زكي الدروبي – الرافد :
أعلن رئيس وزراء لبنان المكلف بتشكيل الحكومة الإنقاذية، يوم أمس السبت، اعتذاره عن المتابعة في مهمته، بسبب استمرار التعطيل والإفشال من عملاء إيران في لبنان، وهذا ما سيلقي بتبعات كبيرة على هذا البلد ضمن الصراع بين إدارة ترامب من جهة وإيران وحلفائها في المنطقة من جهةٍ أخرى، فبينما يتشدد الرئيس الأمريكي تجاه الأخيرة فيما تبقى له من ولاية رئاسية، تشدد إيران وحلفاؤها القبضة على المنطقة في انتظار جلاء نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، طمعاً في وصول الديمقراطيين إلى الحكم، حيث يعتقدون أن التعامل مع ماكين سيكون أيسر من ترامب، الذي سيسعى لاستثمار فشل تشكيل الحكومة اللبنانية حسب المواصفات المطلوبة فرنسياً بزيادة الضغوط على عملاء إيران في لبنان، عبر دفع ماكرون ليكون جزءًا أساسياً من الجبهة الأمريكية ضد إيران.
في ظلّ هذه الظروف يتبادر إلى الذهن، أين نحن من هذا الصراع الكبير؟ ماذا فعلنا وكيف حضرنا أنفسنا للتعامل معه؟
ببساطة نحن في فرقة وكلاً يغني على ليلاه، وكل منا يعتقد أنه الفرقة الناجية التي تحوز على الجماهيرية الشعبية، سواء أكنا مؤسسات معارضة رسمية أو أحزاب أو تنسيقيات أو نشطاء وأفراد، حيث يعتقد الجميع أنه مركز الكون الذي تدور حوله الكواكب، وهو مصدر الشرعية.
يتعرض محور الشرّ، الذي تمثله كلاً من إيران وروسيا كقوى محتلة لسورية داعمة لنظام الأسد القاتل لشعبه لهزّات عنيفة، بسبب مجمل سياساتهم المجرمة بحق المنطقة وشعوبها.
فبعد رفع صوت الإدارة الأمريكية الحالية تجاه إيران بسبب مجمل سياساتها في الملف النووي والصواريخ وباقي الأنشطة العسكرية التي تستهدف أمن المنطقة ودعمها لميليشيات تحتل الدول، كما في الحشد الشعبي العراقي وحزب الله اللبناني والحوثيون في اليمن، ويشرّعون قتل الشعب السوري والعراقي واليمني واللبناني بهدف سيطرتهم الإمبريالية على موارد المنطقة، ونهب ثروات الشعوب كما يفعلون في بلادهم ومع شعوبهم، اشتدت العقوبات ودخل فيها آخرون، ففي ألمانيا صنف حزب الله كمنظمة إرهابية، وفي بلغاريا صدر حكم قضائي بتجريم أعضاء من الحزب بتفجير حافلة فيها، وحكمت المحكمة الدولية الخاصة بمقتل الشهيد، رفيق الحريري، بتجريم عناصر من حزب الله بالعملية، وكانت ثالثة الأثافي الانفجار الكبير في مرفأ بيروت والذي يتهم فيه حزب الله بوضع هذه الكمية الكبيرة من المواد القابلة للانفجار لأجل استخدامها في حرب نظام الأسد على الشعب السوري، وسد الطرق بوجه المبادرة الفرنسية لإنقاذ لبنان، وإفشال مساعي رئيس الوزراء المكلف بإنجاز حكومة مستقلة عن أمراء المذاهب المتصارعين على النهب والفساد وتوريث السلطة.
كما أن التشديد الأمريكي على روسيا لازال يتصاعد، ويرى محللون بأن الإدارة الأمريكية أوقفت سياسة خطوة خطوة بالتعامل مع روسيا، فبعد محاولة ترغيبها من خلال تصريحات الإدارة الأمريكية بالحفاظ على مصالحها ووجودها في الجغرافيا السورية مقابل تسهيل العملية التفاوضية وإبعاد إيران من سوريا، لكن تصريحات لافروف الأخيرة التي تحدث فيها عن لجنة دستورية لا سقف زمني لها، ودعمه الكبير للنظام السوري توأمه بالقتل والفساد واضطهاد مواطنيه، جعلت الإدارة الأمريكية تعيد حساباتها، وتركز على أن لا تنازلات مجانية، وتعود للتشدد مع روسيا، حيث استقدمت قوات إضافية لشمال شرق سوريا، لمواجهة نظام بوتين المافيوي خريج مدرسة “كي جي بي” البارع مثل الأسد بفساده، وسرقاته الكبيرة، وفي ملاحقة معارضيه خارج روسيا وداخلها وتصفيتهم، إما بحوادث سير مفتعلة، أو باستخدام سموم مختلفة، ورأينا تصريحات المبعوث الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، خلال زيارته الأخيرة إلى مناطق سيطرة التحالف وقوات “قسد” الصريحة والحازمة من جديد تجاه الروس والنظام.
يراهن محور الشر على انتخابات الإدارة الأمريكية، ويأملون في وصول إدارة أقل تشدداً من هذه الإدارة، وهذا يدفعنا للسؤال الكبير، ماذا لو حدث هذا فعلاً؟ لقد عمل فريق من السوريين بشكل مكثّف خلال السنوات الماضية من أجل إقناع أعضاء الكونغرس لاستصدار قانون “قيصر” وهم بجهدهم هذا مشكورين، لكن هل كان هناك تنسيق مع فعاليات سورية منتشرة بأماكن أخرى؟ هل لدينا علاقات مشابهة لما حدث في أمريكا في بقية دول العالم؟.
استذكر دوماً تجربة الرئيس الراحل، هاشم الأتاسي، وفريق المفاوضات الذي فاوض الاحتلال الفرنسي للخروج من سوريا، يومها افترض المفاوضون أن مدة المفاوضات لن تستمر أكثر من عشرة أيام، لكنهم وجدوا أن الحكومة التي يفاوضونها آيلة للسقوط، وستحدث انتخابات نيابية مبكرة تنتج حكومة من حزب آخر، وتوقعوا أن ينالوا من ذلك الحزب تنازلات أكثر لصالح حرية سوريا في ذلك الوقت، وفعلاً لبثوا في باريس ستة أشهر، بنوا خلالها علاقات طيبة مع الحزب المتوقع فوزه في الانتخابات، ومع قوى نقابية وحزبية أخرى، وما إن حصلت الانتخابات وفاز الحزب الصديق حتى وقع معهم اتفاقية عام 1936.
اليوم ما هي حجم علاقاتنا مع الأحزاب الأوروبية؟ مع النقابات الأوروبية؟ هل اقتصر دور مؤسسات المعارضة الرسمية على الدوران بفلك هذه الدولة أو تلك، أو إصدار بيانات ترحيب بالعقوبات الأمريكية على إيران أو حتى بإرسال رسائل ديبلوماسية لخارجية هذه الدولة أو تلك؟ ألسنا كلنا في مركب واحد يغرق لحظة إثر لحظة؟ ألا تثيركم دموع أمهات الثكالى، ألم تتأثروا بأفواج الذاهبين إلى جبهات الارتزاق، بعد أن سدت أمامهم كل الآفاق؟ ألم تستفزكم دماء الشهداء للتوقف ومراجعة الذات، ألم يحن الوقت لتخجلوا من ممارساتكم ولتبحثوا عن سبل التلاقي مع الآخر وصولاً لمؤتمر وطني جامع لكل القوى الوطنية الديمقراطية ينتج وثائق وإدارة جديدة تعالج كل الاحباطات، التي تسببتم بها والتي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم؟

Social Links: