أنس رحيمي- ماركسي
تأتي أهمية المنظورات وضرورتها من الحاجة إلى امتلاك تصور للواقع واحتمالات تطوره، أو ما سبق لتروتسكي أن سماه: “تفوق التوقع على الدهشة”. وتصبح المنظورات أكثر أهمية خلال مراحل الاضطرابات والتغيرات المفاجئة والعنيفة كهذه التي نعيشها اليوم. ليس لدينا ترف الإبحار بدون بوصلة، بل لا بد لنا من ترسانة نظرية صلبة ومنظورات علمية.
لكن مقاربتنا، نحن الماركسيين، لمسألة المنظورات ليست مقاربة المثقفين البرجوازيين الصغار أو الأكاديميين الذين كل هدفهم في الحياة هو تجميع الأرقام وصياغة التوقعات من أجل إعطاء الانطباع بأنهم أذكياء. نحن ماركسيون ثوريون والمهمة الرئيسية بالنسبة لنا ليست فقط تفسير العالم، بل تغييره.
مقارنات:
في سياق سعيهم لفهم الواقع الذي يعيشون فيه، يميل الناس إلى إجراء مقارنات مع الأحداث السابقة من أجل استخلاص بعض الدروس.
وفي هذا السياق نسمع في كثير من الأحيان أن الفترة التي نعيشها تشبه فترة ثلاثينيات القرن العشرين، أو أزمة السبعينيات أو انهيار 2008، إلخ. لكن الحقيقة هي أن الأزمة التي نعيشها اليوم لم يسبق لها مثيل.
لكن إذا أردنا إيجاد ما يمكن أن يشبه هذه المرحلة، فيجب علينا مزج العديد من الأحداث التاريخية دفعة واحدة، بدءا بطاعون القرن الرابع عشر (الذي ضرب أوروبا وقتل ما بين ثلث ونصفها السكان، وساهم بشكل كبير في سقوط النظام الإقطاعي)، ثم الكساد الكبير لعام 1929 والحرب العالمية وأزمة 2008. باختصار: ما نراه هو تجميع لجثث تمت إعادتها إلى الحياة مثل وحش فرانكنشتاين.
الوضع الاقتصادي
قبل الانتقال إلى إعطاء بعض الأرقام عن حالة الاقتصاد العالمي، لا بد من أن نوضح أن العامل الاقتصادي ليس “المحدد الوحيد”، وأنه لا يمكن تفسير التاريخ بالكامل من خلال الاقتصاد فقط. ما يهمنا في التحليل الاقتصادي هو فهم السيرورات التي تعتمل داخل المجتمع، وكيف سيؤثر الوضع الموضوعي على وعي الطبقة العاملة على وجه الخصوص.
لا تنكر الماركسية الدور الذي يمكن للفرد، أو العامل الذاتي عموما، أن يلعبه في التاريخ في ظروف معينة. بل يمكننا أن نقول إنه خلال الفترات التاريخية الحاسمة، يصير العامل الذاتي: الوعي والتنظيم الثوري، هو العامل الحاسم. وهذا ما دفع تروتسكي إلى التأكيد، في البرنامج الانتقالي، الذي كتب في فترة تاريخية مفصلية 1938، أن: “الأزمة التاريخية للإنسانية تتلخص في أزمة القيادة الثورية”.
قبل جائحة كوفيد 19 كان الرأسماليون يتحدثون كثيرا عن “انتعاش” اقتصادي، سماه العديد منهم “أطول انتعاش في التاريخ”!! لكنه لم يكن على الإطلاق انتعاشا حقيقيا، وقد أوضحنا في الكثير من تحاليلنا أنه كان هزيلا وكان قائما على الرمال، وأن أي صدمة يمكن أن ترمي بالاقتصاد العالمي إلى ركود أعمق حتى من ذلك الذي شهدناه عام 2008.
عندما كنا نتحدث عن الصدمة فكرنا في عدة سيناريوهات لما يمكن أن تكونه: زيادة في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، مواجهة مع روسيا، تفاقم الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، حرب في الشرق الأوسط تؤدي إلى زيادة أسعار النفط، أو حتى تغريدة غبية من طرف ترامب، إلخ. لكن سخرية أمنا الطبيعة، التي يبدو أنها لا تفتقر إلى روح الدعابة، أرسلت لنا فيروس كورونا، الذي لعب دور الصدمة والمحفز.
إلا أنه يجب أن نؤكد أن فيروس كورونا ليس سبب الأزمة، فقد كانت الأزمة موجودة بالفعل قبل وقت طويل من تفشي الجائحة! وكنا قد شرحنا بالفعل في وثيقتنا “منظورات عالمية“، التي صادقت عليها اللجنة التنفيذية الأممية، في 29 يناير 2020، ما يلي:
لقد انتقل الاقتصاد العالمي، وفقا لصندوق النقد الدولي، من وضع، قبل عامين، كانت فيه 75 من الاقتصاديات العالمية في حالة نمو متزامن، إلى الوضع الحالي حيث 90% من الاقتصاديات العالمية في تباطؤ متزامن، وهو أبطأ مستوى للنمو في عقد من الزمان.
في يونيو 2019، سجل الإنتاج الصناعي الألماني أكبر انخفاض سنوي له منذ ما يقرب من عقد من الزمان، كما يوجد تباطؤ اقتصادي في الصين والولايات المتحدة. وهذا بدوره يعكس ضعف الاقتصاد العالمي، حيث من المتوقع أن تزيد التجارة العالمية، وفقًا لمنظمة التجارة العالمية، في عام 2019 بنسبة 1,2% فقط، أي نصف ما كانت تتوقعه في الأصل.
في عام 1960 بلغ إجمالي الدين على المستوى العالمي حوالي 90% من الناتج العالمي الإجمالي. وكان أعلى قليلا في الولايات المتحدة، حيث كان حوالي 140%. أما اليوم، فقد بلغ الدين العالمي رقما قياسيا: 253 تريليون دولار، أي 322% من الناتج العالمي الإجمالي، و355% في الولايات المتحدة (أرقام 2019).
في عام 2018، كان النمو في الصين 6,6%، على الرغم من أن العديد من الاقتصاديين يعتقدون أنه كان في الواقع أقل من ذلك. كان رقم 6,1%، في عام 2019، هو أبطأ نمو عرفه الاقتصاد الصيني منذ 1992.
سنة 2019 بلغ الدين القومي للولايات المتحدة 22 تريليون دولار، أي أكثر من ضعف ما كان عليه في عام 2008. ويزداد بمعدل تريليون دولار في السنة.
وإضافة إلى كل هذا فقد كانت الحرب التجارية موجودة بالفعل، وكذلك النزعات الحمائية، حتى قبل ظهور الجائحة.
فجاء كوفيد 19 وأبان عن جدية كبيرة في لعب دور المحفز، كان متحمسا للغاية لدرجة أنه ببساطة سحق الاقتصاد العالمي. حتى الخبراء البرجوازيون الجادون يعترفون بأن هذه الأزمة ليست أزمة عادية، ويضطرون إلى مراجعة توقعاتهم كل يوم وكل ساعة، لكن إلى أسفل، مما يدل على أن اقتصادهم في حالة سقوط حر.
يوجد على الموقع الرسمي لصندوق النقد الدولي مقال بعنوان (Le «Grand confinement»: pire récession économique depuis la Grande dépression)، بتاريخ 14 أبريل 2020. يقول مؤلفه:
«خلال الأشهر الثلاثة التي مرت منذ التحديث الأخير لتوقعات الاقتصاد العالمي، في يناير الماضي، تغير العالم بشكل كبير… يعيش العالم في “حجز عظيم”. إن الانهيار في النشاط الذي تبعه لا يشبه، بحجمه وفجائيته، أي شيء شهدناه في حياتنا.
هذه الأزمة لا تشبه أي أزمة أخرى، وهناك قدر كبير من عدم اليقين بشأن تأثيرها على حياة الناس وسبل عيشهم.
… بالإضافة إلى ذلك، تواجه العديد من البلدان اليوم أزمات متعددة تفاعلاتها معقدة: الأزمة الصحية والأزمة المالية وانهيار أسعار السلع الأساسية.
… هناك قدر كبير من عدم اليقين بشأن كيفية تطور المشهد الاقتصادي للخروج من هذا الحجز.
بافتراض أن الجائحة وإجراءات الاحتواء الضرورية تبلغ ذروتها في الربع الثاني بالنسبة لمعظم بلدان العالم… نتوقع انكماشا بنسبة 3%، في عام 2020، في إصدار أبريل لتوقعات الاقتصاد العالمي. هذا يعني انخفاضا بـ 6,3 نقطة مئوية عن يناير 2020، الشيء الذي يعتبر مراجعة رئيسية خلال فترة قصيرة للغاية. وبالتالي فإن “الحجز العظيم” يشكل أسوأ ركود منذ الكساد العظيم وهو أخطر بكثير من الأزمة المالية العالمية [لسنة 2008]». نهاية الاقتباس.
وإذا استمر الانخفاض بالسرعة الحالية، فسوف ينهار الإنتاج العالمي بنسبة الثلث مقارنة ببداية العام، وهو ما يتجاوز انهيار عام 1929، بكل المقاييس النسبية والمطلقة.
في 20 أبريل كانت الولايات المتحدة قد سجلت 26 مليون عاطل، مما يعني أن جميع الوظائف التي تم خلقها على مدى عقد كامل، تبخرت في غضون أسابيع قليلة، وهو أمر غير مسبوق.. لكن بحلول يوم 02 ماي كان عدد العاطلين قد وصل 30 مليونا أي 4 ملايين آخرين خلال 10 أيام !!
عام 2008، بلغت نسبة البطالة 10% في الولايات المتحدة، بينما تتجاوز اليوم 20% وما زالت ترتفع.
قال دويتشه بنك (بنك ألمانيا) إن الاقتصاد الأمريكي سينهار في الثلث الثاني من العام بنسبة 12,9%، وهو أكبر انهيار له منذ 80 عاما. لكن الواقع أسوأ بكثير.
بعد انهيار عام 2008، سجل 62% من بلدان العالم نموا سلبيا في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، أما الرقم المسجل الآن فهو 90%، أي عمليا كل بلدان العالم.

Social Links: