لن نتوقف عن الصراخ في وجه زمرة “قانون الطوارئ”

لن نتوقف عن الصراخ في وجه زمرة “قانون الطوارئ”

حازم الأمين – درج

انضم لبنان إلى منظومة دول قوانين الطوارئ. الطبقة السياسية التي تحكمه، والتي وقفت وراء الجريمة التي هزت عاصمته رأت أنه وسيلتها الوحيدة لمواصلة الجريمة وللإفلات من الحساب.

السلطة باشرت وثبتها على الناس اليوم بعدما انحنت لأيام قليلة لعاصفة الغضب الشعبي. قانون طوارئ يعطي سلطة مطلقة للجيش في الشارع وفي الإعلام! مجلس النواب المتشكل من القوى التي تولت نهب البلد وأهله، والقوى التي رهنته للخارج والتي تسببت بالجريمة الكبرى المتمثلة بتدمير بيروت، أصدر القرار البغيض، في وقت ينتظر فيه العالم من هذه السلطة انجاز إصلاحات وإحداث انفراجات تساعد المنكوبين على تحمل الكارثة التي حلت بهم.

الصلافة تتفوق على نفسها! قانون الطوارئ هو بمثابة تعويض الناس عن الجريمة التي ارتكبت بحقهم. وتوج رئيس مجلس النواب نبيه بري القانون الفضيحة، بتصريح اعتبر فيه أن لبنان تعرض لمؤامرة كادت تنجح عبر استقالة بعض النواب! المؤامرة هي في استقالة النواب لا في التفجير الذي دمر العاصمة. المؤامرة بحسب ركن السلطة وصاحب ثلث الحصص فيها هي بمحاولة محاسبة مجلس النواب، لا الحكومة! وكأن هذه الأخيرة سقطت على رؤوس اللبنانيين من خارج المجلس النيابي. السلطة في لحظة انفصال نادرة عن نفسها.

حسان دياب كبش الفداء الأسهل. هو المذنب، وهو من عين الموظفين الفاسدين في المرفأ، وهو من يتقاسم مع نفسه ومع وزرائه غنائم المرفأ! وهو من حاول أن ينقلب على الدولة وعلى النظام وعلى الجريمة!

قانون طوارئ يحمي السلطة من غضب الناس، ويحمي صور أركان السلطة من احتمالات العبث فيها. فالناس بلغوا من الوقاحة إلى حد سمحوا فيه لأنفسهم بنصب مجسمات لمشانق علقت عليها صور أركان السلطة. إنه باب للفتنة قال الرئيس، وهو ما خلف غضباً لدى مرشد الجمهورية. قانون طوارئ يتولى معالجة هذا الشطط وهذا الغضب. لا يحق للمنكوبين التبلي على الرؤساء الأبرياء. لا يحق لموريس شمعي تحطيم صورة رئيس الجمهورية، ولا يحق للمتظاهرين رفع صور حسن نصرالله في التظاهرة. هذا باب كبير للفتنة، وسيتولى قانون الطوارئ معالجته.

الفتنة تطل برأسها من وجوهكم يا أركان النظام وأركان الفساد وأركان الفشل. قفوا أمام المرآة، فالأخيرة لن تكذب عليكم. وجوهكم صارت فأل شؤم وفأل موت لن تتمكن مرآة من إخفائه. ها أنتم اليوم تحاولون فرض محققين وقضاة ممن أنعمتم عليهم بوظائفهم، وترفضون من جاء من خارج نعيمكم. الفضيحة أكبر من أن تدارى، لكن الوقاحة تقف بالمرصاد لأي محاولة ذهول تصيبنا. فها أنتم أجبتم على سؤال الجريمة بقانون طوارئ، وسارعتم إلى التنصل من الجريمة بعدما أحلتموها إلى حكومة الدمى التي شكلتموها. سعد الحريري ووليد جنبلاط وقفا إلى جانبكما في هذه المهمة، وهو ما يؤكد المؤكد لجهة أن السلطة تقيم خارج هياكلها المعهودة والتافهة. السلطة هي أيضاً الحريري وجنبلاط، والفساد هما أيضاً والارتهان، ومحاولات البحث عن كبش فداء، وما أسهل هذه المهمة حين يلوح وجه دمية السلطة ووجهها الشمعي.

انضم لبنان إلى منظومة دول قوانين الطوارئ. الطبقة السياسية التي تحكمه، والتي وقفت وراء الجريمة التي هزت عاصمته رأت أنه وسيلتها الوحيدة لمواصلة الجريمة وللإفلات من الحساب. لا داعي لنسأل ماذا يعني قانون الطوارئ. فلننظر إلى وجوه أهل هذا القانون. بالنسبة إلى نبيه بري الأمر لا يتعدى ما يعيشه النظام السوري الذي أنجبه منذ 50 سنة، وبالنسبة إلى سعد الحريري الآتي من الجنة السعودية ومن سجنها، فقانون الطوارئ شأن لا يتعدى أكثر من حقيقة تقييد حريات الناس، وبالنسبة إلى حسن نصرالله، القانون خطوة لا بد منها لكي يتاح للجيش أن يحكم، وأن يحكم هو من خلفه.

هيا أيها اللبنانيون المنكوبون بالجريمة، إلى العيش في ظل قانون طوارئ، والخطوة التي تليه ستكون إعلان الأحكام العرفية.

لن نتوقف عن الصراخ أيتها الزمرة المجرمة.

بينت التجربة أن تلك الأنظمة، التي مرمطت شعب فلسطين، تعاملت مع قضيتهم بطريقة استخدامية، لتعزيز شرعيتها، ومصادرة حقوق مواطنيها وحرياتهم، ولتعزيز أجهزتها الأمنية، ووضع يدها على الموارد، وأيضاً استخدمتها بطريقة مبتذلة في صراعاتها أو مزايداتها البينية، الأمر الذي جعل عبارة “فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربية”، مجرد كذبة كبيرة، أو مجالاً للتندر.

والحال، فإن مثل تلك الخطوة التطبيعية، المجانية والمرفوضة والمضرة، لن تتوقف عند الإمارات، إذ ثمة أنظمة عربية أخرى، على الطريق، وبانتظار اللحظة المناسبة، على الأرجح.

ثمة مسألتان هنا، الأولى، أن البعض سيسارع مغتبطاً إلى إطلاق صيحة: “ألم نقل لكم؟”، في التمهيد لتبرئة صفحة إيران وميليشياتها، لا سيما “حزب الله”، ولاحقاً النظام السوري، لتبرير اصطفافه الجديد، علماً أن ذلك المحور هو أكثر من خدم إسرائيل، على رغم ادعاءاته، وجعلها أكثر دولة آمنة في الشرق الأوسط، بواقع مسؤوليته عن كل هذا الخراب في العراق وسوريا ثم لبنان. وهو محور ينطلق من معادلة خاطئة ومزيفة ومخاتلة مفادها: إما مع إيران أو مع إسرائيل، كأن ذلك قدر محتوم، أو كأن ثمة جريمة تغطي على جريمة أخرى، أو مجرماً يبرئ مجرماً أخر، في حين أن لكل منهما حصته من دمنا وعمراننا وهمومنا، فإسرائيل فعلت ما فعلته بالفلسطينيين، وبغيرهم من دول الجوار في فترات معينة، في حين أن إيران (وميليشياتها) أمعنت قتلاً وتدميراً وتشريداً في العراقيين والسوريين وما زالت.

أما المسألة الثانية، فربما أن تلك المصيبة تولد نقيضها، أي أن ما حصل قد يفتح على مسار جديد يفضي إلى سحب قضية فلسطين، أي تحريرها، من متاجرات وتوظيفات وتلاعبات أنظمة الفساد والاستبداد والتوريث في العالم العربي، ما يضع تلك الأنظمة إزاء التحديات التي تواجهها، وإزاء حقوق مواطنيها، من دون التلويح بالعلم الفلسطيني، أو بادعاء أن الأولوية هي مواجهة إسرائيل. ثمة أهمية كبيرة، بخاصة في هذه الظروف، لسحب قضية فلسطين من دائرة الابتزاز والمزايدة والمتاجرة، سواء من الأنظمة المستسلمة، أو أنظمة “المقاومة” و”الممانعة” المعادية لقيم الحرية والكرامة والعدالة.

المهم ألا يحصل ذلك باسمنا ولا باسم قضيتنا ولا باسم دمائنا ولا باسم حقوقنا… ففلسطين ليست مجرد قطعة أرض، وإنما هي معنى للحرية والكرامة والعدالة أيضاً

  • Social Links:

Leave a Reply