غزوان البلح – الرافد :
إنهم يحرقون ذاكرتنا, وكل ما ننتظر العودة من أجله, يحرقون قلوبنا على كل ما أحببناه , فلذات أكباد وأرواح وأجساد وبيوت ومدارس ومعابد وأشجار وحقول وأثاث, حقد أعمى لا يردعه ضمير ولا إنسانية ولا أخلاق, حقد ظلامي مجرم يبيحون لأنفسهم به ممارسة كل أفعال الدناءة دون أدنى مراعاة لأي شيء.
يحاولون أن يحرقوا تاريخ دمشق, الذي يقض مضاجعهم, منذ ألف و مئات السنين, فلا يتوانون عن أي فعل حقير, يعبر عن كرههم ,صغير أو كبير بالسر أو بالعلن ينالون به بنظرهم من دمشق و تاريخها و أهلها.
إذا ما تحدثنا عن جريمة الحريق فحسب, فحريق سوق البزورية ليس الأول من نوعه في أسواق دمشق القديمة, ففي 24 نيسان (إبريل)2016/ قامت الميليشيات الإيرانية المتواجدة في دمشق بإشعال حريق كبير في سوق العصرونية, كانت حصيلته احتراق 70محلاً تجارياً بكل ما تحويهم تلك المحال, و كذلك الأمر في 2 كانون الأول (ديسمبر) في العام نفسه أشعلت الميليشيات الإرهابية الإيرانية مجدداً , حريقاً في سوق الحميدية الشهير و هو أهم الأسواق في دمشق و أعرقها, و كان مخطط للحريق أن يلتهم السوق بالكامل, لكن تدارك الأهالي للموقف في الوقت المناسب, جعل الضرر يقتصر على احتراق 13 محلاً تجارياً بما فيها, ولم تقتصر تلك الحرائق على أسواق دمشق فحسب, بل مورست الجريمة نفسها في عدة محافظات , لتقوم أيادي الغدر نفسها أو الرديفة لها, بإطعام الحريق محاصيل الأراضي الزراعية, كما حدث في: حماه وادلب والسويداء ودرعا والشمال الشرقي لسوريا.
ويقع سوق البزورية بالقرب من الجامع الأموي ويمتد بين قصر العظم وسوق الصاغة القديم، إلى سوق مدحت باشا, ويعود تاريخه إلى ما قبل العهد الأيوبي وكان يعرف حينها بسوق القمح, وهو سوق متخصص بتجارة العطورات والنباتات العطرية المجففة (الزهورات الشامية) والتوابل والبهارات والبذوريات والزيوت وماء الورد وحلويات الأفراح والأعشاب والنباتات الطبية, ولهذا السوق مكانة كبيرة في قلوب الدمشقيين, والكثير من أبناء سوريا, و له ما يميزه من حيث العراقة و الأحداث الوطنية, ففيه تم افتتاح أول صيدلية في سوريا, وفيه كان يعمل الشهيد حسن الخراط كحارس له قبل التحاقه بالثورة السورية, ومنه هرب الجنرال سراي المفوض السامي بملابس امرأة, بعد أن حوصر في قصر العظم, وذكر سوق البزورية الكثير من الشعراء و الأدباء و على رأسهم الشاعر الدمشقي نزار قباني.
على الرغم من أن النظام السوري هو المسؤول عن ما حصل وما يحصل في سوريا من جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات لحقوق الإنسان و تدمير للبنى التحتية, إلا أنه لا يمكننا التقليل من الدور الإيراني الراعي لهذه الممارسات ولا إغفال أحقادهم وأطماعهم وطائفيتهم وأهدافهم, وهذا ظاهر للعيان فالسياسة الإيرانية في سوريا و الدول المجاورة لها, لا تعتمد على إخفاء ما تريده, على العكس فهي تقوم باستعراض كل ما ذكر عن طريق شيوخها وأتباعها جهاراً نهاراً, منذ دخول إيران إلى سوريا ورسالتها الطائفية واضحة جداً, و تحاول تنفيذها بشتى السبل, وتستخدم في سبيل ذلك أشنع الوسائل و الطرق, وأخطرها عملية التغيير الديموغرافي الذي نجحت مؤقتا في عدة مدن سورية, وفرض تواجدها المقيت في كل أنحاء سوريا, وخاصة في المدن الكبيرة, و ما تلك الحرائق التي تقوم بها في دمشق إلا نتيجة فشلها في السيطرة الكاملة عليها وعلى المناطق الحيوية فيها, فبعد تحويل دمشق القديمة إلى مكان لممارسة طقوسهم الدينية ومحاولتهم تغيير معالمها ونشر التشيّع فيها بالقوة والمضايقات الطائفية لأبنائها, كان المخطط له أن يخرج أهل الدار من دارهم, بعد شراء منازلهم وأرزاقهم بأبخس الأثمان, وحدث ذلك للمرة الأولى في العصرونية وعرضوا على التجار شراء المحال التجارية في السوق وبعد رفض التجار للبيع, وانتظارهم عقابهم على ذلك في ظل دولة خبز المواطنين فيها الخوف, لم يخيب الماس الكهربائي توقعاتهم, فكان عقابهم إحراق السوق, وتكرر بعد ذلك في الحميدية واليوم في البزورية, دون أن يخبرونا هذه المرة إن كان طريق القدس يمر من البزورية.
إن هذه الجريمة على فداحتها تعد جريمة مخففة إذا ما أردنا مقارنتها بالجرائم التي حلت بالبلاد والعباد منذ بداية الثورة السورية, لكنها بالنهاية تثقل سجل الجرائم الذي يرزح تحته هذا النظام المتوحش وحلفاءه, و تؤكد أن الهدف تغيير معالم المدينة وطمس حضارتها, فإما البيع أو الماس الكهربائي, وإما الرضوخ أو الحرق, وما صدقوا إلا بهذا: الأسد أو نحرق البلد.

Social Links: