رائد دحبور
صبيحة يوم الأحد 23 آب/ أغسطس، أُلغِيت جلسة الحكومة الإسرائيلية الأسبوعية، وهذه هي المرة الثانية التي تُلغى فيها الجلسة الأسبوعية خلال هذا الشهر، وهذا لم يحصل منذ سنوات عديدة، فمنذ أنْ أرسى بن غوريون هذا التقليد إبَّان حكومته الأولى عام 1948 حصل في مرَّات قليلة أن أُلغيت جلسات الحكومة الأسبوعيَّة؛ الأمر الذي يعكس أزمة عميقة في الائتلاف الحكومي على خلفية تباينات بخصوص إقرار الموازنة الحكومية وعلى خلفية التعيينات الجديدة المهمة المُزمع إجراؤها في أعلى هرم الجهاز القضائي مع ما يُرافق ذلك من اعتراضات على مشاركة نتنياهو في إقرار تلك التعيينات كونه مُلاحقا بثلاث لوائح اتهام قضائية، وإلى جانب الخلافات حول إقرار الموازنة بين حزبي الائتلاف الحكومي ـ الليكود وأزرق أبيض ثمَّة خلافات سياسية وشخصية عميقة بين كلٍّ من بني غانتس وزير الدِّفاع ورئيس الوزراء بالإنابة وغابي أشكنازي وزير الخارجية من جهة وبين رئيس الحكومة نتنياهو من جانبٍ آخر، حتَّى أنَّه قد برز على السطح في الآونة الأخيرة خلاف في وجهات النظر بين كلٍّ من غانتس و أشكنازي داخل حزب أزرق أبيض بما يحمل ذلك من إرهاصات لانقسامات جديدة محتملة داخل قيادة الحزب الثاني في الائتلاف الحكومي، هذا إضافة إلى أزمة الثقة بين الليكود وأحزاب اليمين مما يؤزِّم معسكر اليمين أيضاً.
لكن وبرغم كل هذه الأسباب التي تعزز الدَّلائل على هشاشة هذا الائتلاف في مواجهة أزمات سياسية ذي خلفياتٍ ومشاكل اقتصادية متفاقمة متصلة بازدياد نسب البطالة بسبب الإجراءَات المتصلة بوباء كورونا وبالارتباك الإداري وحتى القانوني المتصل بإدارة أزمة الوباء الذي اتَّحذ منحىً تصاعدياً مؤخَّراً، إضافة إلى الأزمة الائتلافية على خلفياتٍ قانونية إشكالية واجتماعية مُزمنة وحتى طائفية؛ إلَّا أنَّ هذه الهشاشة التي يُعانيها الائتلاف الحكومي لا تدفع إلى الاعتقاد وحتى المدى المتوسِّط أنَّ هذا الائتلاف سيتفكك بإرادة أطرافه أو بقرار واضح وحاسم من كلا طرفيه ما يعني الذَهاب إلى انتخابات رابعة؛ لأنَّ تلك الانتخابات وفي هذه الظروف ليست في مصلحة أيٍّ من أطراف ذلك الائتلاف المرتبكة والمتلعثمة أصلاً حيال إدارة أزماتها الدَّاخلية ـ يُذكر هنا خشية الليكود من أنَّ يحصل حزب يمينا بقيادة نفتالي بينِت على سبعة عشر مقعداً في الكنيست القادمة وفق آخر التقديرات في حال أُجريت انتخابات في الظروف الراهنة؛ مما يعني أنَّ ذلك سيكون على حساب الليكود في جانب كبير من تلك النتيجة، وحتى أنَّ الخشية من الذهاب إلى انتخابات جديدة قد دفعت بغابي أشكنازي إلى القول أنَّ ذلك قد يفع إسرائيل إلى حرب أهلية؛ وكل تلك المعطيات تدفع إلى الاعتقاد أنَّ هذا الائتلاف الحكومي هو تحالف الضَّرورة بالنسبة لأطرافه وبالنسبة لجزء من الطبقة السياسية وحتى الاقتصادية المتنفذة، وهذا ما سيدفع إلى المحافظة على بقائه لأطول فترة ممكنة في خضم ظروف سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية معقدة، لكن ذلك ربما يستدعي معجزة برغماتيَّة إن صح التعبير!.
الجدير بالذكر هنا أنَّ تاريخ الأزمات الائتلافية الحكومية يمتد في جذوره إلى الحكومات الأولى التي شكلها بن غوريون وقد كانت أولاها وأبرزها ما اتصل بقضية وزير الدفاع بنحاس لافون ورفض بن غوريون تحميل لافون مسؤوليَّة إخفاق النشاطات التي كان يقوم بها جهاز الموساد في مصر إبَّان الخمسينيَّات من القرن الماضي؛ ما تسبب في حينه بفضيحة أمنية وسياسية وعرَّض الائتلاف الحكومي اليساري والعمالي بزعامة حزبي مباي ومبام لهزَّة عنيفة؛ أدَّت تداعياتها فيما بعد إلى انفصال بن غوروين عن حزب مباي وتشكيله حزباً يسارياً آخر باسم حزب رافي.
