إنكار التعذيب هو دفاع عن نظام الأسد

إنكار التعذيب هو دفاع عن نظام الأسد

ميشال شماس – بروكار

الدفاع الذي قدّمه “أنور رسلان” المتهم بجرائم تعذيب وقتل تحت التعذيب وعنف جنسيًا أمام المحكمة الألمانية الإقليمية في مدينة “كوبلنز” في جلسة المحاكمة التي جرت الاثنين الماضي 18/5/2020، بدا وكأنه دفاعًا عن المنظومة الأمنية للنظام السوري أكثر مما هو دفاعاً عنه، فمجرد إنكاره ممارسة التعذيب في فرع الخطيب كان كافياً ليفهم المتلقي أنه لم ينشق عن نظام الأسد.

لقد كان متوقعاً ومفهوماً أن ينفي المتهم “رسلان” التهم الموجهة له، كنت شخصياً أتوقع أن يحاول في دفاعه تبرير التعذيب الذي حصل، وأن يدعي مثل “أنني كنت انفذ الأوامر”، إلا أن توقعاتي لم تكن صائبة، وفوجئت أن تصل الأمور به – وهو يرتدي عباءة المعارضة- إلى حد نفي أي وجود للتعذيب باعتبارهاً في فرع الخطيب، بذريعة أنه لم يعلم بحدوثه ولم تصله صرخات المعتقلين في زنازين الفرع تحت الأرض، وأنكر يحدث اية عمليات تشبيح للمعتقلين وتعليقهم في سقف غرف التحقيق بذريعة أن سقوف الفرع عالية، مضيفاً أنها عدم وجود أية أدوات لتعذيب المعتقلين كالسلاسل والجنازير في الفرع “، متهم ً الضحايا بالكذب والافتراء مؤكدة أنهم لم يتعرضوا لأي تعذيب، وحاول في الدفاع عن رمي تهمة تعذيب المعتقلين على فروع أمنية أخرى وعلى ضباط آخرين كمحمد ديب زيتونة المدير السابق لإدارة أمن وتوفيق يونس رئيس الفرع 251 ولنائبه عبد المنعم نعسان ولحافظ مخلوف الذي كان رئيساً لفرع الأربعين في الطلياني.

واختتم المتهم “أنور رسلان” دفاعه المؤلف من حوالي خمسة وأربعين صفحة بالتأكيد على أنه حاول المساعدة في إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من المعتقلين في فرع الخطيب، كما أنه ساعد الكثير من المعتقلين أثناء فترة اعتقالهم من بينهم شخصيات في المعارضة، وأنه قِدمَ إلى ألمانيا كشاهد وليس كمتهم. وتمنى في نهاية دفاعه “الحرية لجميع السوريين من الديكتاتور الذي يحكمهم”.

ما أن تسرّب دفاع المتهم “أنور رسلان” خارج المحكمة، حتى أن التعليقات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، المعارض عدنان الدبس الذي كان له صولات وجولات من الاعتراض في فروع الأمن كتب على صفحته: “تعزيزاً لشهادة أنور رسلان معتقلي الفرع ٢٥١ كانوا يموتوا من الضحك أثناء التحقيق “.

بينما كتبت إحدى الناشطات: “أي الضحك تسبب في توقف عمل مضخة القلب وسبب شلل في الحوض والأطراف الأربعة.

وكتب آخر: “بتذكر علقوني بفرع الامن العسكري بحلب قبل ما يجيبو العشا من كتر ما اضحكت، صحيت تاني يوم ع الفطور مرمي على الارض وراسي مشقوق”.

المحامي أدوار حشوة علّق بالقول: لا يوجد فرع ولا سجن. إلا وفيه تعذيب، وأنا اقتادوني إلى سجن البولوني في حمص عام ١٩٦٣ وأودعوني الزنزانة، وقبل أي تحقيق استدعيت لحفلة تعذيب أودعت بعدها الزنزانة ولم يتم سؤالي عن أي شيء”.

المحامي أنور البني أحد الشهود في هذه القضية علق بدوره قائلاً: “أنّ رسلان بإفادته هذه، لا يدافع عن نفسه أنه يدافع ويبيّض صفحة النظام كله، وينفي أن يكون هناك أي تعذيب يقوم به النظام، وأنّ القائمين على هذا النظام أشخاص جيدون لا يعذبون المواطنين ولا المعتقلين.. وفرع الخطيب كان كمدرسة جميلة للتثقيف لا يمارس فيه أي تعذيب أو ضغط أو ترهيب!!”.

محامي الضحايا “باتريك كروكر” استهجن دفاع المتهم “رسلان” ووصفه بأنه: “كان إنكاراً شاملاً لكل ما جاء بلائحة الاتهام على الرغم من أنها كانت مفصّلة.

لقد أعاد الشهادة لديك مراراً وتكراراً دون أي تغيير ، ووصف الاعتقال الذي يمارسه المخابرات السورية وكأنه يحق رسمي “أي يتم بطريقة قانونية بمذكرة استدعاء وشهود وتحقيق قانوني” لكن شهادته مقابل الصورة المعروفة والمدعومة بشهادة خبراء تؤدي إلى الاستنتاج بأنه لم يقدم توضيحاً كافياً على الإطلاق “.

قصص يومية عن التعذيب عايشتها بنفسي من خلال دفاعي عن آلاف المعتقلين على مدى خمس سنوات، فقد شاهدت بأم عيني وكان أذار 2011 آثار التعذيب على معتقلين خرجوا من فرع الخطيب. فمن عذّب هؤلاء المعتقلين يا ترى؟ ألم يكونوا محتجزين في فرع الخطيب؟ أم أن رسلان يرى أن المعتقلين قد عذبوا بعضهم ليلصقوا التهمة بالأمن زوراً وبهتاناً، ولا زلت أذكر أن محامياً تلك في العام 2012 من قبل عناصر من فرع الخطيب أفرج عنه بعد 26 يوماً. وأنت أول شخص يزوره في نظارة القصر العدلي بدمشق، وقد كان من البكاء عندما رآني أمامه، لم أسأله عن أي شيء، بل طمأنته أنه سيخرج بعد قليل، عندما زرته بعد أسبوع في منزله كان لا يزال تحت تأثير الاعتقال، لقد أبكاني من هول ما سمعت منه عن حالات موت من التعذيب لأكثر من 28 معتقلاً عايشها في الزنزانة التي كان محتجزاً على مدى ستة وعشرين يوماً من الاعتقال.

فالتعذيب في أقبية أجهزة الأمن السوري يعرفه القاضي والداني، حيث كان يُمارس بطريقة منهجية، ما الذي يدخل المعتقل إلى الفرع حتى تبدأ حفلة استقبال بالتعذيب دون الحاجة إلى أوامر، لأن هذا السلوك بات متأصلاً ويمارس تلقائيًا وأصبح قاعدة متعارف عليها في فروع الأمن، وعلى العكس من ذلك فإن عدم ممارسة التعذيب يحتاج إلى أوامر مسبقة من رئيس فرع التحقيق أو رئيس الفرع لمن لا يريدون تعذيبه عزيزة. ومن هنا يمكننا أن نفهم قول رسلان أنه لم يعط أوامر بالتعذيب، لكنه في المقابل لم يقل أنه أعطى أوامر بعدم التعذيب.

ظن المتهم “أنور رسلان” أنه بارتدائه عباءة المعارضة، ستحميه من الملاحقة مستقبلاً، ولم يدرك أن هذه العباءة لا تختلف عن الغربال، فهي مليئة بالثقوب لم ولن تستطع حجب الأدلة الكثيرة التي أصبحت بحوزة المحكمة، أدلة لا يمكن تكذيبها وفي مقدمها شهادات عدد كبير من الضحايا ممن يحتجزوا وعذبوا خلال الفترة التي كان فيها المتهم “رسلان” مسؤولاً عن قسم التحقيق في فرع الخطيب، وكذلك صور الملفات قيصر وكذلك وثائق مقدمة من الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمركز الدولي للمؤسسات والعدالة، جميعها تشير بشكل واضح إلى تورطه في تعذيب المعتقلين وقتلهم تحت التعذيب.

 

لقد فوّت ” المتهم “أنور رسلان” فرصة كانت سانحة أمامه عندما تقدم بدفاعه أمام المحكمة ألا يكتفي بإعلان انشقاقه لفظياً عن المنظومة الأمنية لنظام الأسد، بل أن يقرنه بالفعل بأن يقدم للمحكمة كل ما لديه من معلومات خلال عمله كرئيس لفرع التحقيق في فرع الخطيب وأن يوضح للمحكمة الطرق والأساليب المتبعة في تعذيب المعتقلين وحجم التعذيب وأعداد القتلى، وأن يقدم اعتذاراً علنياً للضحايا عم لحقهم من أذى جسدي ومعنوي من جراء التعذيب الذي تعرضوا في فرع الخطيب.

 

وبدل أن يسعى “رسلان” لنيل عفو الضحايا عنه، اختار السير في الاتجاه المعاكس، وأصرّ على إنكار ممارسة التعذيب والقتل تحت التعذيب في فرع الخطيب، وبهذا يكون قد قدّم دليلاً واضحاً على عدم انشقاقه عن المنظومة الأمنية لنظام الأسد.

  • Social Links:

Leave a Reply