خفايا تحقيق انفجار بيروت: سياسيون وأمنيون يتحسسون رقابهم

خفايا تحقيق انفجار بيروت: سياسيون وأمنيون يتحسسون رقابهم

المدن : 

لا يكفي توقيف 25 شخصاً في انفجار مرفأ بيروت، ليغادر اللبنانيون خوفهم من أكبر نكبة حلّت بهم، منذ إنشاء الكيان اللبناني حتى الآن.

ولا يكفي استجواب رئيس حكومة لبنان واستدعاء وزراء وسياسيين وقادة أمنيين وقضاة ومسؤولين، ليستعيد الضحايا وذووهم والجرحى والمشردون ما خسروا من أرواح وممتلكات، أو لالتئام جروحهم المفتوحة على جروح الوطن النازف.

ولا يكفي أيضاً أبناء بيروت وسكّانها، وعوداً تلقوها بطي صفحة مأساة الرابع من آب، بفتات مساعدات لا تأوي مشرداً ولا ترمم منزلاً ولا تبني تراثاً عريقاً ضارباً في جذور التاريخ، نسفه عصف الانفجار وبدل وجه المدينة الجميل.

ما يرديه اللبنانيون بعد مرور شهر كامل على نكبتهم، هو الحقيقة الكاملة وليس أقلّ من الحقيقة، وكشف المسؤولين عن نكبتهم واجتثاث رؤوس المتسببين بالكارثة مهما علا شأنهم، لا أن تقتصر الأمور على تقديم قرابين فداء على مذابح المرتكبين الكبار، وإلّا وجدوا أنفسهم مجدداً أمام لاعدالة، تؤسس لنكبة مماثلة أو ربما أكبر من أختها.

 

روايات متضاربة

منذ اللحظات الأولى للانفجار المشؤوم، بدأت الروايات المتضاربة حول الأسباب والدوافع، بعض المسؤولين سخّف المأساة إلى حدود الزعم بانفجار مستودع مفرقعات، والبعض الآخر عزاها إلى عملية تلحيم لباب العنبر رقم 12، قبل أن ترسو الرواية على انفجار 2755 طناً من “نترات الأمونيوم” وما جاورها من مواد ملتهبة وشديدة الاشتعال، وهي مواد مجهولة الأب والأم، في دولة عاجزة بكل قادتها السياسيين والأمنيين والعسكريين والإداريين على إزالتها وتجنّب كارثتها، رغم معرفتهم المسبقة بخطورتها، التي توازي خطر قنبلة نووية جاثمة في أهم مرفق حيوي.

 

إجراءات إدارية

كادت المرجعيات السياسية أن تضيّع المأساة في دهاليز المراوغة والالتفاف على الواقع، عندما شكّل الاجتماع الطارئ لمجلس الأعلى للدفاع، لجنة تحقيق عسكرية ـ أمنية وإدارية، وأوكل إليها إجراء التحقيق وكشف النتائج في غضون خمسة أيام. وهذا بحدّ ذاته دليل على غياب الإدراك الحقيقي لمتخذي هذا القرار، بأن الانفجار الأكبر عالمياً وتاريخياً بعد قنبلتي هيروشيما وناكازاكي، لا يمكن حسم حقيقته بلجنة إدارية، سرعان ما تبيّن أن بعض أعضائها على لائحة شبهات التقصير، وأنهم باتوا ملاحقين قضائياً وموقوفين بمذكرات عدلية.

 

قرارات جريئة

حسناً فعل القضاء عندما تلقف كرة التحقيق، وسارع النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، إلى اتخاذ الأمر على عاتقه. إذ سارع إلى إعطاء أوامر أفضت إلى توقيف 19 مسؤولاً في المرفأ، والادعاء عليهم وعلى ستة آخرين بجرم الإهمال والتقصير الجنائي، والتسبب بقتل مئات الأشخاص وجرح الآلاف وتدمير مئات المنازل والممتلكات العامة والخاصة. لكنّ هذه الإجراءات سرعان ما واجهها التيار الوطني الحرّ وجمهوره والمقرّبون من رئيس الجمهورية ميشال عون، بحملة عنيفة عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، اتهمت عويدات بتوقيف المقربين من التيار (مثل مدير عام الجمارك بدري ضاهر، ورئيس دائرة المانيفست بالمرفأ نعمة البراكس، والمدير الإقليمي لجمارك بيروت والمرفأ حنّا فارس)، لممارسة ضغوط تفضي إلى ثني القضاء عن المضي بملاحقة المقرّبين من العهد، والتي تمهّد لإلقاء المسؤولية على رئيس البلاد، الذي اعترف بأنه كان على علم بخطورة تخزين “نترات الأمونيوم” في المرفأ، لكنه حاول التنصّل من واجباته بقوله “لست مسؤولاً إدارياً عن المرفأ لمعالجتها”.

 

رفض التحقيق الدولي

لم تكن إحالة القضية على المجلس العدلي، ترجمة عملية لشعور القيادات السياسية بفداحة الكارثة، خصوصاً وأن أياً منهم لم يكلّف نفسه عناء تفقد موقع الانفجار ومعاينة الدمار الشامل، بخلاف ما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته الأولى لبيروت في اليوم التالي للانفجار، وكما فعل غيره من الوزراء والمسؤولين الأجانب، بل جاءت للالتفاف على مطالبة الناس بتشكيل لجنة تحقيق دولية. وهو مطلب لقي رفض رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي وصفها بـ”مضيعة للوقت”، ورفض أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله. وهذا ما أضفى مزيداً من الضبابية ورسم علامات استفهام، عن رفض لبنان لمثل هذه اللجنة، رغم أن هؤلاء أنفسهم عجزوا عن منع وصول خبراء أميركيين وفرنسيين وروس وأتراك إلى المرفأ وباشروا عملهم، حتى من دون استشارة المؤسسات اللبنانية.

 

معايير المحقق العدلي

خوف القيادات السياسية من التحقيق الدولي، انسحب على أبعاد التحقيق اللبناني. من هنا جاء اقتراح وزيرة العدل ماري كلود نجم، بتعيين القاضي سامر يونس محققاً عدلياً، سرعان ما رفضه مجلس القضاء الأعلى الذي جاهر بأن قضية بحجم “تفجير نووي” لا يمكن إسناده لقاضٍ لديه انتماء سياسي (مقرّب من رئيس التيار الوطني الحرّ النائب جبران باسيل)، واستتبع ذلك باقتراح تعيين القاضي طارق البيطار لهذه المهمّة. لكنّ الأخير رفضها، قبل أن يرسو الأمر على تعيين القاضي فادي صوّان. إذ علم أن الاتفاق على اسم الأخير جاء ثمرة تفاهم ضمني بين مجلس القضاء ووزيرة العدل، التي لم يعد بإمكانها تخطي المعايير التي وضعها مجلس القضاء لاختيار محقق عدلي، لا يتأثر بالضغوط السياسية، ويمتلك ما يكفي من الجرأة لاتخذا قرارته باستقلالية وتجرّد.

 

قوّة قاهرة

لا خلاف على أن التحقيقات التي يتولاها المحقق العدلي فادي صوان في هذا الملف، بعد شهر كامل على الانفجار تسير بخطى ثابته وبوتيرة سريعة، لكنّ ثمة أسئلة تطرح عمّا إذا كان صوّان، قادراً على اجتياز الحواجز السياسية والخطوط الحمراء، أم أنه سيصل في مكان ما إلى جدار سميك يصعب اختراقه، خصوصاً إذا ما أثبتت التحقيقات أن المسؤولية لا تقتصر على موظفين ومدراء عامين، بل تتحمّلها مرجعيات سياسية كبيرة، تلقّت ما يكفي من تقارير وتحذيرات لكنها لم تحرّك ساكناً، وإذا ما أثبتت التحقيقات أن “نترات الأمونيوم” وأخواتها من مواد متفجرة ومشتعلة، كانت عصيّة على النقل من المرفأ، بإرادة “قوّة قاهرة” منعت الدولة بكل أجهزتها وقضائها من تلافي الزلزال المدمّر.

 

تقصير وإهمال

حتى الآن تشير المعلومات إلى أن التحقيق يسلك مسارين متوازيين. الأول، يتولاه القضاء اللبناني، ويركّز على تحديد المسؤولية عن التقصير والإهمال المتعمّد حيال إبقاء آلاف الأطنان من النترات في المرفأ لمدة سبع سنوات. وهذا يفسّر صدور مذكرات توقيف وجاهية بحقّ 25 مدعى عليهم، أبرزهم مدير عام الجمارك بدري ضاهر، مدير الجمارك السابق شفيق مرعي، مدير عام المرفأ حسن قريطم، مدير عام النقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي، مدير أمن المرفأ العميد في مخابرات الجيش اللبناني أنطوان سلّوم، وثلاثة ضبّاط آخرين في الأمن العام وأمن الدولة.

 

أسباب الانفجار

أما المسار الثاني، فيتولاه الخبراء الأجانب، خصوصاً فريق مكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي (أف. بي. آي) وفريق الخبراء الفرنسيين، بالإضافة إلى خبراء من روسيا وتركيا وتشيلي وغيرها من الدول، ويركز مهمته على مسح موقع الانفجار وإخضاع التربة إلى الفحص الدقيق وأخذ عينات من الموقع ومن البحر ومن حطام السيارات والمنشآت المدمّرة، والبدء بإجراء الفحوص المخبرية عليها في العاصمة الفرنسية باريس، لحسم ما إذا كانت المواد المتفجرة محصورة بـ”الأمونيوم” أم أن ثمة مواد أخرى مستخدمة، والبت نهائياً بوجود عمل إرهابي أو استهداف خارجي من عدمه، علماً أن المؤشرات الأولية تفيد بأن الاستهداف الخارجي مستبعد، وأيضاً استبعاد وجود أسلحة أو صواريخ في العنبر رقم 12.

 

حملة إعلامية

لم تكن مهمة المحقق العدلي سهلة، لكنه نجح في تخطي الحملة الإعلامية التي طالته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إثر استجوابه المدعى عليهم المحسوبين على التيار العوني، وإصدار مذكرات توقيف بحقهم من دون تردد. غير أن الأيام المقبلة تبدو أكثر صعوبة. فمسار التحقيق لا يتوقف على استجواب المدعى عليهم الـ 25 وتوقيفهم، بل أن سبحة الاستجوابات ستطول، وهي ستشمل كلّ من تعاقب على المسؤولية السياسية والإدارية والأمنية والقضائية، وكان على اطلاع على حقيقة النيترات ولم يبادر إلى حسمها.

 

مفاجأة استجواب السراي

بالفعل، فعلها القاضي صوّان وفجّر مفاجأة غير متوقعة، بانتقاله من مكتبه في قصر العدل مساء الخميس الماضي، إلى السراي الحكومي واجتماعه برئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، والاستماع إلى إفادته على مدى أكثر من ساعة، وعلم أن التحقيق مع دياب ركّز على المراسلات التي تلقاها من الأجهزة الأمنية وأعلمته بوجود مواد خطرة في المرفأ، وتلكؤ الحكومة في اتخاذ قرار حاسم بإخراج هذه المواد من المرفأ، وعدوله عن زيارة كانت مقررة للمرفأ قبل شهرين من الانفجار، وإخراج بند نيترات الأمونيوم من جدول أعمال المجلس الأعلى للدفاع، وأفيد أن رئيس الحكومة أجاب على أسئلة المحقق العدلي، وأن التباطؤ في معالجة النيترات، مردّه إلى أحد مساعديه أبلغه أن المواد المشكو منها لا تتعدى كونها “سميد” يستخدم للزراعة، وليس على قدر من الخطورة.

 

أسبوعان حافلان

ويبدو أن الأسبوعين المقبلين سيكونان حافلين بالتحقيقات التي سيخضع لها سياسيون، أبرزهم وزراء الأشغال والمال الحاليين والسابقين، وقادة الأجهزة الأمنية التي لها تواجد فعلي في المرفأ، والقضاة الذين تلقوا مراسلات تطالب بإصدار قرار قضائي بتصريفها في السوق أو بإعادة شحنها إلى بلد المنشأ. وأعطى استجواب رئيس الحكومة إشارات مقلقة للوزراء والأمنيين، مفادها أنه إذا كان رئيس الحكومة خضع للتحقيق، وقد ينسحب الأمر على من هو أعلى من رئيس الحكومة، فمن باب أولى أن من هم دون هذا المستوى ليسوا فوق القانون، ما يعني أن الأيام المقبلة ستنطوي على مفاجآت كبيرة، فهل تستهلّ بدايات الشهر الثاني على مفاجآت تترجم بمذكرات توقيف لسياسيين وأمنيين وقضاة، دائماً ما اعتقدوا أنهم فوق المساءلة والمحاسبة؟.

  • Social Links:

Leave a Reply