ما بعد .. الدلف والمزراب !

ما بعد .. الدلف والمزراب !

أسد القَّصارْ

تمتاز الحافظة الثقافية السورية بامتلاكها مخزونًا ثريًا من الأمثال الشعبية الزاخرة بالصور الفنية، والحكم، والمدلولات، والقيم. لا يمكننا أن ننسب مثالاً دارجًا إلى شخص ما؛ فالأمثال إفراز ثقافي جماعي، وتراكم معرفي ولغوي.

“من تحت الدلف لتحت المزراب”

مؤخرًا، بات يحضرني هذا المثال، كلما نظرت إلى حالي وحال من حولي .

عام ٢٠١٥، كان عام النزوح الأكبر من سوريا، وقدوم الموجة الأكبر للمهاجرين إلى أوروبا عمومًا.

كان لألمانيا  نصيب الأسد من استقبال الجزء الأكبر من تلك الموجة؛ وذلك بفضل سياسة الترحيب التي سادت المجتمع وقتها، وشجعت عليها الدولة والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، والكنائس.

*الخوف ..

من الموت، الاعتقال، القصف، مستقبل الأسرة والأبناء  .

*الخوف ..

وحدَه الخوفُ، أخرجَ تلك المجاميع البشرية من تحت دلف الوطن الغريق برائحة الأشلاء المتفجرة والدماء المتخثرة، إلى مزراب هذه البلاد الجديدة صعبة المراس. المسألة لم تكن تقتصر على صعوبات، مثل: لغة معقدة القواعد والألفاظ والتعبيرات، وقوانين جديدة، وروتين قاتل، وصندوق البريد (أو كما أسميه صندوق الرعب)، وعادات وأعراف؛ وعلاقات إنسانية، وسلوكيات، ونمط حياة وغذاء، ونظام عمل. مغاير لما عرفناه واعتدناه وألفناه، كل ما سبق كان حاضرًا بوضوح في ذهن كل منا حين اتخذ قرار العبور إلى القارة العجوز .الصادم فعلاً، أننا جميعًا وجدنا أنفسنا أمام خيار أوحد، هو البدء من خلف الصفر. فكل خبراتنا الحياتية، وخبراتنا العملية، وتحصيلنا الأكاديمي، وما أنجزناه طوال سنوات حياتنا السابقة قبل المجيئ هنا؛ لا تعدو كونها نقاطًا إيجابية، ترسم فكرة لطيفة وجيدة عند القيام بالتعريف عن أنفسنا للآخرين، دون أن يكون لتلك النقاط أي وزن أو قيمة حقيقيين على الصعيد العملي أو الأكاديمي.

وبالرغم من ذلك -وفقًا للتقارير الحكومية الرسمية- نجدُ الطلابَ السوريون في الجامعات هم الأكثر بين الطلاب الأجانب، والأطباءَ السوريين يملؤون المستشفيات الألمانية؛ كما نجد أن نصفَ تعداد اللاجئين السوريين يعملون ويدفعون الضرائب، وجزء كبير منهم ملتحق ببرامج التدريب المهني (أوسبلدونغ)؛ وفقًا للسجلات الجنائية، نجد أن السوريين هم الشريحة الأقل ارتكابًا للجرائم والجنح، ونجد أيضًا أن شوارعَ مهجورة في مدن كبرى تحولت إلى مراكز تجارية تزدحم بالمتسوقين والزوار بفضل السوريين؛ حتى على صعيد الذائقة الموسيقية والفنية، أضاف السوريون زخمًا وزخرفًا أغنى -بشكل ملحوظ- الساحة الثقافية الألمانية. وعليه، فإن وافقنا –جدلاً- المثال أعلاه، وسلمنا بأننا بتنا نعيش الآن تحت المزراب؛ أستطيع أن أقول -وبكل ثقة- إننا تغلبنا (إلى حد كبير) على كل ما حمله لنا هذا المزراب من صعوبات وعثرات، لقد أثبتنا لأنفسنا وللآخرين أننا شعب مبدع، منتج، وجبار.

لكم تمنيت أن ينتهي توصيف مسيرتنا في هذه البلاد عند ما سبق؛ لتكون كخواتيم القصص التي كانت ترويها لنا جداتنا، التي تنتهي بعبارات جميلة مثل: (وعاشوا بثبات ونبات، وخلفوا صبيان وبنات)، هيهات يا تيتة! أقصد، هيهات يا شعبنا! هيهات .!

الخوف ذاته، دفعَنا للمجيء هنا رغم كل ما سبق، ما زال حاضرًا وبقوة الإحساس بـ(اللا استقرار)، والتوجس من المجهول، والإحساس بالتعلق في الهواء؛ الوسواس الذي لا يفارق أي منا حول مستقبلنا، ومستقبل أبنائنا، وبقائنا هنا في هذه البلاد من عدمه، هو خاطرٌ لا يفارق أحدنا .!

يتكرس هذا الخوف، ويصل إلى أوجه؛ ليبلغ الرعب والهلع عقب كل حادثة، أو جرم فردي (عمل إرهابي، جريمة اغتصاب، جرائم مرتبطة بالعنف الأسري أوالشرف) يقوم به حاملٌ للجنسية السورية؛ فيضخمها الإعلام، ويسحب جريرة ذنبها على كل اللاجئين، ويستغلها ويستثمرها الساسة بشكل لا أخلاقي في صناعة الخوف والكراهية، وتحويل اللاجئ إلى بعبع متوحش يهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي والجنائي في ألمانيا. حينها فقط، يرتاح هؤلاء الساسة -وبشكل نهائي- من تقديم خطط لبرامج تنموية ونهضوية وخدماتية للمواطن الألماني؛ ليقتنع بإعطائه صوتهم، وإيصالهم عبر الصندوق إلى المجالس والبرلمانات والحكومات. بات يكفي أن يجاهر أحدهم -وبكل عدوانية وجسارة- بعداوته لسياسة الانفتاح تجاه اللاجئين؛ حتى يكون ذلك بالنسبة له بمثابة ضوء أخضر يؤهله للوصول إلى مراكز صناعة القرار في ألمانيا.

ولأننا نعيش خوفًا حقيقًا تجاه كل ذلك؛ يجد المتابع تخبطًا، وترنحًا، وتفاوتًا، في ردة فعل المجموعة الواحدة (اللاجئيين السوريين): قسم يبادر بدعواتٍ لوقفاتٍ احتجاجية اعتذارًا للشارع الألماني والأهالي، عن فعل مشين ما بدر عن لاجئ سوري؛ لنقوم بنقل رسالة مفادها: إننا لسنا جميعًا مجرمين، وإن ما حدث عملٌ فردي. حسنًا، فما الداعي للاعتذار عن ذنب لم تقترفه؟ إن إنكارَ أي جرم، وإدانة كل مجرم، والتعاطف مع كل ضحية؛ أمر مطلوب إنسانيًا، وأخلاقيًا. لكن التعاطي مع فعل إجرامي فردي بهذه المازوخية؛ يخدم الإعلام المضاد للاجئين، ويكرس الصورة الشمولية التي يرسمها لهم، ولا يترك أيَّ أثر إيجابي لدى الشارع.

وقسم يواجه هذا الهلع، بطريقة غبية، تثير الاشمئزاز: هدول مو عرب، هدول أكراد (أو العكس)؛ هدول مو أهل مدن، هدول فلاحين أو شوايا؛ إحنا مسيحيين، غير هدول الإسلاميين المتوحشين؛ أصلًا نحنا هربانين منن، أنا أصلًا ملحد وما عدت أعترف بكوني سوري؛ وما دخلني فين، وأدعو الدولة لإعادتهم كلهم إلى سوريا وبس، لكن أنا خلوني!.

إذا تجاهلنا كم الحمق، والعنصرية، والتفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، وكم المرض والعته في هكذا أقوال (سوف أفرد مقالًا منفصلًا للحديث بهذا الشأن)؛ فهل يظن أولئك المتشدقون بأن تلك الحماقات ستكون منجية لهم إن فاض طوفان الكراهية ضد اللاجئين في ألمانيا؟ ليكن بمعلومكم، إنكم -وبكل اختلافاتكم وتبايناتكم- ولو وقفتم على رؤوسكم، وفقًا للنظرة والفكرة العامة؛ فأنتم كلكم: شرق أوسطيين، والجميع في وقت (الحزة واللزة) -كما نقول بلهجتنا العامية- في مقلاة واحدة !.

طوال السنوات القليلة الماضية، كنا نسمع صوتًا هنا وصوتًا هناك يتحدث عن ضرورة إنشاء جسد مؤسساتي منظم كبير؛ تتوحد تحته مجاميع السوريين، وكياناتهم الصغيرة في المدن والبلدات الألمانية؛ ليكون ذاك الجسد حائطَ صدٍ في وجه الإعلام المضاد لنا، والساسة كارهي الأجانب؛ ولربما أفرز، في مرحلة ما، ممثلين عنا في مجالس البلديات، وبرلمانات المقاطعات. وبالرغم من جدية تلك الدعوات، فقد جوبهت بالإهمال لها تارة، وبالكثير من السخرية والإسفاف الذي ينم عن قلة الدراية وقصر النظر تارةً أخرى. إن ظروفنا وأوضاعنا غير المستقرة -كمستجدين- ، وثقافة الترحيب التي كانت سائدة في ذاك الوقت؛ جعلتنا ننظر لمطلب توحيد الصوت، ورص الصفوف كمطلب رفاهي. أما اليوم،  فقد بات ذلك ضروريًا، ولا أبالغ إن وصفته بالأمر المصيري .

لربما نجحنا ذات يومٍ في الخروج من تحت الدلف، ولربما استطعنا بعد جهد جهيد أن نحول مزراب الغربة إلى بداية جديدة، لكن تسويفَ أمرِ تلبيةِ الدعوةِ للتوحد في جسد يجمع ويمثل السوريين في ألمانيا في وجه هذا الهلع والخوف الذي نعيشه عند كل حدثٍ طارئ؛ سيقودنا إلى الأسوأ، والتبعثر، والتشتت، والضعف، أكثر فأكثر؛ سيقودنا جميعًا إلى الهاوية، التي تقبع فيما بعد الدلف والمزراب!

ألمانيا – زاكسن

11/7/2020

  • Social Links:

Leave a Reply