“قيثارة الشرق”

“قيثارة الشرق”

بثينة الخليل – الرافد:

آلة وترية بسيطة كاد الزمن أن يدونها في دوامة الضياع لولا تشبث أجيال العازفين بها، هذه الآلة أثارت فضول العرب للوهلة الأولى بسبب وترها الوحيد الذي يعزف أنغاماً تتلون مع أصابع عازفها لدرجة كثيرون أسموها بـ”قيثارة الشرق”، هذه القيثارة استوحت ألحانها من صحراء العرب، فكانت ملجأ لهم في وحدتهم يناجونها لتعينهم على تصوير همومهم وشجونهم وما يعانونه من آلام، هذه الآلة التي هي جزء من تراثنا الشعبي السوري، هي الربابة.

حضورها في سورية

تعتبر آلة الربابة من أقدم وأرق الآلات الموسيقية التي ما زال لها حضور قوي في مجالس مضافات وجهاء سكان ‏البادية والأرياف، ويعتبر العزف عليها في المجالس من أشد العادات التي مازال لها طابعها الخاص، كونها تعد من أساسيات بيت الشَعر البدوي، يمتدحون بها شيخ العشيرة من خلال قصائد ُتلحن على أنغامها، حيث ينشد العازف الذي يدوزن صوته بسجائر تبغه العربي وكاسة الشاي المخمر معها، قصائد الشروقي التي تتحدث عن الكرم والمروءة والفخر بالعشيرة وحماية الجار ولهفة الملهوف ورد الظلم والعدوان والدعوة للتسامح والصفاء بين القبائل والعشائر، لتنساب كما هطول الأمطار لتُمتع من يتعلل (يسهر) في المضافة.

أما عن رواد مطربين الربابة منهم مازال متواجداً في ذاكرة الرقة الفنية وهو الفنان “حسين الحسن” الذي برع في ألوان العتابا، الموليا، السويحلي، والنايل، كذلك الفنان الشعبي الذي لم ينج من ذاكرة أهالي مدينة رأس العين بالحسكة “سعد الحرباوي” الذي فقد بصره منذ طفولته وتعلم العزف على هذه الآلة مذ أن كان في العاشرة من عمره، حيث غنى باللغتين العربية والكردية، وشارك في إحياء العديد من أعراس عوائل المنطقة وأدخل البهجة إلى قلوبهم.

ما دور هذه الآلة في الثورة السورية؟

لم تغب الربابة عن الثورة السورية التي امتازت منذ بدايتها بهتافات تُطالب بالحرية والكرامة، فقد كان لها حضور في بعض السهرات الثورية، يصف الثوار على أنغامها معاناة السوريين وفقدانهم الأهل والأحبة.

تاريخ آلة الربابة

ارتبط اسم الربابة بالبدو، وأرياف مناطق بلاد الشام والعراق، يقول التاريخ، أنها كانت موجودة في سورية حوالي القرن التاسع عشر، تم توثيق ذلك من خلال صورة فوتوغرافية تم نشرها على موقع “Syrian history” لعازف سوري يعطي دروساً في الموسيقى لأطفال على آلة الربابة في عام 1905.

أما عن منشأها أو أصلها، تباينت المصادر ولم تتفق على رأي واحد، فثمة من ينسبها إلى المصريين القدماء مستنداً إلى رسومات لها موجودة على جدران بعض المقابر والمعابد. وأكثر من استعمل هذه الآلة هم الشعراء المدّاحون خاصة في صعيد مصر.

ومصادر أخرى تنسب منشأها إلى الهند، حيث استخدمت آلة موسيقية في مناطق الجنوب والشرق تدعى آلة “رافانا سترون” وذلك في الألفية الرابعة قبل الميلاد.

وترى بعض المصادر أن أصلها بلاد الرافدين حيث وجدوا لها رسوم تعود إلى عهد السومريون، وقيل إن أصولها تعود لشمال هضبة الأناضول حيث تعيش القبائل والبدو الرحل. وقيل في مصادر أخرى أنها تعود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية.

الفارابي ذكر في كتابه بعنوان “الموسيقى الكبير”، أن هذه الآلة دخلت أوروبا في القرن السابع عشرعن طريق الأندلس وتطورت صناعتها إلى الآلة المعروفة الآن باسم الكمان.

تنتمي الربابة لعائلة آلات السحب، وأقدم أصنافها، الرباب “المصري” وهي التي يسميها الأوروبيون “كمانجة عجوز” ذات الصندوق النصف بيضاوي الشكل، والتي تطورت صناعتها تدريجياً إلى عدة أنواع منها رباب “الشاعر” ثم “المغربي” ثم “التركي” المعروف بـ “الأرنبة” وهذان يختلفان بالشكل عن الرباب القديم.

وقام الباحث راشد ابن جعيثن، بأول دراسة من نوعها عن الأنثولوجيا لربابة عرب الجزيرة، حيث قال أن هذه الآلة هُذبت عنها آلة الكمان المقتبسة من آلة الربابة بعد انتقالها إلى إسبانيا مع الفتح الإسلامي في الأندلس، كما هذب عنها الغربيون أربع آلات وترية هي، الكمان والفيولا والتشيلو والكونترباص، حيث صنعوها بمقاييس هندسية لتصبح المنهج الموسيقي الجديد لعزف السمفونيات.

وصف الربابة

عرف العرب سبعة أشكال منها، المربع، المدور، القارب،  الكمثرى، الطنبورى، الصندوق، أما الشكل السائد لها في شبه الجزيرة العربية هي ذات الصندوق الخشبي، وهو عبارة عن صندوق مكسي من جميع جوانبه بجلد الحيوانات، كالماعز أو الغزلان، ويخاط بإحكام على الصندوق بخيوط من أمعاء الحيوانات، ووتد خشبي يمتد من قمته حتى أسفله، رُبط من رأسيه بخيط واحد من شعر الخيل، وتسمى “السبيب” يثبت بسند كالوتد، أما قوس العزف يصنع من غصن الرمان أو من عسيب النخل بحيث يُثنى ليكون على شكل قوس ليصل لطول 50 سم ويربط طرفاه بوتر من شعر ذيل الحصان أيضا.

ولا ننسى أنه قبل العزف على الربابة يلزم دعك الوترين “سبيب الربابة وسبيب القوس” بقطعة من اللبان الجاوي، المصنوع من مادة الصمغ والشب، وهو ما يسمى بتطعيم السبيب، إذ بهذا الدعك يشتد الوتران ويزدادان خشونة، فيحصل عند التقائهما بالحركة إصدار معزوفات الشجن والأنين والتي غالبا ما تكون مصحوبة بالشعر.

  • Social Links:

Leave a Reply