إعداد: بثينة الخليل
تتنوع العادات والتقاليد في سورية من مدينة الى أخرى، ومن بيئة إلى أخرى. وتشكل مدينة رأس العين الواقعة شمال محافظة الحسكة على الحدود السورية التركية، نموذجاً للتنوع والغنى في العادات والتقاليد، الناجم عن التنوع السكاني. فرأس العين تتألف من غالبية عربية، ملونة بمجموعات سريانية وكردية وأرمنية وشيشانية وماردلية (مهاجرون من مدينة ماردين التركية على الجهة المقابلة من الحدود السورية التركية، والتي يعتقد أن أسطورة الغناء العربي فيروز تعود بجذورها إليها).
من العادات الاجتماعية المنتشرة في هذه المدينة، طقس “تقطيع الشعيرية” الذي يتم خلاله تأمين الشعيرية التي تعتبر العمود الفقري لخلطة “البرغل” الغذاء الرئيسي. كان هذا الطقس سائدا منذ قرن مضى ومازال مستمرا، ويبرع فيه الماردلية، فقد مارسوه منذ القدم في مدينتهم الأصلية ماردين، ونقلوه للمدن التي هاجروا إليها، ومنها رأس العين، وظلوا يمارسوه حتى ظهور الصناعات الحديثة والتي أدت الى تغيير هذا النوع من التقاليد.
كيف يُظهر هذا الطقس العلاقات الاجتماعية الطيبة؟
يبدأ هذا الطقس في الربيع، خلال شهري آذار ونيسان، وذلك بإخبار العوائل المهتمة، بحيث تُعطى الأولوية بالدور لمن لديه تقطيع الشعيرية. يقول الأستاذ عطا أحد أبناء المدينة : “تجتمع النساء حول أطباق القش، تترأسهم صاحبة القِدر وهي الموزِعة للعجين المكون من الدقيق الناعم والماء والقليل من الملح إضافة إلى السمن العربي، حيث تجلس النساء بشكل مجموعات، الصبايا في مجموعة والمسنات في مجموعة”. لافتا أنه “من الإشارات المتفق عليها حول الطبق حركة التصفيق وهي عبارة عن إشارة تعني أن صاحبته تريد حصة من العجين ويطلقون عليها إسم القطعة”.
وحول مسميات العجين يتابع عطا “لعجين الشعيرية مسميات عدة : البهلول والبهنك والدهمول والقطعة، والجميل في هذا الجمع أن الكل يستمع للرئيسة والتي بدورها تُدلي بالنصائح والتوجيهات، وأهمها للمبتدئين على سبيل المثال لا تسوون شل وبل، فرجوني عدالتكن.. نظافة طبقكن.. يبين عليكن ها”. ويستمر عطا بسرده لهذه الجَمعة قائلاً : ” ويسود الصمت ليبدأ البث التلفزيوني لما يسمى الحكواتية، وفيه يتم استعراض القصص لهم حيث تطلب الصبايا قصة معينة من الحكايات وأهمها : إبن الباطيشاه، الملك العادل، لقمان حكيم، علبة الصبر..”.
وخلال التقطيع يتم تقديم المشروبات الساخنة، وهي القهوة والشاي، إضافة إلى السجائر، حيث يبدأوون بشرب الشاي مع سرد القصة من قبل صاحبة المنزل أو الحكواتية، وخلال السرد تقوم بفحص الأطباق لتدلي بملاحظاتها على المبتدئين فقط.
ويتابع عطا : “كنت أحضر جلسة، وسمعت كلمات تدعو للضحك، بقول إحدى النساء : كل قطعت هي البنت شاكوش وبسمار ودقماق. وهي عبارة عن رموز تعني عدم التنسيق والتساوي في تقطيع الشعيرية ”
ومن طرائف هذه الجلسة يذكر عطا : ” يُمنع منعاِ مطلقا إلقاء اللبان على الأرض حيث تقوم النساء بلصقها على “اللاجك” واللاجك هو غطاء الرأس الذي تضعه النسوة على رؤسهن”
ختام الجلسة
يستمر تقطيع الشعيرية في مدة لا تقل عن خمسة أيام. وفي ختام التقطيع تتم دعوة كافة النساء المشاركات لحضور “الخلاصية” والتي تسمى “خلاصكيه” و “خلاص تكه”، والتي يتم فيها إحضار الحلويات كالمشبك أو المعمول ليتم توزيعها على الحاضرات. وفي الأثناء تبدأ الدعوة لاختيار المنزل الذي سيقع عليه الدور الثاني في التقطيع القادم، ويتم اختيار أي يوم من أيام الأسبوع ماعدا يوم الجمعة بسبب الالتزامات العائلية.
ويختم عطا حديثة : ” هذا الطقس هو لمة اجتماعية وتعاون أُسري يتم خلاله التواصل بين الكبار والصغار ونقل هذا الموروث للجيل اللاحق. ولا أخفيكم أنه خلاله يتم مراقبة الشابات أو ما يسمى باللهجة الماردلية “تقليب البنات”، حيث تبحث الأم التي لديها شاب مقبل على الزواج، عن شابة مناسبة لابنها من خلال هذه اللمة الاجتماعية”.
السيدة يمن الخليل من سكان مدينة راس العين تصف لنا جوانب آخرى من هذا الطقس، مبتدئة بوصف زي النساء المسنات : “النساء كن يرتدين الأثواب الفضفاضة المزركشة ويضعن على رؤوسهن غطاء أبيض مصنوع من الشاش، أطرافه مزينة بتطريز يدعى “أويا”.
وتتابع : “كنا ننتظر النسوة عندما تمتلىء أطباقهن القش بالشعيرية المفتولة باليد والتي طول كل واحدة منها اثنان سنتيمتر، لإفراغها على الأرض فوق قطعة قماشية كبيرة الحجم وُضعت في إحدى غرف المنزل التي يدخلها الهواء لتجفيفها، ونعود بعد ذلك بالطبق فارغا إليهن ليكملن عملية التقطيع وملؤه من جديد”
وتضيف “الخليل” : “في نهاية الأسبوع بعد الانتهاء من التقطيع نقوم بتفريغ القطع القماشية من الشعيرية بعد جفافها، ونضعها في غربال خشن ليتم تجهيزها ووضعها داخل محمصة كبيرة موقودة بالحطب لإجراء عملية التحميص بشكل دائري من قبل صاحبة المنزل، حتى تكتسب الشعيرية اللون الذهبي، لتفردها بعد ذلك على قطع قماشية جافة ومن ثم تعبئتها بعبوات مناسبة، وتنتظر حتى نهاية الصيف ليتم عمل السليقة ومن ثم البرغل لخلطها وتخزينها للمؤونة الشتوية التي يتميز بها كل منزل في مدينة رأس العين”
هل الاندثار يهدد هذا الطقس الاجتماعي؟
سوريون كثيرون افتقدوا عادات اجتماعية كانت موجودة في الماضي غير البعيد مع تغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والحرب الدائرة في سورية. تقول السيدة “الخليل” : ” هذه العادة لازالت موجودة لكن بشكل محدود جداً، كونها تكلف جهد ووقت، ناهيك عن ظهور الآلات الحديثة، إضافة إلى إهمال نقل هذه العادة من جيل الآباء إلى الأبناء.. لذلك وجودها اقتصر على فئة قليلة من ربات المنزل”.

Social Links: