على هذه الصادرات في الدول الاخرى ، وبالاخص في اكبر الاقتصادات العالمية :الاقتصادين الاوربي والاميريكي، ومستوى الاستهلاك الفردي الذي يعتبر في الاقتصادات المتطورة المحرك الاول للنمو الاقتصادي ، مما يسمح بالقول بان الاقتصاد العالمي يعاني مما يمكن وصفه ب ” السقوط الحر ” في الكساد ، ليس فقط بمستوى الكساد في الازمة الاقتصادية العالمية الكبرى ١٩٢٩ _١٩٣٣ ، بل اضخم واعمق واشمل منها بكثير . وهذا يعني اغلاق وافلاس عدد هائل من المنشآت الانتاجية في جميع دول العالم ، وقد بدا ذلك ظاهرا للعيان بشكل فاقع جدا منذ الان ، وهذا مايجر الى تعطيل اعداد هائلة من العاملين في القطاعات الانتاجية والخدمية ، فالسياحة لوحدها ، مثلا ، تتسبب في خسارة اكثر من ٣% من الناتج المحلي الاجمالي ، وتعطيل اكثر من ٧%من القوة العاملة . وكما اصبح واضحا فان اكثر المؤشرات الاقتصادية التي تعاني الانهيار هي اسعار الاسهم في البورصات المالية ، التي تنخفص بنسب تصل الى ٦% واكثر خلال يومين ، مثلا ، والظاهرة الاكثر حدة هي الانخفاض الكبير ، بنسبة تزيد عن ٥٠% في اسعار الوقود ، وهو السلعة الاضخم حجما في التبادل التجاري العالمي ، حيث انهار من سعر يزيد عن ٦٠ _٧٠ دولارا للبرميل الى مستوى ٣٠ دولارا ، وما زاد في الطين بلة ، التناقض، في هذا الوقت العصيب بالذات، بين موقف روسيا المضاد لتخفيض الانتاج ، وهي دولة مستقلة عن الاوبك وواحدة من اكبر منتجي ومصدري الوقود العالميين ، الى جانب المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة ، وبين الاتجاه في منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) والذي يطالب بتخفيض الانتاج والتصدير للوقود ، للتماشي مع انخفاض الطلب العالمي ، وبالاخص من قبل قطاعي الطيران والصناعة والنقل ، اضافة الى انخفاض الطلب على النفط من اجل التدفئة في نصف الكرة الشمالي الذي لم يشهد هذا العام الشتاءات الباردة المعتادة .
في هذا الظرف الاقتصادي الركودي ياتي فيروس كورونا ليصب الزيت على نار الازمة الاقتصادية العالمية ، (المتفاقمة ،اصلا، بدون اشكالاته الاضافية، بسبب من طبيعة النظام الراسمالي الاحتكاري العالمي ، الذي تعتبر الازمات الاقتصادية البنيوية والظرفية ظاهرة دورية حتمية لايستطيع هذا النظام البقاء والنمو الا عبرها ، فهي جزء عضوي من تكوينه ، وهي ، في الوقت نفسه ، مرضه الموضوعي القاتل !
من سيربح ومن سيخسر ، وباية نسب ، في هذه الكارثة المتفاقمة التي ماتزال تحبو خطواتها الاولى ؟
لا استطيع ، مبدئيا ، ان اوافق على القول ونحن نواجه هذه الازمة المركبة غير المسبوقة في التاريخ العالمي : يجب ان نتقن فن تحويل الازمة الى فرصة ، فكل ازمة هي فرصة !
بالتاكيد ، هناك من يتقن تحقيق المكاسب من الازمات والكوارث ، بالحظ احيانا ، وبالادارة والعلم ، احيانا اخرى . ولكن هذه الفرص سيغلب عليها الطابع الانفرادي ، والمحدودية ، ولا يمكن توقع ان تكون قانونية موضوعية ، كما ، مثلا ، يكون الامر في الاحوال شبه العادية ، رغم احتوائها ، باستمرار ، على عناصر الازمة الكامنة او الظاهرة القابلة للاكتشاف والرصد ، بما يسمح بايجاد الوسائل المناسبة للتعامل معها .
والسؤال هو :هل تختلف ، وكيف تختلف ، الحالة الراهنة جوهريا عن التطور الاعتيادي عبر الازمات الاقتصادية ؟ هذا سؤال كبير لايمكن القطع في الاجابة عنه ، لارتباط الجواب بمتغيرات وتفاعلات كثيرة يقع معظمها خارج دائرة التتبع والتنبوء ، ويكفي ان نذكر مثلا عليها ماذا سيطرا على النظام النقدي العالمي ، الذي يشكل الجهاز العصبي للنظام الاقتصادي العالمي ؟ فالنظام النقدي العالمي الراهن يشكل ، لوحده ، فيروسا قاتلا ، وهو فعليا يفتك ، ليس فقط ، بالنظام الاقتصادي العالمي ، بل وبالبنية الفوقية كلها في هذا النظام ، من افكار وعلاقات وقيم وآليات ونظم وتنظيمات الخ ، كافية لوحدها لتدمير هذا النظام،دون اية عوامل اخرى.

Social Links: