تحديات تغطية العلوم تحت وطأة الصراع

تحديات تغطية العلوم تحت وطأة الصراع

زكي الدروبي – الرافد :

يعقد هذا العام “منتدى الصحافة العلمية” ضمن ظروف كورونا افتراضيا عبر شبكة الانترنت، وتناول المنتدى الكثير من القضايا المتعلقة بالصحافة العلمية وتبسيط العلوم ونشر الثقافة العلمية في العالم.

شاركت أمس الأربعاء ضمن أعمال المنتدى بالحديث عن ” تحديات تغطية العلوم تحت وطأة الصراع” وحاولت – بالإضافة للزملاء عادل فاخر من العراق وعادل الدغباشي من اليمن وسونيا العلي من إدلب – إلقاء الضوء على التحديات والصعوبات التي تواجهنا أثناء تغطياتنا الصحفية، وأدارت الجلسة الصحفية المصرية القديرة نهال لاشين.

لعلّ من أبرز وأهم التحديات التي تواجهنا كصحفيينَ سوريين، هي تحدي الأمن والأمان، فحين كنت أحضر نفسي لتغطية مؤتمر “صدأ القمح” الذي عقد في مقر المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة – “إيكاردا” عام 2011 لصالح شبكة سيديف نت، أطلق عناصر مخابرات تابعين للنظام السوري الرصاص على مدنيين عزل، تظاهروا مطالبين بالحرية من نظامٍ مستبد يحكمهم منذ عام 1970، وتوتر الوضع، وأضحى صوت الرصاص واضحاً، وقطعت أوصال الأحياء بالحجارة وحاويات القمامة، فخفت ألا أستطيع السفر في اليوم الثاني إلى ايكاردا، الأمر الذي اضطرني للخروج والمخاطرة بنفسي ليلاً والانتقال من منزلي لأقضي ليلتي في منزلٍ آخر قريب من محطة انطلاق الحافلات بين المحافظات، لكن في اليوم الثاني وجدت أن الطريق الدولي الواصل بين حمص وحلب حيث مقر إيكاردا)، غير سالك بسبب دبابات نظام الأسد الذي كان يهاجم مدينة تلبيسة وسط سوريا، وذلك نتيجة اشتداد المظاهرات في المدينة، وعانيت طويلاً حتى وجدت سائق سيارة أجرة وافق على خوض المغامرة، وفعلاً وصلت لمقر المؤتمر بعد معاناةٍ شاقة.

خلال تغطياتي الصحفية عموماً كنت أضطر عادة لسلك طرق إلتفافية بعيداً عن حواجز المخابرات كي لا تعتقلني بسبب تأييدي لحق شعبي في العيش ضمن نظام ديمقراطي بديل لنظام الاستبداد.

في هذه الأيام ازدادت صعوبات العمل تعقيداً، فبعد أن كنا نجد مكانا آمناً للنوم فيه، ونستطيع التحايل على حواجز أجهزة المخابرات المنتشرة في المدن وبين الأحياء، وغالباً بين شوارع الحي نفسه، لا يجد الكثير من زملائي اليوم مكاناً آمناً يبيتون فيه، فهم يخشون دوماً من قصف غادر لمدفعية قوات الأسد، أو لطيران الاحتلال الروسي، يخشون اختراق مفاجئ للجبهات من قبل المرتزقة الإيرانيين ليذبحوهم بالسكاكين، كما فعلوا ذلك منذ بداية انطلاقة الثورة السورية في الكثير من الأماكن، فحينما كنت أتحدث مع زميلي أحمد في ريف حمص الشمالي مستمعاً له لكتابة قصتي “إذا سوريا أظلمت” انقطع التواصل معه فجأة، وبعد ساعتين تقريباً عاد معتذراً بأن طيران الأسد كان يحوم في المنطقة، ويتوجب عليهم حينئذ إطفاء جميع الأجهزة الإلكترونية كي لا يستهدفهم النظام بقصفه.

من التحديات أيضًا اللوجستيات المعيقة، فـ ” إذا سوريا أظلمت”  التي كتبتها لسيديف نت، أوضحت فيها جزءاً من معاناة السوريين في سوريا، فيما يتعلق بغياب التيار الكهربائي، بسبب قصف قوات الأسد للبنية التحتية، ومحطات توليد الكهرباء التي انسحب منها مركزاً اهتمامه في العاصمة لقمع المظاهرات، وهو أحد أهم معيقات العمل الصحفي.

نعم انقطاع الكهرباء لساعات طويلة جداً يعيق العمل بشكل حقيقي، وكذلك الأمر ضعف شبكة الإنترنت بشكل كبير، والكثير من الزملاء يعيشون في خيام النزوح تحت أشجار الزيتون في العراء، خيمة لا تقيهم برد شتاء ولا حر صيف، ولا لدغة عقرب أو أفعى، وقد خسر الأهالي عدداً كبيراً من أطفالهم لهذا السبب، وهمهم اليوم هو البحث عن خيمة أفضل من الخيمة التي يعيشون بها، ومن كان محظوظاً منهم يبحث عن أبواب ونوافذ ليغلق بها فتحات أبواب ونوافذ الشقة التي يسكن بها وهي لازالت على الهيكل، وهذا تحدٍّ لوجستي كبير يمنعهم من العمل والتغطية الإخبارية بشكل جيد، سواء أكانوا في مناطق النظام أو في تلك الخيام لا توجد فيها انترنت ولا كهرباء، ولا حد أدنى من معيشة تخص طبقة الإنسان.

عموماً فالتغطية الإخبارية  هذه الأيام محفوفة بالمخاطر، فإن أَمِن الصحفي على نفسه من قصف لن يأمن من رصاصة غادرة في الصراع بين أمراء حربٍ استولوا على الأرض التي حررها ثوار سوريا من النظام المستبد بدمائهم، ولا يأمن من تغير مزاج حاجز ما تابع لأحد الفصائل ليعتقل الصحفي، لا يأمن على نفسه من الاعتقال في ظل الصراع بين أمراء الحرب وقوى الأمر الواقع فيما بينهم، فمن ينتقل من مناطق سيطرة القوات المدعومة تركيا إلى مناطق سيطرة قوات حزب بي كا كا الكردي أو لمناطق سيطرة منظمة النصرة، وكلاهما منظمات إرهابية بنظر الغالبية من شعبنا، فإنه لا يأمن على نفسه من اعتقال قد يخفيه من الوجود، ونفس الأمر في مناطق سيطرة النظام أو الفصائل العسكرية المدعومة تركيا.

قالت العرب قديماً إن المستحيلات ثلاثة: الغول والعنقاء والخل الوفي، أما اليوم، فقد يكون الحفاظ على الحيادية، والوصول إلى كل الأطراف لكتابة قصة إخبارية ما بشكل موضوعي من رابع المستحيلات بسبب الانقسامات السياسية، والذي يهدد أمننا الشخصي، لذلك نلجأ للتحايل على هذا الأمر بطرق شتى من أهمها نقل قول الشخص عن موقع إخباري ما سبق وتكلم عن هذه القضية، كي لا نتهم بالتواصل مع عدو للدولة التي نقيم بها، أو نلجأ لنستقي معلومات من المنظمات الدولية والأممية في محاولة للوصول إلى معلومات دقيقة، وكي لا نصبح طرفاً في أي نزاع، ونكتب بموضوعية.

نعم أيها السادة: فرغم كل مساوئ المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، إلا أننا نجد فيها سقفاً أعلى للحرية من سقف المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد، فحين التحدث عن آخر مستجدات كورونا، نجد أن نظام الأسد يلجأ لتقليل الأعداد الحقيقية للمصابين ويعلن أرقاماً غير دقيقة في محاولةٍ منه لإخفاء عجزه وانهيار منظومة الصحة في مناطق سيطرته، كما يعاقب من يُسرّب أية معلومة بهذا الشأن بعقوبات شديدة قد تصل للموت أثناء التعذيب في المعتقلات التابعة لأجهزته المخابراتية، وثمة تناقضٍ كبير لأعداد المصابين والمتوفّين بين ما يعلنه النظام وبين الأرقام الحقيقية المسربة.

نعم، مع كل التحديات السابقة التي ذكرتها لكم، إلا أنني أعتقد ومن خلال التجربة أنه لازال هناك أمل باستمرار الصحافة العلمية في سوريا بالحد الأدنى، فمن خلال الصراع تولد التحديات وقد استطاع السوريون تحت وطأة هذه الظروف القاسية ابتكار ما يسهل عليهم حياتهم، كالأطباق الشمسية وطاقة الرياح واستخدام مخلفات المنزل في توليد الغاز وتشغيل محركات ضخ المياه لاستخدامها في الزراعة، كلها تجارب مضيئة تعكس إرادة الإنسان وتحديه لكافة الظروف كي يخلق بيئة مناسبة لمعيشته.

ورغم أن في سوريا الحالية لم تعد أخبار العلوم تتصدر اهتمامات الناس أو الصحفيين، بل أصبحت أخبار الصراع والموت والقصف هي التي تتصدر عناوين الأخبار، ومعظم الصحف وتلفزيونات المعارضة السورية ترفض وجود قسم علمي وتتوجه بشكل أساسي لتغطية أخبار الصراع والسياسة وبرامج “التوك شو” معتبرةً أن الحديث عن العلوم رفاهية لا داعي لها أن شبكة سيديف أنتجت عدة قصص من صناعتي أو صناعة زميلتي سونيا التي تعيش في شمال سوريا حول القطاع الصحي والزراعي ومشكلات الطاقة والمياه في ظل الصراع، كما يمكن الحديث عن قضايا علمية أخرى لا علاقة لها بشكل مباشر بالصراع في سوريا، كآخر أخبار الاختراعات.

أعتقد أن على المنظمات المعنية بهذا الأمر تشجيع المؤسسات الصحفية السورية على استقطاب الكوادر التي عملت سابقاً والتي تدربت على تغطية العلوم لإنتاج أقسام للعلوم في صحفها أو مواقعها على الويب أو برامج تلفزيونية تعنى بالشأن العلمي، وتقديم المنح لها كي تشجعها على دعم هذا النوع من الصحافة.

أيضاً علينا جميعاً أيها السادة الحضور أن نرفع الصوت عالياً – لأجل الإنسانية على الأقل – للضغط على الدول صانعة القرار من أجل إيقاف المذبحة في سوريا وتطبيق قرارات مجلس الأمن الخاصة بهذا الصراع

  • Social Links:

Leave a Reply