تاريخ الأزمات الائتلافية الحكومية يمتد في جذوره إلى الحكومات الأولى التي شكلها بن غوريون وقد كانت أبرزها ما اتصل بقضية وزير الدفاع بنحاس لافون ورفض بن غوريون تحميل لافون مسؤوليَّة إخفاق النشاطات التي كان يقوم بها جهاز الموساد في مصر
وبالمناسبة، كان بن غوريون في حكومته الأولى يعقد جلسة أخرى للحكومة يوم الأربعاء من كل أسبوع ضمن مجلس لمناقشة التَّوراة وذلك بسبب تساؤلاتٍ وشكوكٍ كانت تُلِحُّ عليه بخصوص رواية أسفار العهد القديم وخصوصاً روايات سفر الخروج والتيه في سيناء ومن ثم دخول الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون؛ حتَّى أنَّه فكَّر بمراجعة تلك الأسفار وتعديل ما ورد فيها من روايات غير منطقيَّة تتعلق بسياقات الأمكنة والأزمنة والديمُغرافيا والهجرات وبما لا يقوم عليه دليل أركيولوجي واضح ـ دليل يؤكد الرواية الترواتية على أساس اللُّقى الأثرية ـ وفق وجهة نظره آنذاك، وذلك حسب ما يذكر المؤرخ يسرائيل شاحاك في كتابه تاريخ اليهود وطأة ثلاثة آلاف عام، وقد ظلَّ هذا المؤرخ لصيقاً ببن غوريون طيلة السنوات التي أعقبت الإعلان عن قيام دولة إسرائيل وذلك حتى عام 1956 تاريخ العدوان الثلاثي على مصر؛ حيث بدأ بالابتعاد عن بن غوريون ـ كما يذكر هو ـ بسبب إعلان بن غوريون في الكنيست أنَّه ذاهبٌ إلى الحرب في سيناء لاستعادة مملكتي داوود وسليمان؛ برغم معرفة شاحاك أنَّ بن غوريون كان مُلحداً في الحقيقة؛ مما دفعه إلى تغيير وجهة نظره ببن غوريون وفق ما يقول هو نفسه. هنا يجدر القول: لقد كانت الرواية التاريخية محل شك بالنسبة لبن غوروين لكنه واصل القول: ليس هناك رب لكنه وعدنا بالأرض!
وقد استمر سياق الأزمات الحكومية الإسرائيلية لأسبابٍ متنوعة وعلى خلفياتٍ متباينة، فكان على خلفياتٍ آيديولوجيَّة وسياسية وأمنية حيناً قليلاً جدَّاً ولكنه كان على خلفياتٍ اقتصادية واجتماعيَّة وطائفيَّة أحياناً أكثر بكثير؛ وهذا ما يشي به ذلك السياق منهجياً ومن حيث الجوهرأيضاً ويتضح ذلك لدى التحليل السياسي والسوسيولوجي العميق منذ حتى ما قبل الانقلاب السياسي الذي أوصل أحزاب اليمين إلى السلطة عام 1977 وذلك بعد استقرار حكم حركة العمل لعقود طويلة مضت قبل ذلك باعتبارها الطليعة التي نظمت المجتمع وأنشأت الدولة، فقد بدا في الظَّاهر أنَّ ذلك الانقلاب كان آيديوجيَّاً أو ساسيٍّ على خلفية آيديولوجية ـ وهذا كان صحيحاً من حيث العناوين والشِّعارات التي رافقته ـ ولكن الأسباب الحقيقية والجوهرية كانت أسباباً اجتماعية وطائفية واقتصادية ترتبت على السلوك النخبوي لحركة العمل واليسار واحتكارها لمؤسسات الهستدروت ولمرافق الخدمات الاجتماعية والصحية واحتكارها للدولة عموماً وإهمالها وتهميشها بل وازدرائها للطوائف الشرقية ـ السَّفرديم؛ مما جعل من تلك الطوائف خزَّاناً انتخابيَّاً يصب في صناديق الاقتراع لصالح الليكود وأحزاب اليمين.
هذا السِّياق الزمني من الأزمات الائتلافية الحكومية هو ما طبع حياة الطبقة السياسية الإسرائيلية في محطَّاتٍ عديدة، وهو من أعاد تشكيل تلك الطبقة مرَّاتٍ عديدة، وهو من أعاد وسيعيد رسم الخرائط السياسية للأحزاب التي غالباً ما ستصبح أكثر هامشية على مستوى الرُّؤى والبرامج؛ فجيل الرُّواد على ما يبدو قد ولَّى إلى غير رجعة إلَّا أن تحدث معجزة ثقافية أو سياسية. وكل ذلك السياق المستمر سيعمق أيضاً من قدرة الأحزاب الهامشية على التدخل في رسم خرائط الائتلافات الحكومية في المستقبل، التي من الصَّعب التخيُّل بأنَّها ستكون مستقرَّة بما يسمح لها بقيادة دولة وأُمَّة أصبحت على مفترق طرق حيال الاختيار بين استمرارها كأُمَّةٍ بمفهوم الأمَّة باللباس العسكري ـ أمَّة من جيشٍ مُدجَّج بالسلاح والآيديولوجيا – والذي كان سائداً حتى وقتٍ قريب. أو أمَّة لها جيش صغير وذكي ـ كما اقترح إيهود بارك منتصف التسعينيات – تبحث عن دولةِ رفاهٍ في ظلِّ تحدياتٍ مستقبلية اقتصادية وديمغرافية وأمنية على مستوى الداخل والإقليم بقيادة طبقة سياسية تغرق في تفضيل مصالحها الخاصة على ما يبدو.

Social Links: