صفوان موشلي
استعاد متحف أيا صوفيا في 10 تموز من عام 2020، الاسم الذي تقلده على يد محمد خان فاتح القسطنطينية ، وهو السلطان الذي حول القسطنطينية الى الآستانة ومن ثم الى استانبول كما حول كاتدرائية أيا صوفيا مسجدا في عام 1453 ميلادية ، وبقي مسجدا حتى عام 1918 م أي في عهد السلطان محمد السادس ، الذي خسر الحرب عندما دخلت البحرية البريطانية والفرنسية والإيطالية إلى القرن الذهبي وسط استانبول، لتعلن هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب التي خاضتها مع المحور ضد الحلفاء، الذين جعلوا الآستانة قاعدة للاستيلاء على ما تبقى من السلطنة، بعد إنزال قواتهم البحرية على قسمها الأوربي، وأكملوا سيطرتهم على موانئ البحر الأسود جميعها، واقتسموا الأراضي التي ستعرف لاحقاً بالجمهورية التركية، حيث أنزلت القوات الفرنسية في أضنة والبريطانية على مقربة من المضائق، إلا أن جيوش السلطنة على البر الآسيوي تم تجميعها وإعادة هيكلتها على عجل وخاضت حرباً ضد الحلفاء، بقيادة الجنرال مصطفى كمال باشا الذي لقب بأبو الترك بعد انتصاره في جل معاركه على الحلفاء فقام بطرد القوات الفرنسية من البر الآسيوي، وحطم جل قطع الأسطول البريطاني في بحر مرمرة، لقد كانت النتيجة انهيار السلطنة العثمانية، وبزوغ الدولة التركية الحديثة على أنقاضها، خسر الحلفاء معاركهم أمام اتاتورك لكنهم كانوا قد انتصروا على السلطنة عندما دخلوا عاصمتها وأسروا سلطانها، فكان لهم أن يزيلوا علامة السلطنة من على آيا صوفيا، وقد نالوه عام 1923، إذ أمر أتاتورك بتحويل المسجد إلى متحف، بعد التوقيع على اتفاقية لوزان التي شرعنت الدولة التركية في النظام العالمي الجديد كدولة “ويست فالية ” ، وقد بقي هذا المسجد متحفاً حتى اليوم في 24 تموز حيث رفع الأذان من مآذنه، وأقيمت فيه أول صلاة جمعة بعد إغلاق استمر 86 عام.
خطب مدير الشؤون الدينية السيد على قرباش خطبة الجمعة من على منبر جامع آيا صوفيا بعد أن نصب عليه علم جيش الفتح وعلم السلطنة، وصعد المنبر شاهراً سيف السلطان محمد خان، وكأنه أراد أن يستعيد يوم الفتح ويعيد تحينه، وقد انضم الرئيس أردوغان إلى جوقة المسجد، وشارك بقراءة القرآن، كما هي العادة قبل ارتقاء الخطيب منبر الجمعة، لم تتضمن الخطبة أي اشارة لما تعنيه هذه الخطوة من معان، اجتماعية أو سياسية، فقد بقي ذلك مضمراً، واكتفى علي قرباش بتمجيد الفاتح الأول، والدعاء له، وذكر أن الفتح الثاني لا يقل أهمية عن الفتح الأول، وحمد الله على إعادة الصلاة لهذا الجامع الموقوف منذ الفاتح الأول، للعبادة والصلاة.
ولأن سجالا طويلا مازالت تتناقله وسائط التواصل، اختلف فيه المتساجلون في تأييد الخطوة أو استنكارها، كما اختلفوا في مدلولاتها، على الصعيد الاجتماع الديني أو المرامي السياسية، كما اختلفوا في أهمية التوقيت ورسائله، الأمر الذي شجعني على التنبيه لجانب لم أجد من أشار اليه.
ماذا تعني هذه الخطوة لمستقبل العلمانية في تركيا؟ هل سوف توطد العلمنة بصفتها حداثة مجتمعية، أم أنها تمثل ارتداداً عن العلمنة التي جعلها اتاتورك في صلب دستور تركيا الحديثة ؟.
لقد بدأت علمنة تركيا الحديثة مع أتاتورك، مؤسس الجمهورية الأولى، وهي عملية قادتها النخبة القومية التي تشكلت حول تركيا الفتاة من مدنيين وعسكريين على السواء. ومنذ اليوم الأول ورغم عراقة النخب الداعمة لتيار العلمنة، اذ ضمت العديد من كبار الجنرالات والنواب والسياسيين وكبار البيروقراط الإداري، إلا أن هذه الخطوة لم تكن سلسة، فمنذ اليوم الاول لوضع مبادئ العلمنة قيد التطبيق، واجهت اعتراضات واحتجاجات واسعة، فالعديد من النخب العسكرية والسياسية المناهضة للعلمنة، اعتبرت أن هذه العلمنة شرط من عدة شروط أملاها التحالف على أتاتورك كملحق لاتفاقية لوزان وهي شروط مرفوضة لأن الجيش التركي لم يعد مهزوماً بعد حروب الاستقلال، ولأن الحلفاء انهزموا، أو لم يتمكنوا من احتلال تركيا، فليس لهم الحق في فرض تصورهم عن نظام الحكم الجديد.
لقد اعترض على العلمنة المتدينون مؤيدي استمرار نظام الخلافة من جهة، والأعراق غير التركية كالأكراد واللاز والعرب والسريان والأرمن الذين يعيشون على الجغرافيا التي أصبحت تركيا الحديثة. كل أولائك أعلنوا مناهضتهم للدولة الحديثة وبالتالي للعلمنة، وخاضوا الحروب مع أنقرة بعد أن انتصرت على الحلفاء في حرب الاستقلال، كانت حروب العلمنة دامية ووحشية، دمرت على إثرها العديد من المدن والقرى، وقد خاضها أتاتورك بمباركة الغرب الليبرالي الذي أيد حروب اتاتورك ضد الرجعية، وبدأت الصحف البريطانية والفرنسية تمتدح فارس العلمانية الذي لم يهزم، والذي لن يلين أمام البنى التقليدية.
لم ينظر في الغرب الليبرالي إلى الدماء التي سالت في حروب العلمنة على أنها انتهاك لحقوق الإنسان أو أنها عنف غير مبرر، مما جعل اتاتورك وخليفته عصمت اينينو مطلقي الأيدي في التعامل مع إرث السلطنة العثمانية، وجد أتاتورك نفسه منتصرا على المتدينين وغير الاتراك، فسحب اعترافه من أي اثنية أو أقلية غير تركية، فالجميع أتراك وعلى الرافضين أن يشربوا بحيرة فان، كما أبعد الدين عن المجال العام، واعتبره مداناً، وأصبح كل متدين مصدر ريبة، وتم تجفيف منابع الشرور الدينية فأغلقت العديد من المساجد ومنع الأذان بالعربية ،ولوحق حفاظ القرآن حتى آخر قرية، وأبعدها عن المركز وأصبح تتبع المتدينين مهمة ثابتة للجندرمة التركية.
لقد دخل المجتمع التركي استقطابا لم تزده الأيام إلا تصاعداً، وللتدليل على حجم الاحتقان الذي ازداد ولم ينقص مع الوقت، نستطيع مراجعة أول انتخابات حرة سمح بها حزب أتاتورك الذي كان حزباً حاكماً وحيداً، وقد تم ذلك بضغط غربي، ليتثنى للغرب الليبرالي ضم تركيا الأكثر استراتيجية لحلف الناتو، لقد فاز الحزب الديمقراطي بأول انتخابات حرة، بـ397 مقعداً من مجموع 487 مقعداً في البرلمان، وهي انتخابات خاضها الحزب الديمقراطي الوليد تحت شعارين رئيسين، وهما رفع الأذان بالعربية والسماح بالسفر لتأدية مناسك الحج. كان انتصاراً كاسحاً تولى على إثره عدنان مندرس منصب رئيس الوزراء، وانتخب البرلمان الجديد جلال بيار رئيساً للجمهورية. وربحت الولايات المتحدة دولة ديمقراطية ادخلتها حلف الناتو.
لقد كان أول تعديل على العلمانية الاقصائية كما فهما وطبقها مؤسس الجمهورية الأولى اتاتورك، ففي الجمهورية الثانية، تعايشت العلمانية مع مساجد مفتوحة ومعاهد تعليم ديني باشرت بتحفيظ القرآن وإعداد الخطباء للمساجد التي أعيد فتحها.
ثقلت هذه الهزيمة على عصمت اينينو واعتبرها مهددة لمستقبل العلمانية بتركيا، فدبر الحزب المهزوم انقلاباً مع الجيش الوفي للعلمنة، فأطاح بالحكومة المنتخبة، وحكم القضاء العسكري على الرئيس جلال بيار بالإعدام، ففي حين نفذ حكم الإعدام برئيس الوزراء عدنان مندرس، لكنها لم تستطع أن تعيد التعديلات التي أدخلت على المجال العام الذي تسرب إليه الدين بقوة، واكتفت بتقسيم المجال العام إلى مجالين، أحدهما خاص بالنخب المعلمنة مع كامل النخب العسكرية، والآخر يضم باقي الشعب.
لقد حرصت الجمهورية الثانية على أن لا تتسرب قيم المجال الثاني إلى الأول، حتى على مستوى الاتكيت والزي، فلا يستطيع مواطن من الحقل الثاني ارتياد المجال الأول ممثلاً بالإدارة المدنية أو العسكرية، إلا بعد ارتداء الكرافيتة والبدلة الرسمية، كما لا يحق لموظف من الدرجة الأولى أن يدخل المسجد للصلاة، ولا حتى صلاة الجمعة أو العيد، وينطبق هذا على جميع العسكرين وموظفي الفئة الأولى من الإدارة المدنية، وقد استمر هذا الفصل الصارم حتى سقوط الجمهورية الثانية بانقلاب عسكري قاده كنعان ايفرن، إثر احتقان اقتتل فيه اليسار واليمين في الساحات العامة، دعى العسكريون لانتخابات عامة لانتخاب برلمان وتشكيل حكومة جديدة بضمان الجيش الذي رشح قائد الانقلاب ليكون رئيساً للجمهورية، طرح رئيس الوزراء المنتخب توركوت أوزال باكيتين اقتصادي وأخر ديمقراطي، لتوسيع الحريات وإطلاق اقتصاد السوق عوضاً عن رأسمالية الدولة، كان للقوانين الجديدة فعل السحر فقد تحركت عجلة الاقتصاد أخيراً وأصبحت مظاهر الحداثة واضحة لا يخطؤها خبير، إلا أن جدلاً كبيراً أثارته الحريات الجديدة، تركز حول السؤال التالي أيهما أهم العلمنة أم الحريات؟ وذلك لأن الحريات التي سمحت لصحف وتلفزيونات غير حكومية أن تنطلق، تجاوزت الفصل القديم بين شطري المجال العام، فقد سمح التلفزيون الخاص لنفسه أن يبث متى شاء الرقص الشرقي الذي أقصته العلمانية لأنه يحيل إلى تاريخ شرقي لتركيا المتجهة غرباً. فقد كان التلفزيون الحكومي يكتفي بنصف ساعة من الرقص الشرقي في عيد الفطر وساعة في عيد الأضحى لا أكثر، وعندما انتخب توركوت أوزال رئيساً للجمهورية اعترافاً بفضله على الأمة التركية بنقلها إلى اقتصاد السوق، قام بما لا يخطر على بال عصمت اينينو، لقد ذهب إلى المسجد الجامع وحضر صلاة العيد وخطبته، ووقف أمام الصحافة يبارك للمواطنين عيدهم، ومن ثم أصبح معتاداً أن تنقل الصحافة صوره وهو يصلي الجمعة, ويزور أضرحة الأولياء.
دون أن يعلن عن ذلك أصبح توركت أوزال رئيسا للجمهورية الثالثة، خاصة بعد أن دعا لمؤتمر صحفي في الحديقة العامة حضرته زوجته سمرا كي يقبلها أمام الصحفيين، وليعرض على التلفزيون الوطني بدء التطبيق الفعلي لقانون حرية الضمير الذي صادق عليه البرلمان أثناء حكومة تانسون شيلر.
لقد نال الأتراك لأول مرة ديمقراطية مؤيدة بحرية الضمير، مما سمح لأول رئيس منتخب من حزب العدالة السيد عبد الله كول أن يحضر زوجته المحجبة لتشهد استعراض عسكري، وتنال تحية واحترام كبار جنرالات الجيش المؤتمن على العلمانية.
وهاهو ذا أردوغان اليوم يرأس فريق التلاوة قبيل صلاة الجمعة في مسجد أيا صوفيا، ليقول ما لم يقله علي قرباش، لقد كانت الرسالة واضحة ، لم نعد نناهض العلمانية، بعد أن بيئناها وأصبح لدينا نموذجنا الخاص من العلمنة، فالتسامح والتعايش أصبح ممكناً بعد أن اطمأنت الثقافة الوطنية إلى مكانتها الاجتماعية. هل هذا اعلان إلى إعادة اللحمة للمجال العام الذي تمزق منذ الخمسينات، أم هو إعلان عن استقطاب قد يدفع إلى ردود فعل ربما تطفوا على سطح الحياة السياسية ؟ سيجيب أول استحقاق انتخابي عن هذا التساؤل، فلن يحتج مناهضي القرار من النخب الأكثر كلاسيكية في انتمائها للعلمنة على هذا القرار اليوم، لأن قرار التحويل هذا يحمل في طياته رسالة إلى الحلفاء مفادها أن تركيا اليوم لن تلتزم بإملاءات معاهدة لوزان بعد الآن وهي قادرة على الدفاع عن قرارها، فهل هي حقاً (تركيا) قادرة على تحمل تبعات ذلك؟.

Social Links: