الدكتور خالد المسالمة
الهيئة السياسية المركزية للثورة السورية تقارير حقوقية قضايا منوعات انماط واشكال الدول اعداد الدكتور خالد المسالمة عضو الهيئة السياسية المركزية
نماذج تشكل الدول
لقد مر كيان الدولة عبر مسيرة التاريخ البشري في عدة مراحل خلقت أشكال ونماذج متعددة من الدول والكيانات السياسية. فمن دولة القبليلة إلى دولة المدينة الواحدة، مروراً بدولة الإمبراطورية. وقد إستقرت البشرية عبر التطور السياسي خلال القرون الماضية و توصلت إلى ثلاثة أشكال ونماذج واضحة ومعرفة الأسس، ومتعارف حولها بين الأوساط العلمية الأكاديمية والسياسية ،والمنظمات الإقليمية والدولية إلى ثلاثة نماذج في بناء الدولة الحديثة،
وهي كالتالي
1 . نموذج الدولة البسيطة أو الدولة ذات البعد الواحد : تلك التي تخضع مؤسساتها إلى السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية الوحيدة القائمة في الدولة، وفي العادة المتواجدة في مركز الدولة وهي العاصمة. فالسلطة التنفيذية تحتكرمهمة تمثيل الشعب والدولة خارجيا ، وتحتكر مهمة الدفاع عن الدولة والشعب من الأخطار الخارجية، وتحتكر أيضاً صلاحية إدارة شؤون الدولة والشعب في كل المجالات داخلياً. وكذلك كل من السلطة التشريعية والسلطة القضائية الواحدة في الدولة تحتكران تحمل المسؤولية في شؤون الشعب والدولة، وذلك كل في مجاله.
2 . نموذج الدولة المركبة ذات البعدين : وتعرف بالدولة الإتحادية أو الدولة الفدرالية. وهي دولة نشات تاريخيا من خلال إتحاد عدة دول كانت مستقلة عن بعضها البعض، قبل الشروع بتوحيد هذه الدول في كيان سياسي ودولة واحدة. في الدولة الفدرالية تتشكل سلطات تنفيذية (الرئيس أو الملك والحكومة) وتشريعية (البرلمان الإتحادي+ ممثلي الولايات أو مجلس الشيوخ مثلاً) وسلطة قضائية مركزية تقوم في الإشراف على مؤسسات الدولة الإتحادية، كما هو الحال في الدولة ذات البعد الواحد. لكن في الدولة الإتحادية تتشكل سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية محلية، موازية للسلطات المركزية في الدولة الإتحادية، لكل ولاية أو دولة دخلت كعضو ومكون من مكونات دولة الإتحاد. لكن هذه السلطات المحلية تتخلى عن عدد من الصلاحيات، وذلك حسب الإسس والبنود المنصوص عليها في العقد المبرم بين الأطراف المشاركة في تشكيل دولة الإتحاد، الدولة الفدرالية. بالإجمال والإتفاق والمتعارف عليه تحتكر السلطات الإتحادية مهمة التمثيل الخارجي، والسياسة الخارجية، ومهمة الدفاع عن الدولة الإتحادية والشعب، وكذلك إتحتكر دارة الثروات الطبيعية والمواد الأساسية للدولة الإتحادية وللشعب، كالطاقة والمياه والتجارة الخارجية في الجوانب الإستراتيجية. وتتولى الحكومات والسلطات المحلية للدول والولايات المكونةللدولة الإتحادية مهمة إدارة الشؤون الصحية والتعليمية والثقافية والعمرانية للولاية، وذلك بالتوافق مع الحكومات والسلطات الفدرالية. هذا النموذج من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية، جمهورية ألمانيا الفدرالية، والإتحاد الفدرالي السويسري، وجمهورية الإتحاد الروسي، والإتحاد الماليزي، وغيره الكثير من الدول شكلت كيانها السياسي حسب هذا النموذج.
3 . نموذج إتحاد الدول : أي الكيان السياسي الكونفدرالي. وهذا النموذج قائم على استقلالية الدول المنضوية تحت هذا الكيان بشكل مطلق, لكن ارتأت هذه الدول المشتركة في كيان إتحاد الدول التنسيق العالي فيما بين الحكومات والمؤسسات المنبثقة عن هذه الدول، نظراً للتقارب الجغرافي أو للوحدة اللغوية أو لتنسيق المصالح الإقتصادية، أو حسب مصالح عسكرية وأمنية بعيدة المدى، أو للأسباب التي تم ذكرها جزئياً أو مجتمعة. مثال على ذلك دول الكومنويلث ودول الفرنكوفون أو الإتحاد الأوروبي. تعمل هذه الدول المتحدة على توحيد المواقف السياسية وتوحيد التعريفة الجمركية وربما قوانين الضرائب, وتعمل على توحيد القضاء، وتقارب المناهج التعليمية بين دول الإتحاد، وربما توحيد العملة والتعاملات البنكية، وإلى أخره من الجهود والمشاريع التي تتوافق حولها الحكومات والمؤسسات القومية لتلك الدول. وقد تنشئ برلمانا موحداً لدول وشعوب الإتحاد ، وأيضاً وحكومة تمثل بها كل تلك الدول المنضوية في هذا الإتحاد،كما هو الحال في نموذك اٌتحاد الأوروبي. لكن تبقى كل هذه الدول مستقلة عن بعضها البعض، وتتصرف أيضاً كدول مستقلة، وتمثل مصالح بلدانها وشعوبها أمام الدول الأخرى والمؤسسات الدولة كدول مستقلة تماماً.في الدول الحديثة هناك أيضاً نماذج إدارية وتنظيمية تتبع ويتم تطبقها في سبيل إدارة شؤون المواطنين بشكل عادل ومجدي داخل حدود الدولة. ونماذج إدارة وتنظيم شؤون المواطنين تتراوح بين نموذج الإدارة المركزية ونموذج الإدارة اللا مركزية. فالإدارة المركزية لشؤون المواطنين هو بناء وإسلوب تنظيمي وإداري شائع ومعتمد في عدد من دول العالم من أجل التعامل مع شؤون المواطنين الحيايتة والإنمائية، وتقديم الخدمات للمواطنين عبر دوائر ومؤسسان الدولة التي تدار، ويتم الإشراف عليها من قبل قيادات المؤسسات الإدارية في مركز الدولة وهي العاصمة، وذلك من خلال تنظيم مؤسسات ودوائر الدولة بكل مجال من مجالات الحياة بشكل هرمي صارم. وقد تخلت الكثير من الدول عن هذا الشكل من التنظيم، حتى أن بعض الأنظمة السياسية العسكرية و الدكتاتورية تخلت تدريجياً عن التعامل مع هذا النموذج التنظيمي لمؤسسات الدولة، لعجزه هذا النموذج عن تلبية متطلبات المواطن العصرية، وعدم جدواه وبطئ تلبية تقديم الخدمات للمواطنين وتنفيذ المشاريع المراد تنفيذها، وخاصة في الريف والمناطق البعيدة عن المركز وعن العاصمة. وكذلك إرتفاع تكلفه عمل مؤسسات الدولة وجهد المواطنين وعدم قدرة الموظفين في المركز على فهم مشاكل المواطنين لبعدهم عن البيئة و والظروف الحقيقية التي يعيشها المواطن بشكل حقيقي.
إن مبدأ اللامركزية الإدارية متبع في أغلب دول العالم، والمعروف بالشكل الأفقي لتنظيم مؤسسات الدولة الإدارية والخدمية. وقد أثبت هذا النموذج جدواه لقرب المسؤولين وموظفي الدولة الناس والقدرة على فهم المشاكل والمعيقات والظروف المحيطة في تنفيذ المشاريع التنموية والخدمية في تلك المناطق البعيدة على العاصمة والمركز. ومن خلال هذا الشكل التنظيمي لمؤسسات الدولة في في القرى والمدن والدوائر والمحافظات تمنح الفرصة لأبناء القرية والمدينة والمحافظة والولاية من إدارة شؤون قريتهم ومدينتهم ضمن الإستراتيجية العامة للدولة، وضمن الإمكانية والميزانية العامة للدولة. ويتم توزيع وتقدير أمكانية القرية أو المدينة أو المحافظة حسب وعبر التوافق مع مراكز الدولة المسؤولة في كل مجال. وبعد ذلك تترك إدارة شؤون القرية أو المدينة أو المحافظة من الناحية الإجرائية والتفيذية للافراد والمختصين الذين تم إنتخابهم من قبل أبناء القرية أو المدينة أو المحافظة، وكذلك من خلال موظفي الدولة في تلك القرى والمدن والمحافظات. ويتم تنفيذ المشاريع حسب الإمكانيات المتاحة في المنطقة المعنية، وحسب ما تراه المؤسسات والقيادات المحلية. أي إدارة شؤون تنفيذية وإدارية وخدمية للمواطنين. وليس لسلطات الإدارة المحلية أي سلطة على الدولة. والإدارة اللامركزية، لا تملك صلاحيات سياسية محلية أو على المستوى الوطني.
ملاحظة
إن كل من النموذج الفيدرالي للدول أو النموذج الكونفدرالي هما مشاريع سياسية لتوحيد المجزأ، وتوحيد الكيانات المستقلة عن بعضها البعض، في كيان سياسي ودولة واحدة. ولم يحصل في التاريخ الحديث أن تم تطبيق نموذج الدولة الفدرالية أو الدولة الكنفدرالية بدل الدولة الموحدة وذات البعد الواحد كسوريا مثلاً ، بقصد الإبقاء والمحافظة على كيان الدولة موحدا. فكل التجارب في هذا المجال أدت إلى إنفصال أجزاء من الدولة الأم، ولم يتم عبر تطبيق نموذج الفيدرالية او الكونغدرالية المحافظة على كيان الدولة المعنية بشكل موحداً. والتجارب كثيرة في هذا المجال، لقد تمزق السودان وأنفصل جنوبه عن شمالة. وأنشق إقليم شرق تيمور عن أندونيسا، وتمزق الإتحاد السوفييتي. وتمزقت يوغسلافيا ووكذلك جمهورية تشيكوسلوفاكيا.
يتم في بعض الأوساط السورية تداول تعبير “اللامركزية السياسية”. وهذا التعبير ليس له وجود في الأوساط العلمية والسياسية العالمية. بل هو أحد إختراعات العقل السوري الموارب، واسلوب من أساليب التذاكي من بعض الفئات السورية التي تحاول تمرير النظام الفديرالي على الواقع السوري. فعندما وجدت هذه الفئات من النخب والسياسيين السوريين، وخاصة من بعض السياسيين الأكراد السوريين المتحمسين لفكرة الإنفصال عن سوريا، وأدركت بأنه ليس من السهل تمرير مشروع الفدرالية وفرضه على الشعب السوري، أخذت بخلط المفاهيم بقصد ومتعمد والإبتعاد عن لفض التعابير المدانة والمرفوضة من قبل الشعب السوري، كالفدرالية والكونفدرالية المشؤومة، وأخذت بأستبدلها بتعبير “اللامركزية السياسية” الغامض وغير المعرف، والذي يعني بأسوأ حالاته تشكيل سوريا على أساس ومبدأ إتحاد الدول المستقلة، أي الكونفدرالية.
هناك فرق شاسع بين اللامركزية الإدارية المقبولة وبل المحبذ تطبيقها في الدولة السورية الحديثة، والتي تعني إدارة شؤون الناس اليومية عبر مؤسسات الدولة من خلال مسؤولين وموظفين محليين، وبين تعبير “اللامركزية السياسية” الهجين والمرفوض، والذي يقصد منه تشكيل كيانات سياسية بسلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية بمؤسسات مستقلة عن بقية مؤسسات الدولة. وهي التي تقترب من مفهوم وإسس نموذج إتحاد الدول المستقلة، أي الكونفدرالية والانفصال عن الكيان السياسي الام.

Social Links: