المحامي فوزي مهنا
لا تزال بعض النخب الثقافية العربية السلطوية ، تضع كل مشاكل أنظمتها الحاكمة ، وما وصلت إليه شعوبها من تخلف وإفقار، في رقبة الآخر ، لا تريد أن ترى عيوبها ولا عيوب هذه الأنظمة المستبدة وممارساتها، ولا النظر في الأسباب التي أودت بأوطانها إلى الخراب، والأصح أنها تراها على حقيقتها لكنها تُمعن بالمكابرة والنفاق ، لذلك تقوم بين كل فترة وأخرى بإلقاء اللوم على كل آخر ، بتقاعسه حيناً وتخوينه ببيع قضايا الأمة في أحيان أخرى، تماماً كما هو حاصل بشأن قيام الامارات العربية المتحدة بالتطبيع مع إسرائيل اليوم.
بكتابه “ثمار القلوب” يروي الثعالبي أن زوجة الخليفة المتوكل عندما قُتل على يد الأتراك أخذت تحرض ابنها المعتز كي يأخذ بثأر أبيه، كان المعتز قد خبر قوة الأتراك وحجم نفوذهم، لذا أخذ يسوِّف بتنفيذ ذلك ويماطل، وهو ما أغضب والدته، التي ما لبثت أن قامت بعرض قميص المتوكل الذي قتل فيه وهو مخضب بالدماء ، وجعلت تبكي وتبالغ في اللوم والتحريض، عندها قال لها المعتز قولته المشهورة: “يا أمي أرجوك ارفعي القميص وإلا صار قميصين”.
وبالفعل بات قميص عثمان عدة قمصان في تاريخنا العربي ، يُطل علينا بين كل فترة وأخرى ، من بينها قضية العرب الأولى فلسطين ، التي لم تكن كقميص عثمان وحسب ، وإنما كانت ولا زالت شماعة علقت عليها هذه الأمة وأنظمتها الحاكمة كل أسباب انكساراتها وفشلها في بناء دول حديثة ومواطنة حقيقية ومجتمعات ديمقراطية تؤمن بتداول السلطة .
من الجدير بذكره هنا أن حملة تخوين دول الخليج العربي والطعن بسياساتها والتشكيك بشرعيتها، سيمفونية قديمة دأب مثقفو الممانعة على ترديدها صباح مساء، على اعتبار أن تلك الدول في خندق الرجعية والاستعمار، على الرغم من أن هذه الدول لم تبخل يوماً بتقديم المساعدات المالية ، لما يسمى بدول الطوق العربي ، أو دعم القضية الفلسطينية مادياً وسياسياً ومعنوياً بكافة المحافل الدولية ، وذلك بناءً على اتفاقية الدفاع المشترك والتضامن العربي، الذي نص عليه ميثاق جامعة الدول العربية ، عدا عن أن هذه الدول لم تبخل كذلك في استقطاب الشباب العربي الباحث عن عمل ، والذي عجزت تلك الأنظمة عن احتواء متطلبات حياتهم المعيشية في حدودها الدنيا. .
وقبل أن يتهمنا البعض بالدفاع عمن يؤيد التطبيع ، نسأل هؤلاء، من الذي خان القضية؟ ولمحاولة الإجابة على ذلك لا بد من التذكير أولاً بحجم الدعم السياسي والمادي والمعنوي، الذي سبق أن قدمته الدول الخليجية لقضية العرب الأولى “فلسطين” على مدار الأيام والسنوات ، والذي تجلى بوضوح في حرب تشرين 1973 على المستويين الاقتصادي والسياسي وحتى العسكري ، وهو ما كشفت عنه وثيقة سبق أن قام بنشرها مكتب البحوث الاقتصادية في المخابرات المركزية الأمريكية في أغسطس 2012 على موقع المكتبة الإلكترونية التابع له ، بعض ما تلقته كل من مصر وسوريا، من الدول العربية، منذ يوم 6 تشرين الأول /أكتوبر 1973، حتى 23 نوفمبر من العام نفسه فقط، والذي يقدر آنذاك بنحو 2 إلى 3 مليارات دولار، أي قرابة 20 إلى 25 مليار دولار ، بأرقام اليوم.
بل لا بد من التذكير وهنا الأهم بمن تخلى عن القضية المركزية (فلسطين) وعمل على تصفيتها أولاً؟ فمن أجل مصادرة القرار الفلسطيني المقاوم ، تمت ملاحقة ياسر عرفات ومنعه من دخول الأراضي السورية ، بعد أن طلب منه مغادرتها على أول طائرة ، وكي يتم تمزيق الصف الوطني الفلسطيني ، كان أبو خالد العملة وكان أبو موسى وأبو نضال وكان أحمد جبريل ، ومن أجل الإجهاز على الحركة الوطنية اللبنانية والنضال الفلسطيني المسلح ، وحصر المقاومة بطيف واحد من اللبنانيين وغير اللبنانيين (حزب الله وإيران) كان حصار الفلسطينيين في مخيمات تل الزعتر وصبرا وشاتيلا ، ليأكلون لحم القطط ولحم الميتة ، وكان قرار ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982 من ثم كان نهاية الكفاح المسلح ضد اسرائيل.
وللتدليل أكثر على من أضر بالقضية الفلسطينية وأصابها في مقتلها، يكفي الاطلاع على رسالة أحد الأدوات السورية على مدار أكثر من ربع قرن ، القيادي الفلسطيني “أبو خالد العملة” التي وجهها من معتقله في سجن المزة بدمشق ، إلى خالد مشعل بتاريخ 13-1-2007 (رسالة منشورة على الشبكة العنكبوتية) والتي حملّ فيها السوريين مسؤولية اغتيال عضو اللجنة المركزية في منظمة التحرير الفلسطينية “ماجد ابو شرار” بإيطاليا عام 1981 كذلك مسؤولية اغتيال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، العميد سعد صايل ، في البقاع، وهي المنطقة الواقعة تحت “سيطرة عسكرية سورية” كاملة، وبين حاجزين عسكريين، حينما حال هذا الجيش من امكانية وصول سيارة الاسعاف في الوقت المناسب لإنقاذ حياته، مما تسبب في استشهاده ، وذلك لتسهيل الوصول الى الانشقاق والتخلص من ياسر عرفات أو اضعافه ، تمهيداً لاحتواء القرار الفلسطيني”.
بعد ذلك يعترف العملة برسالته بأن “ما كان يقوم به هو باعتقاده كان لخدمة القضية الفلسطينية “لم تمضِ إلا شهور قليلة حتى اكتشفنا باننا نسير في طريق اجبارية لتحقيق الأهداف السورية، وما كنا نحن إلا الأداة فقط، لقد كنا المطية ونفذوا باسمنا ما نفذوا، لم يكن أحد منا يجرؤ حينها على الكلام ، ثم يضيف أنه “بعد الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982، وضرب المقاومة الفلسطينية اللبنانية، وحصارها لمدة 88 يوما ، وبعد ضغط دولي وتخاذل عربي، خرجت القوات الفلسطينية الى المنافي، بعدها انعقدت قمة فاس الثانية في أيلول 1982 لتفضح الجميع، حينها أقر الرئيس حافظ الاسد بأنهم قالوا له أي (الاسرائيليين والأمريكان) أنهم سيدخلون فقط 46 كيلومتر؟ أي أنه كان يعلم بالاجتياح، ولديه الضمانة بأن الإسرائيليين لن يتجاوزوا جسر الأولي (شمال صيدا)، ولن يتم التعرض لقواته الموجودة في لبنان ، بشرط عدم تدخلها الى جانب المقاومة”.
وعن تقاعس معمر القذافي ومشاركته في تقويض منظمة التحرير الفلسطينية يقول العملة: “أن اجتماعا سريا عقد في بداية عام 1982 بين عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف والعقيد القذافي، لوضعه بصورة ما لديهم من معلومات مؤكدة حيال النوايا الاسرائيلية الهادفة إلى القيام باجتياح يستهدف المقاومة الفلسطينية في لبنان ، وقدموا قائمة بما تحتاجه المقاومة من أسلحة ومعدات عسكرية عاجلة، فوعدهم العقيد بأنهم سيجدونها قد وصلت أمامهم إلى بيروت ، إلا أنه بدلاً من ذلك وصلت تلك الأسلحة إلى اللاذقية في سورية ، ثم تم نقلها إلى البقاع اللبناني برسم المخابرات السورية”.
ويستطرد العملة قائلاً : “أنه ومن الحضن السوري الخادع، يعلن العقيد أبو موسى في أيار 1983 انشقاقه عن حركة فتح بهدف التصحيح، وقيام القيادة الليبية بتسليح الانشقاق وتمويله ، بما قيمته 37 مليون دولار، بالمقابل تولّت القيادة السورية من خلال جهاز مخابراتها وضابطتها الفدائية مسؤولية ترتيبات هذا الانشقاق ميدانيا بما يخدم أهدافها، وبدلاً من أن تكون هذه الملايين من الدولارات ، بتصرف المقاومة لمواجهة العدوان الاسرائيلي على لبنان، تم استثمارها في شق الحركة الوطنية الفلسطينية، وضرب وحدتها، والذهاب الى ما هو أبعد من ذلك، في محاولة مصادرة وخطف القرار الوطني الفلسطيني المستقل”.
“إنها القرصنة السورية والتخاذل العربي في وضح النهار، هذا هو سلوك “جبهة الصمود والتصدي” ( سوريا، وليبيا، وايران ) التي صفقنا لها كثيرا، ما صمدوا وما تصدوا، ولكنهم تصرفوا على عكس كل ذلك” والقول للعملة ، الذي يضيف “أنه في حزيران من عام 1983، تقرر طرد الرئيس ياسر عرفات من دمشق، فاقتاده ضابط سوري إلى الطائرة التي أقلته إلى تونس باعتباره شخصاً غير مرغوب فيه ، إنه الامعان في التآمر والصلف السوري الذي لم يخف ولو للحظة رغبته في احتواء المقاومة”.
هذا بالنسبة لقضية العرب الأولى فلسطين ، بعدها نسأل مثقفي الممانعة عن المسؤول عن ضرب مشروع التضامن العربي في العمق؟ وللإجابة على ذلك يمكن القول لا أحد من العرب عموماً والسوريون خصوصاً يمكن له أن ينكر الخلاف الإماراتي الإيراني على الجزر الإماراتية المحتلة، منذ العام 1971 والتي كان النظام الرسمي العربي حتى سنوات قريبة يعتبرها جزراً إماراتية عربية خالصة ، خصوصاً النظام السوري ، والذي تدعو كتبه المدرسية وأديباته البعثية، كافة الشعوب العربية من طنجة إلى بغداد، لوجوب العمل على تحريرها واستعادتها بكافة الوسائل الممكنة ، ومثلها تماماً اقليم عربستان الذي لا زالت تحتله أيضاً إيران حتى اليوم .
كذلك لا أحد يمكن له أن ينكر حقيقة المشروع الإيراني التوسعي القائم على تصدير الثورة ، والدور الهدام الذي تقوم به إيران بتقويض دول المنطقة وتعاظم هذا الدور، من العراق إلى لبنان إلى اليمن إلى سورية، خصوصاً أن إيران هي الدولة الأكبر في المنطقة وتمارس نفوذها على عدد من الجماعات المرتبطة بها فكرياً وعقائدياً، وفقاً للباحث الأمريكي “جيمس لي”، في دراسة حول ارتباط المصالح الأمريكية بالأقليات ، والذي يرى أنه بات من المتعين على الدول الغربية أن تبدي اهتماماً أكبر بالعوامل الجيوسياسية في الخليج العربي ، بدلاً من الاقتصار على سياسة الضغط الاقتصادي والسياسي على إيران (تطور فكرة تقسيم المشرق العربي، بشير زين العابدين، مجلة العصر.)
أخيراً لا أحد يمكن له أن ينكر كذلك الدور السوري الداعم للمشروع الإيراني) ، والذي كان ولا يزال على حساب أي مشروع عربي ، سواء كان قومي أم قطري على حدٍ سواء ، بالمقابل هناك واقع عربي متصدع ومتردي ، خصوصاً مع انهيار دول الطوق العربي ، على رأسها كل من سورية ولبنان إلى جانب العراق وليبيا واليمن، فضلاً عن اختلال موازين القوى في المنطقة، أو ما يمكن تسميته (بالخصوصية الاماراتية) سواء أكان لجهة موقع الإمارات الجغرافي ، أو لجهة صغر حجم السكان والتركيبة السكانية للإماراتيين ، والذين يعود بعضهم لأصول إيرانية ، وحجم القوة المالية والاستثمارية، التي يشكلها هؤلاء في الاقتصاد الاماراتي .
بناءً على ما سبق فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا، الى أي حائط عربي يمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول الخليج العربي المهددة بالأطماع الإيرانية، الاستناد عليه؟ هل حائط جامعة الدول العربية، ومجلس الدفاع العربي المشترك، الذي بات في خبر كان؟ بعد أن قام كل من النظامين العراقي والسوري بتوجيه آخر المسامير في نعشه، الأول بإقدامه على احتلال دولة الكويت، والثاني بوقوفه إلى جانب إيران، من ثم التحالف معها في السراء والضراء ، أم على حركة عدم الانحياز والتي أصبحت في حكم المنتهية ، والتي دعا الراحل الشيخ زايد فى الجلسة الافتتاحية لمؤتمر قمتها في نيودلهي 1983 الدول الأعضاء لإيجاد طريق مستقل عن المعسكرين الشرقي والغربي ، بهدف تحقيق أمن ورفاهية شعوب دول عدم الانحياز.

Social Links: