كانت هدايا العيد براميلُ

كانت هدايا العيد براميلُ

سليمان النحيلي – زمان الوصل

 

هي أحد مواويل بردى المنثورة على الضفاف، مفرداته: ماءٌ ،وخضرةٌ، وغيمٌ طيبُ القلبِ حنون ، وعرائشُ عنب.

سمّها عروس الغوطة إن شئتَ، وأخت دمشق الصغرى، والصغير دائماً مدلل.

قلِ البيوتَ الكثيرة، والألفة كما يبوح اسمها السرياني.

وقلِ الحب، فإله الحب الروماني «إيروس» هام في بساتينها الغناء كما تروي الأسطورة، فأُقيمَ له تمثال فيها، ضمّه متحف أختها الكبرى.

زارها الشاعر البحتري رفقةَ الخليفة العباسي المتوكل، فأنشد بجمالها وطيب جوها وخصوبة أرضها:

العيشُ في ليل داريا إذا برَدا

والراحُ نمزجها بالماء من بردى

هي داريا عاصمة الماء والعنب والخضرة، التي حولتها طائرات الأسد إلى عاصمة البراميل المتفجرة.

 

* أول أوراق الدوالي

 

سجلت مدينة داريا حضوراً مبكراً في ثورة الكرامة السورية ضد نظام الأسد ، فمنذ 25 آذار/مارس عام 2011خرجت أولى مظاهراتها السلمية التي لاقتها الأجهزة الأمنية بالرصاص، فسقط العديد من الشهداء، لم يأبه أهالي داريا بذلك فما لبثت أن تجددت المظاهرات، وأخذت شكلاً منظماً ومتواتراً ولافتاً وخاصة بعد إصدار لجانها التنسيقية جريدة أسبوعية دُعيت “عنب بلدي” التي عُنيت بشؤون الثورة والتوعية لها، وكانت توزع بشكل سري خوفاً من بطش النظام الذي نشر الحواجز الأمنية في المدينة، وقطع أوصالها.

 

هتافات ثوار داريا وصلت إلى مسامع بشار الأسد في قصره الجمهوري القريب من المدينة الثائرة الأمر الذي أقض مضجعه وهز أركان حكمه، وخاصة بعد أن دخلت الثورة المرحلة العسكرية حيث وجه ثوارها ضربات موجعة للأسد الذي خسر جيشه أكثر من ستين دبابة مما حدا ببعض العسكريين لتسمية داريا بمقبرة دبابات الأسد.

 

ولاشك أيضاً أن إشراف داريا على مطار المزة العسكري، وقربها من أوتوسترتراد دمشق – درعا الدولي أكسبَ الصراع عليها بعداً استراتيجيا. الأمر الذي جعلها في وجه العاصفة.

 

*حين امتزج العنب بالدم

ذاتَ آبٍ – مضى عليه اليوم ثمانية أعوامٍ مما يعدون، وألف حزنٍ مما نعاني – كانت عرائش داريا تشي بعناقيد العنب، وبأشياء أخرى أواخر أيلول سيأتي، وقتها لم يُمهل المجرمون الأهالي ليقطفوا العنب بأيديهم، بل أثروا أن يقطفوها بالبراميل، فامتزج دم الشهداء بالعنب وزادهُ حلاوة.

 

بدأت مجزرة داريا الكبرى – كما أصبحت تُعرف – في 20 آب /أغسطس عام 2012 واستمرت ثمانية أيام، صادف خلالها عيد الفطر، وكعادة الجيوش الغازية، قام جيش الأسد الذي ادخر فنونه الحربية أمام العدو الصهيوني، ليقوم بتنفيذها في مواجهة شعبه الأعزل، فبدأ بقطع الكهرباء والاتصالات عن داريا بعد أن أغلق مداخلها ومخارجها، تلا ذلك قصف تمهيدي كثيف على المدينة بقذائف الهاون والبراميل المتفجرة بمعدل 40 برميلاً يومياً فكانت تلك هدايا العيد لأطفال داريا، بعد انتهاء القصف اقتحمت عناصر ميليشيات الأسد وحزب الله والفرقة الرابعة والحرس الجمهوري المدينة في وضح النهار، كانوا يدخلون على المدنيين في بيوتهم ويجهزون على عائلات بأكملها رمياً بالرصاص وذبحاً بالسكاكين، وبلغت وحشيتهم وحقدهم حدّ قطع رؤوس العشرات بمنشار تقطيع الأشجار الذي يعمل على البنزين فلعله تراءت لهؤلاء الحاقدين قامات رجال داريا الراسخة كأنها أشجار باسقة أعلى من أحجامهم الطحلبية.

 

كان يوم الخامس والعشرين من شهر آب أكثر أيام المجزرة دمويةً فبعد خمسة أيام من القصف غص المشفى الميداني بالجرحى، وقصد الأهالي بالمئات المساجد وأقبية المباني طلباً للأمان فكانوا هدفاً سهلاً للمجرمين الذين أعملوا فيهم الرصاص وقتلوا في مسجد “أبي سليمان الداراني” وحده سبعين شخصاً خلال دقائق قليلة، ونجا اثنا عشر آخرين، كانوا يقولون للجرحى: سنريحكم من الألم ويعاجلونهم بطلقة في الرأس.

 

بحلول اليوم الثامن للمجزرة بلغ عدد الشهداء أكثر من 700 شخصاً، تم التعرف على هويات 500 منهم فيما الباقين لم يمكن التعرف عليهم بسبب التشويه الناجم عن الحرق والقصف .

 

بعد هذه المقتلة الفظيعة نزح أكثر من 90 بالمئة من أهالي داريا.

 

وعلى عجلٍ ولإتمام الخرافة الأسدية، حضرت كاميرا تلفزيون النظام لتلتقي على الهواء مباشرة مع بعض الجرحى الذين قاموا بتوجيه الشكر للجيش العربي السوري وقائده بشار الأسد لتخليصهم من براثن الإرهاببين، لكن الذي لم تنقله الكاميرا تصفية الجرحى بعد انتهاء المقابلة معهم.

الآن وبعد ثماني سنوات على المجزرة يجلس قربي أحد الناجين منها، يُطرق ردحاً من الحزن، ثم يسرح بعيداً جهة داريا ويجهش بالموال:

(عالعين موليتين

ياعين موليا

يامين يعبّي السله

من عنب داريا).

 

وزير التربية الجديد.. طبيب بيطري في مزرعة الأسد

المدن

 

“اعتز بنفسك يا حيوان” هي عبارة يعرفها معظم السوريين، ليس لأن الضباط يكررونها في سنوات الخدمة الإلزامية عند حديثهم مع المجندين المساكين، بل أيضاً في المدارس التي كانت حتى العام 2003 تحتوي مادة التربية العسكرية. وتعود العبارة إلى الأذهان اليوم، مع سخرية السوريين من وزير التربية الجديد في حكومة النظام، دارم طباع.

 

وعادة لا تثير التغييرات الحكومية الشكلية أي اهتمام أو ردود فعل لدى السوريين، الذين باتوا معتادين على الأسماء نفسها التي إما تحافظ على مناصبها في الحقائب السيادية كالخارجية والدفاع، أو التي تتبادل المناصب مع أسماء أخرى لا أكثر. إلا أن السيرة الذاتية لوزير التربية الجديد، الحاصل على دكتوراه في الطب البيطري، كانت كافية لإثارة استياء واسع بين الموالين للنظام مع سخرية مضادة من قبل المعارضين.

 

ورغم أن المناصب الوزارية عادة لا تتعلق بالاختصاص المهني في بلد مثل سوريا، إلا أن المعارضين رأوا في طباع الرجل المناسب في المكان المناسب، لأن سوريا الأسد ليست دولة بل مزرعة في أفضل الأحوال، حيث ينظر النظام إلى مواطنيه على أنهم أغنام يتوجب عليهم الطاعة فقط، كما تتم معاملة المواطنين وكأنهم ليسوا بشراً أصلاً.

 

يأتي ذلك بعدما أصدر رئيس النظام بشار الأسد مرسوماً يقضي بتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة حسين عرنوس، وهو قرار متوقع منذ تكليفه برئاسة الحكومة في 11 حزيران/يونيو الماضي، خلفاً لعماد خميس الذي أقيل من منصبه بعد اتساع حالة التذمر من الأداء الاقتصادي والخدمي للحكومة.

 

ونشر عشرات السوريين السيرة الذاتية لطباع نقلاً عن مواقع سورية موالية، فهو حاصل على دكتوراه في الطب البيطري، تخصص أمراض ضرع الأبقار، واستلم منصب معاون وزير التربية نهاية العام 2019، بعد 5 سنوات قضاها في منصب مدير المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية. كما شغل منصب عميد كلية الطب البيطري بين العامين 2005 و2007، في جامعة حماة، وعمل أستاذاً في الصحة العامة والطب الوقائي في كلية الطب البيطري بحماة، ومارس مهنته في حمص، بين العامين 2001 و2010، وعمل مديراً لـ”مشروع حماية الحيوان في سوريا”، وكان خبيراً في مجال الأمراض المشتركة والصحة العامة في مقر “منظمة الصحة العالمية” بسوريا.

 

ورأى الموالون للنظام في تعيين الطباع كارثة، ليس لشخصه حيث توحي سيرته بأنه قادر على استلام وزارة أخرى مثل وزارة الزراعة مثلاً، بل لأنه “بعيد عن موضوع تطوير المناهج التربوية”، فيما استغرب آخرون إقالة الوزير السابق عماد العزب، المدعوم من السيدة الأولى أسماء الأسد، والذي كانت الماكينة الإعلامية للنظام تروج له طوال الشهور الماضية كشخصية وطنية، ما أسهم في رفع شعبيته بين الموالين بوصفه “بعيداً عن الفساد الحكومي”.

 

وللدلالة على ذلك، ذكر المعلقون بأن طباع كان المسؤول عن المنهاج الجديد الذي وضع وكلف “الدولة السورية” الملايين، قبل أن يتم التخلي عنه والرجوع للمنهاج القديم، بسبب الاخطاء الكبيرة والكثيرة فيه، ما يجعله بالتالي غير مؤهل على الإطلاق لاستلام مثل هذا المنصب، ما يطرح أسئلة حول آليات التعيين الوزاري في البلاد، والتي لا تخفى في الواقع على أحد، وتتعلق بالمحسوبيات وروابط الفساد، والتوازنات الطائفية، لا أكثر.

 

ومع الاستياء الشعبي الواضح، نشرت صحيفة “الوطن” شبه الرسمية، وصفحات فايسبوكية يديرها موظفون في وزارة الإعلام السورية، سيرة ذاتية مجتزأة لطباع، مع تقديمه بأنه متخصص في الصحة العامة وحاصل على شهادات من جامعات ألمانية، ما استوجب تعليقات غاضبة اتهمت تلك الأنباء بالتزوير والتضليل واستغباء السوريين.

  • Social Links:

Leave a Reply