د. أحمد برقاوي
نهض ثلاثة في عصر أوربا الحديث في تأسيس مفهوم العقد الإجتماعي وهم توماس هوبز و جان جاك روسو و جون لوك.
كان السؤال الذي انطلق منه هؤلاء هو: ماهي حاجة المجتمع الى السلطة؟
لقد انطلق هوبز من ان الأنسان شرير، ذئب، وان هذه الحالة الذئبية تجعل البشر في صراع دائم، حيث الكل ضد الكل، والكل يعتدي على الكل .ولأن الأمر على هذا النحو فلا بد من قيام سلطة فوق الجميع، تتمتع بقوة ردع للشر الإنساني وتكون مطلقة القوة والسيطرة والحق في إصدار القوانين وتنفيذها، فالحالة الطبيعية للبشر، بوصفها حالة ذئبية، دفعت المجتمع للتعاقد على وجود سلطة حاكم، لا يكون طرفا في الصراع الطبيعي، وبالتالي تكون سلطة الحاكم قادرة على لجم الاعتداء، وقد فضل هوبز السلطة المطلقة نتيجة اعتقاده انها وحدها التي تفرض القانون وتنفذه.
وقد تكون الحرب الأهلية التي قامت في إنكلترا عام 1640 هي التي وقفت وراء وجهة نظره هذه وتفضيله للسلطة المطلقة . :
أما جون لوك فقد رأى أن الإنسان بطبيعته خير وليس شريراً ، وإن الملكية هي من الحقوق الطبيعية الخيرة ، والحريّة هي الأخرى ماهوية إنسانية ، فضلاً عن إن الإنسان يمتلك حق الحياة ، ولكن هذه الحقوق لا يمكن الحفاظ عليها دون عقد اجتماعي يقوم بين النا وفي انتاج سلطتهم ، وليس في قيام السلطة المطلقة كما هو الحال عند مواطنه هوبز ، بل سلطة تكون ثمرة ثقة الناس بها ، وهكذا ينتقل المجتمع من مجتمع طبيعي الى مجتمع مدني تحافظ فيه السلطة على حق الحياة والملكية والحريّة
فيما رأى الفرنسي جان جاك روسو ، إن الإنسان لا هو بالخير ولا هو بالشرير ، بل إن الملكية هي أصل الشر ، والبشر لا يستطيعون العيش الا في مجتمع ، هذا المجتمع يحتاج الى سلطة تحافظ على حقوقه ولكن عن طريق الإرادة الجمعية ، فإرادة الجماعة هي التي تختار ، عبر العقد الإجتماعي ، سلطتها اختياراً حراً ، وبالتالي فإن الإنسان عبر هذه الإرادة يتخلى عن حريته الطبيعة لقاء حصوله على حريته المدنية .
والحق إن الديمقراطية الراهنة ليست الا شكلاً متطوراً لفكرة العقد الإجتماعي الروسوية في القرن الثامن عشر ، حيث يختار البشر سلطتهم بوصفهم مواطنين أحرار .
غير إن مفهوم العقد الوطني مفهوم جديد لم يأتِ على ذكره أحد من فلاسفة السياسة الأوربيين ، وصار متداولاً في عالمنا العربي بعد انتفاضات الربيع العربي وثوراته .
فلقد نشأت الدول العربية بعد زوال الدولة العثمانية و نشوء ظاهرة الإستعمار التقليدي تأسيساً على عدة عوامل خارجية وداخلية ، بل إن أكثرها قد خضع لضرورات إستعمارية ، فبلاد الشام والعراق مثلاً رُسمت حدود دوله كيفما اتفق الإستعمارين الفرنسي والبريطاني ، فلا أحد من أهل شرق الأردن التابعين تاريخاً لجنوب سوريا اختار حدود دولته ، وقس على ذلك سوريا ولبنان والعراق و فلسطين ، ودوّل المغرب العربي الخ …. ونشأت السلطة في هذه البلدان بفعل قوى داخلية تقليدية أو قوى معترف بها إجتماعياً ، فأولاد الشريف حسين صاروا ملوكاً على كل من سوريا والعراق و الأردن ، واستمرت الإمامة في اليمن والملكية آلت أسسها السنوسي في ليبيا و دولة محمد علي باشا في مصر وهكذا . ولقد بدا أن التاريخ سيأخذ مجراه في تأكيد واقع السلطة في هذه البلدان وحدودها أمراً طبيعياً يخضع لحركة التاريخ الطبيعية .
غير أن ظاهرة خطيرة قد حصلت في كثير من البلدان العربية قامت بتحطيم السلطة التقليدية وشبه الجديدة والجديدة ألا وهي الإنقلابات التي قادها العسكر . فلقد دشن انقلاب الضباط الأحرار في مصر افتتاح الإنقلابات العسكرية المتوالية في سوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا والجزائر ، كما جرت محاولات انقلابات فاشلة في المغرب والأردن . ولقد أنتجت هذه الإنقلابات سلطة الغلبة عن طريق القوة العسكرية الأمنية ، فتحطم العقد الوطني التقليدي الذي كان سائدا قبل ذلك ، ونشأت الدكتاتوريات المستندة على عصبيات ضيقة ومظاهر شكلية زائفة من أدوات الحكم .
هذه الظاهرة أنتجت التناقض بين المجتمع والسلطة وقضى على مفهوم الدولة وعلى السلطة كشكل من أشكال العقد الإجتماعي المرتبط بشروطه التاريخية ، ولم يعد هناك ما يخلق حالة الولاء والطاعة والإنتماء بل خلقت حالة الغلبة العسكرية الأمنية حالة الخوف والهلع والإقرار الظاهري بقبول واقع الحال ، لم يعد هناك عقد وطني ينتج وطناً .
وبعد ضعف دولة الغلبة العسكرية والإنفجار المروع ظهرت كل التناقضات وصراع التناقضات ، أجل لقد انفجر المستنقع في هذه البلدان فأخرج ما في داخله من العنف .
ومحاولة من الفكر السياسي لإعادة التاريخ إلى مجراه الطبيعي الذي حرفته القوة العسكرية – الأمنية تطرح الآن فكرة العقد الوطني التي بدورها ستنتج العقد الإجتماعي .
العقد الوطني هو اتفاق سكان الدولة على العيش المشترك في دولة تمثل جميع الناس وسلطة ينتجها المجتمع – الناس .
لقد حطم علي عبدالله صالح العقد الوطني في اليمن وأسس دولة يحميها الحرس الجمهوري المؤسس على ولاءات ضيقة ، وكانت انتفاضة اليمن ضده لتشكيل عقد وطني في بلد فيه من الإختلاف ما فيه وتأسيس عقد اجتماعي جديد للسلطة . لكن الحوثيين أرادوا إعاد انتاج حكم على عبدالله صالح ولكن هذه المرة يكونون هم الحكام دون أي عقد إجتماعي . في وقت لا يمكن لليمن أن يتجاوز محنته الا بعقد وطني يتم بين ممثلي جميع القوى الإجتماعية والسياسية والقبلية الخ والتي ستنتج بدورها سلطة العقد الإجتماعي ، أي سلطة الدولة .
وقس على ذلك سوريا حيث حطم حافظ الأسد العقد الوطني السوري الذي أسس سوريا عبر دكتاتورية عسكرية وعصبية متخلفة ، فحطم النسيج الوطني السوري الذي نرى نتائجه الآن ، ولا حل الا بعقد وطني سوري بين جميع فئات المجتمع السوري دون استثناء .
وفي العراق بدل أن ينتقل العراق الى دولة العقد الوطني بعد الإحتلال الأمريكي له انتقل الى سلطة طائفية ثأرية فاسدة ، فدمرت النسيج الوطني العراقي وأدخلته في حرب طائفية لا حل لها الا بعقد وطني وعقد اجتماعي . وكذا الأمر في ليبيا وسواها .
إن العقد الوطني الذي يؤسس لدولة الحق والتعايش والسلم الأهلي والذي بدوره ينتج السلطة الحاكمة ممثلة للكل المجتمعي هو الحل الوحيد لتجاوز الدمار والدماء وتجاوز أوهام القوى المنهارة في إعادة دولة الغلبة .
Social Links: