في المسألة الطائفية  : ” الهويات الفرعية و السلفية الوطنية ” 

في المسألة الطائفية  : ” الهويات الفرعية و السلفية الوطنية ” 

 معن صالح

من الذي يستطيع الادّعاء أن السنة جماعة دينية واحدة و متجانسة و متمايزة عن غيرها من الجماعات ؟

من الذي يستطيع الادعاء ان العلويين و المسيحيين و الدروز و غيرهم من الجماعات الدينية أنهم جماعات دينية متجانسة داخل كل جماعة ؟

هكذا ادّعاءات هي ادعاءات مجافية للعقل و للمنطق و للواقع ايضاً .

المشكلة الحقيقية تكمن في سلطة المصطلح الفضفاض الذي يفرضها علينا كوحدة متجانسة عند مستوى معين من مستويات التصنيف الاجتماعي  ( و ليس الديني ) و هو المستوى الظاهري او السطحي للتصنيف .

لماذا هو تصنيف اجتماعي و ليس ديني ؟

بكثير من التكثيف لأنه لا يعبر عن حقيقة الانتماء الديني للأفراد داخل الجماعة ، فبإمكانك أن تجد ملحداً و يتم وصفه أنه سني او علوي او درزي . و قس على ذلك .

و لنكون واقعيين لا يبدو أنه من السهل مواجهة و تجاوز هذا المستوى التصنيفي السطحي و كسره أو اختراقه للدخول الى المستوى الجوهري الحقيقي طالما أنه تصنيف يورّث عبر الأجيال . و لنكون واقعيين أكثر لا يبدو أن تجاهله يمثل حلاً لهذه المسألة أو الإشكالية أيضاً .

البعض سيقول بعجالة أن العلمانية هي الحل ، و اجيب بأن العلمانية هي الحل لإشكالية أخرى غير المطروحة هنا ، حتى بوجود العلمانية سيبقى التصنيف ساري المفعول : فلان سني و فلان مسيحي و فلان علوي الخ . ما أطرحه هنا هو اشكالية كسر و تجاوز هذا التصنيف الظاهري للتعبير عن الشخصية الفردية بشكل أكثر دقة ، و هذا يعني وجوب تراجع قيمة الصفة الجمعية الموروثة لمصلحة الهوية الفردانية الحقيقية و التي هي تمثل المجتمع .

بمعنى آخر هذا يتطلب تراجع الأهمية القيميّة للتصنيف الظاهري عند المجتمع ، و الذي يتطلب الوصول الى عتبات عالية من الوعي و التحرر من سلطة المفهوم .

إن محاولات البعض ايجاد أو تثبيت هوية فرعية انطلاقاً من الطائفة ناتج عن أحد أمرين :

اولاً – عدم القدرة على استيعاب و فهم بنية الهوية الوطنية و مقوماتها .

ثانياً – الاستثمار السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي بمفهوم الهوية الفرعية لتحقيق مصالح خاصة .

إن مفاهيم مثل : العائلة ، القبيلة ، العشيرة ، الطائفة ، الدين ، القرية ، المدينة ،  الإقليم ، هي مجرد حلقات من حلقات الهوية الوطنية ، و أي من تلك الحلقات بمفردها لا يمكنها أن تشكل هوية فرعية ، هي تنويعة ضمن نفس الهوية ، كأن تجد في أسرة واحدة أربع أخوة من نفس الأم و الأب ثلاثة منهم بيض البشرة و الرابع أسمر البشرة ، هو تنويع من نفس العائلة و من نفس الأسرة ، و اختلاف لون بشرته هو تصنيف ظاهري و سطحي لا يمتلك مقومات الهوية الفرعية ، و الطائفة لا تخرج عن هذا المنظور في المعيار الديني العام . لكن  ثقافة المجتمع تحدد قيمة الإختلاف ، ففي مجتمع يولي للون البشرة قيمة كبيرة سنجد لهذا الإختلاف بين الأشقاء دور حاسم في التصنيف و الأفضلية ، و في مجتمع طائفي و ثقافة طائفية نجده يولي لهذا الإختلاف قيمة أكبر من قيمته الحقيقية . و بهذا المعنى يصبح المسيحيون الارثوذوكس في سورية مثلاً  أصحاب هوية فرعية أيضاً ، و يمكن للحنابلة ضمن الطائفة السنية إدعاء هوية فرعية في حال توافرت الظروف و بوجود من يلعب على هذا النوع من الإختلاف و يستثمر فيه سياسياً أو غير ذلك  .

يبدأ تشكيل الهوية الفرعية من تمايزات مستمرة و غير متقطعة عبر مراحل تاريخية  في العرق واللغة و الدين و الجغرافيا كوحدة متكاملة أولاً ، لكنها و لظروف تاريخية معينة تندمج مع مجتمعات أو شعوب أخرى لتشكل هجيناً ثقافياً يمكنك النظر اليه كهوية فرعية . و هنا نكون أمام حالة تشبه الحالة الكردية . و حتى الحالة الكردية إذا نظرنا اليها عبر التاريخ نلاحظ وجود انقطاعات كانت تذوب فيها الهوية الكردية بالهوية الاسلامية عندما كانت الدولة الاسلامية تقوم على عنصر واحد و هو الإسلام .

الدولة المعاصرة تجاوزت معظم تلك التنويعات لمصلحة الدولة الوطنية كحامل اساسي لمفهوم الانتماء . و أية عودة للمفاهيم الدون وطنية هو لعب بالنار و بمستقبل هذه الدولة ، و يمكنني أن أطلق عليه ” السلفية الوطنية ” و هو ردّ على اولئك الذين يريدون العودة بنا الى مرحلة الانتداب الفرنسي و ما قبله تحت مسمى العقد الاجتماعي الغير معلن ” للآباء المؤسسين ” متناسين أن اولئك الآباء لم يكونوا متحررين من واقع الانتداب و من واقع القيم الطائفية التي فرضت سلطتها عليهم و على المجتمع السوري عموماً .

خلاصة : كل طرف ، داخلي أو خارجي ، يريد العودة بنا الى قيمٍ تجاوزتها شروط تشكيل الدولة الوطنية المعاصرة تحت عناوين اثنية او دينية او طائفية او مناطقية ، هو طرف ( إن كان خارجياً ) لا يريد لابناء سورية الخير و القوة و الوحدة لبناء دولتهم . و هو طرف ( إن كان داخلياً ) لا يختلف بشكل أو بآخر عن السلفية الوهابية أو الداعشية و غيرها من الدعوات السلفية و إن كان تحت مسمى الوطنية ، فالصفة الأجدر بهم هي ” السلفية الوطنية ” .

العالم يسير نحو الأمام و هم يعيدوننا للخلف و للسلف .

  • Social Links:

Leave a Reply