سامر كعكرلي
تدور بين السوريين في غرف التواصل الإجتماعي حرب طاحنة ما بين مؤيدي أن تكون سورية القادمة دولة علمانية وبين من يريدها محكومة بشرع الله، وطبعاً تلك الحوارات والمحاورين، قد أسقطوا من مفهومهم بأن طاغية الشام المجرم بشار الأسد ما زال قابعاً في قصر المهاجرين، وما زال ملايين المهجريين يعيشون في الغراء تحت خيام المخيمات، وأن مئات ألوف المعتقلين ما زالت عائلاتهم تنتظر بلهفة لمجرد خير عنهم حتى لو كان خبر وفاتهم تحت التعذيب فقد ليكرموه بعزاء لائق بشهادته.
ومع ذلك وانطلاقاً من القول الشهير ((إن جُن قومك فإن عقلك لن ينفعك)) واستجابة لأحد الأصدقاء بأن لا أشخصن موضوع الرد على من يطالب بحكم بموجب شرع الله كبديل عن العلمانية بمفهوم فصل الدين عن الدولة أو عن السياسة فها أنا أدلو بدولي في تلك الحرب الطاحنة عبر هذه الأسطر.
ولكن بداية لا بد من أن أنوه لنقطتين أراهما مهمتين: الأولى أنه وكما في الإسلام متطرفين تحجرت عقولهم عند إقامة الخلافة الإسلامية والحكم بشرع الله، دون تكليف أنفسهم عناء شرح كيف سيكون ذلك، أيضاً فإن في العلمانية متطرفين لا يعرفون من العلمانية سوى شتم الأديان ورموزها وتمزيق الكتب المقدسة على صفحات التواصل الإجتماعي متباهين بأنهم يمثلون العلمانية دون أن يدرون بأن العلمانية فكر لنظام حكم حيادي تجاه كل الأديان. الثانية أننا كمؤمنين بالعلمانية نقبل عندما يقول الإسلام السياسي بأن داعش والنصرة وشيوخ الرز بالحليب المؤيدين للمجرم بشار الأسد لا يمثلون الإسلام الحقيقي، ولكن وبالمقابل فإن المتأسلمين لا يقبلون قولنا بأن بشار الأسد وأبيه، ومحمد بن زايد وكافة الحكام العرب لا يمثلون العلمانية.
وبالعودة للردود على معظم الرافضين للعلمانية والراغبين بحكم شرع الله في سورية القادمة، فإنهم وللأسف ما زالوا يلعبون على الغرائز البشرية كسلاح لهم ضد العلمانية، فتراهم لا يسوقون سوى قضايا جنسية، مثل الشذوذ الجنسي سواء السُحاق أو اللٌواط، أو التزوج من كلب أو حصان ، أو التخوف من منع تعدد الزوجات، أو يخاطبون غريزة التملك عندما يذكرون بأن العلمانية في سورية القادمة ستتلاعب بموضوع الإرث، وطبعاً يسوق هؤلاء أفكارهم تلك لأنهم لا يستطيعون مثلاً أن يقولوا بأن العلمانية لن تحقق للسوريين النهضة المنشودة، فالأمثلة على نهضة الدول العلمانية صارخة لا يمكن أن يحجبوها في ظل عالم أصبح كالقرية الصغيرة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لجهلهم وسطحية معرفهم بماهية العلمانية التي تسعى لبناء الأوطان والتي لا يعنيها كثيراً التأثير على الأعضاء الجنسية للبشر، ولا يعلمون بأن العلمانية ما هي سوى أحجار زاوية أو أساسات ليبني كل مجتمع عليها نظام الحكم الذي يتماشى مع تطوره الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والعلمانية التي ننشدها في سورية التي دمرها الطاغية لن يكون من اهتماماتها السماح بالشذوذ الجنسي ولا منع تعدد الزوجات ولا التدخل بقضايا الإرث فكل تلك الأمور الآن ليست موضع خلافات جوهرية مهمة ضمن المجتمع السوري (على الأقل في الآن وربما لغاية خمسين سنة قادمة)، بل سيكون الشغل الشاغل لها بناء وطن فيه الزراعة والصناعة والتجارة والتمويل والعلاقات بين الدول والمنظمات الدولية، وكل تلك الأمور تحتاج لخبراء يعملون بكل جد وإخلاص، ولا يخشون من شيخ الجامع أن يتربص لهم وهو على منبره ويطلق الأحكام الشرعية في كل شاردة وواردة في عمله، يعملون ويعلمون بأن لا سلطة على عملهم سوى سلطة القانون الوضعي المدني أما موضوع الدين فهذا أمر شخصي لا علاقة لأحد به فهو بين الإنسان وخالقه.
وبالطبع نريد دستوراً عصرياً ديمقراطياً علمانياً بمعنى عدم تدخل رجال الدين في السياسة حتى نمنع من يتسترون بالله بالتلاعب بغرائز البشر سواء الجنسية أو غيرها، فلا نريد لشيخ الجامع أن يروج لشخص ما في انتخابات ما لأنه فقط يخاف الله فتنتخبه الناس دون النظر لبرنامجه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وبالمقابل لا تنتخب من يكفره شيخ الجامع لأنه لا يصلي مع العلم بأنه يملك برنامجه الانتخابي الكامل.
نحن نريد العلمانية في سورية لأننا كشعب يريد بناء دولته بعد الدمار الذي حل بها لأننا لا نريد أن نخسر رجل بكفاءة فارس الخوري كأن يصبح رئيساً للجمهورية فقط لأنه مسيحياً، نريد العلمانية حتى تستطيع أي طفلة سورية التي تمثل نصف المجتمع المستقبلي لسورية أن تحلم بأن تصبح رئيسة جمهورية أو قاضية أو وزيرة، فتبذل كل جهودها وتجتهد لتطور قدراتها لتحويل حلمها لحقيقة وهذا حقها، نحن نريد العلمانية حتى لا يخسر أحد المبدعين السوريين حلمه بتحقيق فكرة ما توهجت في مخيلته بسبب تدخل رجال الدين بقضايا التمويل والإقراض، نحن نريد العلمانية حتى لا يأتينا رجل ما تسلق منبراً بأحد الجوامع في أحد زوايا قرية نائية ويتدخل في اتفاقية مع دولة ما أو منظمة ويقول هذا غير جائز لأنها دولة كافرة أموالها حرام، فينجر خلفه البسطاء وتنقلب الدنيا رأسا على عقب.
ولكن ومع ذلك فإننا لا نريد العلمانية دون اقترانها بالديمقراطية لعلمنا بأن العلمانية دون الديمقراطية أو الديمقراطية دون علمانية لا تبني أوطاناً كما ننشدها وكأمثلة على ذلك في كلا الحالتين:
تركيا أتاتورك فرضت العلمانية بقوة العسكر، وكذلك الدول الشيوعية ( دول حلف وارسو كلها إضافة لكوبا)، كلها فرضت العلمانية ولم تقرنها بالديمقراطية، لذلك فشلت في تحقيق تنمية تصبو إليها شعوبها . أيضا هناك دول اختارت الديمقراطية كوسيلة حكم فسمحت بوجود الأحزاب، والصحف الحرة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ولكن ديمقراطيتها لم تقرن بالعلمانية مثل لبنان ،العراق ( بعد صدام)، الهند، باكستان، جميعها بلدان ديمقراطية ولكنها لم تعتمد العلمانية بمعنى فصل الدين عن السياسة، فترى البطريرك الماروني في لبنان بأدق التفاصيل السياسية، وكذلك العراق عنده السيستاني والمرجعيات الدينية ، وبالهند طبقة رجال الدين سواء الهندوس أو السيخ. كل تلك الدول لم تحقق التنمية المطلوبة.
ولذلك فإننا كعلمانيين نرى بأن أي علمانية لا تقترن بالديمقراطية عندها تبدأ عجلة النمو وكمثال على ذلك تجربتي تركيا وماليزيا الذي دائماً يسوق الإسلام السياسي تجاربهم كأمثلة عن تقدم دول إسلامية وهذه حقيقة ولكن ينسى هؤلاء أو يتناسوا بأن التجربتين التركية والماليزية تحكمهما دساتير علمانية تفصل الدين عن السياسة ومن ثم اقترنت علمانيتهم بالديمقراطية فبدأت عندهم عجلة التنمية بالدورات والتقدم.
المكتب السياسي
حزب اليسار الديمقراطي السوري
Social Links: