عبد الناصر تقي الدين
قد يتفاجأ المرء عندما يطرح هذا السؤال على شخص من المتحمسين للديمقراطية أو الليبرالية.. وخاصة عندما يكون الطرح جاداً فيجد أن بين الأسطر كلاماً آخر مغاير تماماً لكل الشعارات والطروحات التي يطلقها هؤلاء أنفسهم وهم يتغنون بالديمقراطية ويسبحون بحمدها ليل نهار.
ولا تستغرب أن تجدهم خائفين من تطبيق الديمقراطية أكثر مما يخاف منها من هم متهمون بمحاربة الديمقراطية أو يرفضونها فعلاً.
فاليساريون والقوميون حيث تخلوا عن فكرة الديمقراطية المركزية بعد أن فاحت رائحتها كصورة لأقسى الأنظمة الديكتاتورية القمعية وانحازوا مضطرين أو مقتنعين إلى النسق الليبرالي بتقديس الديمقراطية، نجدهم عندما يحق الحق يضعون شروطاً هي أقرب إلى التعجيزية أمام مجتمع هم يدركون قبل غيرهم أنه بعيد كل البعد عن استيفاء شروط كهذه.
فهم يخافون عن حسن أو سوء نية أن تقود الديمقراطية أحد الأحزاب الدينية مثلاً إلى سدة الحكم.. لا سيما وأنهم غير قادرين حتى الآن على التصالح مع غالبية البنى الاجتماعية وأن يقدموا أفكارهم وأدواتهم كبدائل مقبولة اجتماعياً.
الحقيقة أنا لا أنكر عليهم وضع شروط للديمقراطية وإلا فما الضمان أن تأتينا الديمقراطية بعاهات محلية كما أتت لدى الغرب بهتلر وطرانبينو.
لكن المشكلة ليست هنا..
المشكلة حين نطرح شعارات لسنا قادرين على تحديد مضمونها في العلن وعلى رؤوس الأشهاد – وعادة ما يلجأ الضعفاء والسياسيون للتقية_فلا يكفي ذلك الشرط المتذاكي الذي يحاول من خلاله اليسار والليبراليون إلغاء الأحزاب الاسلامية من الساحة السياسية عن طريق الترويج لقرارات دستورية أو فوق دستورية لمنع الأحزاب الدينية أو ما يسمى الإسلام السياسي من دخول ساحة المنافسة، فهي أي الأحزاب الدينية تعرف تماما كيف تلتف على القانون والصيغ النصية لتجد لنفسها مدخلاً إلى ماتريد.
إن مشكلتنا في عمقها لا تقف عند مصطلح الديمقراطية ، بل معظم إن لم يكن جميع المصطلحات المطروحة كبدائل سياسية وفكرية لم تأخذ حقها في التمحيص ولا تزال دلالاتها عائمة وتثير الشكوك لدى الكثير وهي مؤهلة بدرجة كبيرة لأن تكون مادة ومنطلق صراعات مستقبلية لا يعلم مدى خطورتها وخطورة ارتداداتها إلا الله.
والشيء بالشيء يذكر مازال حاضراً في ذهن الكثير منا مصطلح تحكيم الشريعة كطرح يتقبل كل الاحتمالات من أقسى العدل والحرية إلى أقصى الظلم والدكتاتورية والقمعية،وذلك كله يعود إلى قدرة رجل الدين أو المستثمر السياسي على تسخير النصوص واستثمارالركام التراثي الهائل لتوظيف هذا المصطلح حسب الطلب.
كذلك فإن ما يطرح اليوم من مصطلحات كالعلمانية والمواطنة والحرية الفردية والديمقراطية .. فهي مصطلحات عائمة إلى درجة أنك لا تستطيع أن تتوقع ماالذي سيحدث لو تم استثمارها من قبل جهة ما !!!!!
ولنأخذ مصطلح العلمانية مثلاً والتي يريد البعض أن يختزلها بمقولة فصل الدين عن الدولة مع العلم أن هذا التعريف المعلب على تواضعه لا يمكن هضمه مع مجتمع يدين بالإسلام فكيف يمكن مثلاً إقناع الناس أن أمور الزواج والطلاق والإرث وقضية المثلية الجنسية والجندر هي أمور لا علاقة للإسلام بها وأنها من اختصاص الدولة حصراً؟ أو أن التعامل بالربا هو أمر لم يتعرض له القرآن .
وبالتالي لا يمكن إلغاء هذا التناقض بين المجتمع والدولة بمجموعة نصوص قانونية أو دستورية، وإنما سيصب هذا الجهد في تكريس الفصام بين الدولة والمجتمع وبالتالي تفاني القوى والحيلولة دون قيام مجتمع متماسك مؤمن بماله وماعلية بل ستحافظ الدولة على موقعها الحالي كخصم للمجتمع ويصبح دور المواطن التحايل على الدولة والقانون إن عجز عن إسقاطه.
ثم إن العلمانية في حقيقتها هي فلسفة وتصور شمولي بما في ذلك الجانب الميتافيزيقي وهذا يفسر الطبيعة الإيديولوجية والسياسية التي يتعامل بها الغرب مع أي طرح يقترب من فكرة النشوء أو المقدسات الكبرى لدى العلمانية.
ولا ننس ان من أول من أسس للعلمانية ووضع انجيلها المقدس هو داروين الذي استبدل ميتافيزيقا الأديان التي تقول أن الإنسان خرج من الجنة لانه أنصت لصوت الشر وأنه اعطي فرصة ليعود إلى الجنة إذا استطاع اعمار الأرض ونشر السلام ،استبدلها بميتافيزيقا تعتقد ان الإنسان أصله قرد وأن البقاء للأقوى في هذه الحياة.
ثم تبعه نيتشه في أصول الأخلاق حيث ألغى صلة الأخلاق بالأديان والميتافيزيقا واستبدلها بميتافيزيقا جديدة صنعها من خياله تقول بالعود الأبدي والسوبرمان وبأن الله قد مات..وهذه العبارة الأخيرة التي ستشكل صدمة لدى كل من يسمع عن العلمانية ولم يرها..ولقد ذهب البعض إلى تأويلها بطرق غريبة كما يذهب بعض الإسلاميين إلى تأويل آية تعدد الزوجات في القرآن ليحظى بالقبول لدى مؤسسات استيراد وتصدير القيم الحضارية ، مع وقف التصدير حتى إشعار آخر لأن بضائعنا كلها ذات مدة صلاحية منتهية

Social Links: