مدخل إلى الديالكتيك المادي 2

مدخل إلى الديالكتيك المادي 2

و قد يختلط الأمر على القارئ بالنسبة لجدلية هيغل و ماركس، لكن هذا الأخير قد قام بإيضاح الفرق بشكل بسيط:

يقول ماركس: “ان اسلوبي الديالكتيكي لا يختلف عن الديالكتيك الهيغلي وحسب، بل هو نقيضه المباشر. فهيغل يحول عملية التفكير، التي يطلق عليها اسم الفكرة حتى إلى ذات مستقلة، انها خالق العالم الحقيقي، ويجعل العالم الحقيقي مجرد شكل خارجي ظواهري ُللفكرةُ. اما بالنسبة لي، فعلى العكس من ذلك، ليس المثال سوى العالم المادي الذي يعكسه الدماغ الانساني ويترجمه إلى اشكال من الفكر.” (كارل ماركس، الراسمال، الجزء الاول، ص 30 الطبعة الانجليزية).

و بعذ ذلك قام فيورباخ بإعادة المادية إلى صوابها و هذا لا يعني أن مادية فيورباخ هي نفسها مادية ماركس و إنجلز! فلقد اخدا من مادية فويرباخ “لبها” الداخلي وطوراه إلى نظرية المادية العلمية الفلسفية ونبذا “قشرتها” المثالية الدينية مع العلم أن فيورباخ نفسه قد رفض اسم “المادية”

و قد شرح ستالين بالتفصيل الفروقات بين المنهج المادي الماركسي و المنهج الميتافيزيقي في كتابه المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية :

“إن الديالكتيك في جوهره هو النقيض المباشر للميتافيزيق.

1) ان المعالم الاساسية للاسلوب الديالكتيكي الماركسي هي كما يلي:

أ‌) على العكس من الميتافيزيق، لا يعتبر الديالكتيك الطبيعة تراكما عرضيا من الاشياء، أو الظواهر، لا ترتبط احداها بالاخرى، أو منعزلة ومستقلة احداها عن الاخرى، بل يعتبرها كيانا كليا مرتبطا ارتباطا لا ينفصم تكون فيه الاشياء والظواهر مرتبطة ارتباطا عضويا وتعتمد احداها على الاخرى وتقرر احداها الاخرى.

ب‌) وعليه فان الاسلوب الديالكتيكي يعتبر انه لا يمكن فهم اية ظاهرة طبيعية اذا اخذت بذاتها، منعزلة عن الظواهر المحيطة بها، إلى حد ان اية ظاهرة في اي مجال من الطبيعة قد تصبح عديمة المعنى لنا اذا لم تدرس بالترابط مع الظروف المحيطة بها، بل بالانفصال عنها، وانه على العكس من ذلك يمكن تفهم اية ظاهرة وتوضيحها اذا درست في ارتباطها الذي لا تنفصم عراه مع الظواهر المحيطة بها، كظاهرة تقررها الظروف والظواهر المحيطة بها.

ج‌) على العكس من الميتافيزيق، يعتبر الديالكتيك ان الطبيعة ليست في حالة سكون وعدم حركة وجمود وعدم تغير، بل في حالة حركة دائمة وتغير مستمر، حالة تجدد وتطور مستمرين، حيث ينشأ شيء ما جديد ومتطور على الدوام وشيء متفسخ وزائل على الدوام.

وعليه فان الاسلوب الديالكتيكي يتطلب دراسة الظواهر ليس فقط من وجهة نظر علاقاتها المتبادلة واعتماد بعضها على البعض، بل كذلك من وجهة نظر حركتها وتغيرها وتطورها، من وجهة نظر نشوئها وزوالها.”

د‌) على العكس من الميتافيزيق، لا يعتبر الديالكتيك عملية التطور انها عملية نمو بسيطة، حيث لا تتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية، بل على انها تطور يجتاز من تحولات كمية تافهة غير محسوسة إلى تحولات اساسية مكشوفة، إلى تحولات كيفية، يعتبرها تطورا لا تحدث التغيرات الكيفيه فيه بصورة تدريجية، بل بصورة سريعة ومفاجئة، تتخذ شكل طفرة من حالة إلى حالة اخرى، لا تحدث بصورة عرضية بل نتيجة طبيعية لتراكم تغيرات كمية غير محسوسة وتدريجية.

فـ بالرجوع إلى قوانين الديالكتيك المادي الأساسية:

1- قانون وحدة وصراع الاضداد

2- تحول الكم الي كيف

3- قانون نفي النفي

سنجدها تنطبق على جميع علوم الأرض، مثلا كيفية عمل القنبلة الذرية. سنجد أن إنفجارها يتم في قانون وحدة و صراع الأضداد عن طريق اقتناص نواة اليورانيوم 235 للنيوترون فيحدث انشطار للنواة وتنطلق 3 نيوترونات تعمل على إحداث المزيد من الانشطارات في أنوية اليورانيوم 235 المتوفر وهذا يؤدي إلى حدوث supercriticality، و يؤدي الى تحرير طاقة هائلة على شكل حرارة و اشعة جاما.

تاليا سنجد قانون تحول الكم الى كيف الذي نراه و بوضوح عند تخليق الحرارة و الذي يؤدي إلى حدوث عملية الإندماج الذري داخل القنبلة، بحيث يتم دمج ذرتين متشابهتين مثل الهيدروجين أو نظير الهيدروجين (الديتيريوم أو التريتيوم) معاً ليكونا ذرة أكبر مثل الهيليوم أو نظير الهيليوم. وهذه الطريقة التي تنتج فيها الشمس الطاقة الحرارية التي تصلنا.

و من المفاجئ أيضا أن التحول من الكم الى الكيف خلال هذه العملية يتم بشكل فجائي لا تدريجي، ففي القنبلة النووية الانشطارية فإن الوقود يجب أن يحفظ بحالة كتل منفصلة، تكون كل كتلة أقل من الكتلة الحرجة critical mass حتى لا تحدث عملية الانشطار والانفجار للقنبلة تلقائياً.  والكتلة الحرجة هي أقل كتلة للمادة الانشطارية مطلوبة للوصول إلى حالة التفاعل النووي الانشطاري، لذلك فإن التطورات الكمية و الصغيرة التي تعد شبه تافهة و معدومة التي تنتج عن إطلاق النيوترونات الحرة في اتجاه الكتلة المجمعة supercritical mass تؤدي الى تغيرات في الكيف لبدء عملية الانشطار النووي والذي يتم بشكل فجائي لا تدريجي عند الوصول الى الكتلة الحرجة

يقول لينين: ( الفكرة الأساسية للمادية الديالكتيكية هي ادراك الاتجاهات المتضادة التي تنفي بعضها البعض في كل ظواهر وعمليات الطبيعة ، فهذا وحده يزودنا بمفتاح الحركة الذاتية وانقطاع واستمرار التحول الي الضد ودمار القديم، وبزوغ الجديد، والديالكتيك بالمعني الصحيح دراسة التناقض في جوهر الاشياء ذاتها، فالتطور هو صراع الاضداد).

فبالإضافة لصراع الاضداد هناك قانون تحول التغيرات الكمية الي تغيرات كيفية، وقانون نفي النفي

و قد اوضح إنجلز هذه النقطة بشكل مبسط للغاية :

“في الفيزياء … يشكل كل تغير تحولا من الكمية إلى الكيفية، نتيجة لتغير كمي من شكل معين من الحركة، اما ان تكون كامنة في الجسم، أو موجهة له. فعلى سبيل المثال، ان درجة حرارة الماء ليس لها في البداية تأثير على الحالة السائلة، ولكن حين ترتفع درجة حرارة الماء السائل أو تنخفض، تحل لحظة حيث تتغير هذه الحالة من التماسك وينقلب الماء إلى بخار في الحالة الاولى والى ثلج في الحالة الثانية …

يلزم حد ادنى من التيار ليجعل سلك البلاتينيوم يتوهج. كل معدن له درجة حرارة انصهار، كل سائل له درجة حرارة انجماد ودرجة غليان معينة تحت ضغط جوي معين، وبقدر ما نستطيع بالوسائل المتوفرة تحت تصرفنا بلوغ درجات الحرارة المطلوبة. واخيرا، كل غاز له النقطة الحرجة التي عندها، تحت الضغط والتبريد المناسب، يمكن تحويله إلى حالة السيولة. ان ما يعرف بالدرجات الثابتة في الفيزياء (الدرجة التي تتحول بها حالة معينة إلى حالة اخرى) هي في اغلب الاحيان تعبير عن النقاط العقدية التي يؤدي (التغيير) الكمي فيها، زيادة أو نقصان الحركة إلى تغير كيفي في حالة الجسم المعين، تتحول نتيجة لها الكمية إلى كيفية.” (ديالكتيك الطبيعة)

منتقلا إلى الكيمياء يواصل انجلز:

“يمكن تسمية الكيمياء علم التغيرات الكيفية التي تحدث في الاجسام نتيجة لتغيرات التركيب الكمي. كان هذا معلوما لدى هيغل … خذوا مثلا الاكسيجين، اذا احتوت الجزيئة على ثلاث ذرات بدلا من ذرتين في الجزيئة الاعتيادية، نحصل على الاوزون وهو جسم متميز جدا في الرائحة والتفاعل عن الاكسيجين العادي. وماذا يمكن القول عن الخواص المختلفة التي يتحذ فيها الاكسيجين مع النيتروجين أو الكبريت وكل مركب منها يشكل جسما مختلفا كيفيا عن الاجسام الاخرى ؟” (نفس المصدر) و يضيف:

“هذا هو بالضبط خط قياس العلاقات الهيغلية الحرجة التي فيها، في نقاط حرجة معينة، تؤدي الزيادة أو النقصان الكمي البحت إلى طفرة كيفية، فمثلا، في حالة الماء الذي يسخن أو يبرد، حيث تشكل نقطة الغليان ونقطة الانجماد النقطتاه اللتان فيها، تحت ضغط جوي اعتيادي، الطفرة إلى حالة تكتلية جديدة، والتي فيها نتيجة لذلك تتحول الكمية إلى كيفية.” (ضد دوهرينغ)

و في مثال اخر لتروتسكي، يقول :

“كل عامل يعرف أنه من المستحيل صناعة شيئين متماثلين ومتساويين تماما. في عملية تفصيل النحاس كمحاميل مخروطية، يسمح بإنحراف معين للمخاريط والذي مع ذلك لا يجب أن يتعدى حدودا معينة (هذا يسمى السماحية). وعن طريق ملاحظة نماذج السماحية، تعدالقوالب متساوية (“أ” تساوي “أ”)، وعندما تزادالسماحية يتحول الكم إلى كيف، بكلمات أخرى تصبح المحاميل المخروطية رديئة وعديمة القيمة. (مبادئ الديالكتيك المادي)

اما نفي النفي، فيأخذ الشكل الحلزوني (اللولبي)، فلا يعود بنا الي نقطة البدء الاصلية، انه يأخذنا اماما الي نقطة بدء جديدة هي النقطة الأصلية بعد أن رفعت – خلال نفيها ونفي نفيها – الي مستوى اعلي، هكذا نرى أنه يمكن في مجري التطور وكنتيجة لنفي مزدوج أن تكرر مرحلة اقدم، لكنها نكررها علي مستوى اعلي من التطور…”

  • Social Links:

Leave a Reply