عدي أتاسي
تبدو جزيرتنا على موقع خرائط غوغل محاطةً بماءٍ كثير، وآمنة من غزو فيروسات العالم وقماءاته، لكنها وبلمحة بصرٍ أو أقل، أصيبت بفيروس أنا وبعدي الطوفان، أغلقت منافذها على العالم كما فعل الكثيرون، وإن استطاعت أن ترفع مائها ليصبح كجدارِ قلعةٍ لما تأخرت، فسكانها أولى بالحماية لكن لا لا؛ خلت الشوارع إلا من ظلال من عبروا، ومن بقايا زجاجات وكؤسٍ كانت معدة للإحتفال بعيد النصر على الفايروس والحرب وقيامة المسيح.
أعادت السماء زرقتها بعد أن رتبت أمور الغيم والمطر جيداً مع ابنها الربيع، ونشط اليخضور مصّاعداً في عروق اليباس، والعصافير البلابل النوارس والغربان نشطت في بناء أعشاشها على قارعة الطريق، بإحساس عالٍ من الطمأنينة بأن لا بشر بعد اليوم لتخاف الصغار.
الشيخ والقسيس ورجال الدين هم أكثر الناس خوفاً من ضياع مآثرهم وتأثيرهم ومن قلة المريدين والأتباع بعد أن ثبت بأن الله لايحمي المغفلين.
البيت “المكان” ” الرحم” ،هاجس الكل؛ حيث الأمان والحماية والإستعداد للإنقضاض على البرهة السانحة التي تتيحها الحكومة للخروج واستنشاق الهواء، بعد الطبخ والغسيل والتنظيف والنوم والقراءة واللهو والضحك والمشاجرات والعنف والتأمل والخوف والقلق والسكون والرهبة والخشوع والرجوع الى الذوات التي تعرف بأنها لم تعرف شيئاً بعد عن هذا الغازي المسيطر الجبار العنيف المخيف اللزج القابع في جوف الزمكان الجائعُ للأرواح والنهم في التهامها وبصقها في وجوهنا المشدوهة خوفا ورعباً وتوسلاً.
نشرة أخبار الثامنة مع موسيقا رعبٍ كخلفيةٍ تساعد المشهد السريالي على غرس مخالبه في عقولنا قبل البدء بالتبول على وجوهنا: كورونا اليوم حصد الفا الفٍ وأصاب مليوناً وآخرين في المصحات يتلقون اوكسجين الموت في انتظار عزرائيل، (وماذا عن الناجين؟) الكل مشدودٌ الى الشاشة بأفواهٍ مفتوحةٍ خوفاً وترقباً لما سيأتي وما قد يتيح هذا الغازي اللامرئي لنا من فرصةٍ للنجاةِ.

Social Links: