أحمد نسيم برقاوي – الهدف :
ليس من قبيل المصادفة أن يدخل الكواكبي موضوعه – الاستبداد – بذكر المفاهيم المترادفة والمتقابلة. إنما أراد مباشرة أن يضعنا في مناخ الخيارات الإنسانية، فالمفهوم الأساسي هو الاستبداد وتقوم مقامه مفاهيم أخرى استعباد، اعتساف، تحكّم، أما المفاهيم المناقضة فهي مساواة، حس مشترك، تكافؤ، سلطة عامة. أما مفهوم المستبد فمترادفاته: جبار، طاغية، حاكم بأمره، حاكم مطلق. وليس هناك ما يقابله من مفاهيم بل يهيب بالمفاهيم المقابلة. أما الحكومة المستبدة فهي: عادلة، مسؤولة، مقيدة، ودستورية، ثم ينتهي بمفهوم الرعية التي يرى من مترادفاتها: أسرى، مستصغرين، بؤساء، مستنبتين، وصفات المفاهيم المناقضة: أحرار، أباة، أحياء، أعزّاء.
في النقائض هذه يضعك الكواكبي مباشرة أمام حرية الاختيار، إنه في حقيقة الأمر يطلب منك أن تكون إمّا أسيراً أو مستضعفاً أو مستصغراً أو بائساً أو مستنبتاً. وإما أن تكون حراً أبياً حياً عزيزاً ولست تحتاج إلى كبير عناء لتعرف المراد.
المشكلة في الأصل سياسية لأن الاستبداد كما يرى السيد الفراتي صفة للحكومة مطلقة العنان فعلاً أو حكماً، والتي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية من حساب ولا عقاب.. وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما غير مكلّفة بتطبيق تصرفها على شريعة أو على أمثلة تقليدية أو على إرادة الأمة.. شر مراتب الاستبداد والتي يتعوذ بها من الشيطان هو حكومة الفرد المطلق.
لكن المشكلة السياسية تنتج وضعاً أخلاقياً، فجميع المفاهيم التي ذكرت هي مفاهيم أخلاقية، إنها مفاهيم دالة إما: على انحطاط أخلاقي هو ثمرة الاستبداد أو مفاهيم دالة على سموّ أخلاقي تنتج بالضرورة عن تجاوز أو نقيضة.
ينتج الانحطاط الأخلاقي من تلك العلاقة بين المستبد والرعية أو من الرعية كما يريدها المستبد، إنه يريدها أن تكون كالأغنام دراً وكالكلاب تذللاً وتملقاً.
مرة أخرى نحن في قلب القيم الأخلاقية. الأغنام والكلاب. رمزان لحال الرعية. أي انحدار الرعية إلى مرتبة الحيوانات، وبالتالي فقدانها الصفة الإنسانية، المفهومان المعبران عن درجة الحيوانية التي تصل إليها الرعية التذلل والتملق. فضلاً عن وظيفتها في مدّ المستبد بأسباب الحياة.
واستخدام مفهوم الرعية ناتج بالضرورة عن مقابله المستبد. فمفهوم الرعية يشير إلى كمّ من الكائنات قائمة خارج مفهوم الأنا الحر. غير أنّ هناك حلقة وسيطة تقوم بين المستبد والرعية هي حلقة المتمجدين. إنها بلغتنا المعاصرة “جمهور الانتهازيين”. ولم يستخدم الكواكبي مفهوم الانتهازية غير الشائع في عصره، ففي نص مدهش من نصوص طبائع الاستبداد بعنوان “الاستبداد والمجد” يعرّي الكواكبي هذا الصنف من الناس، بوصفهم آلة المستبد لإخضاع الرعية. ها نحن الآن أمام مفهومين متقابلين متناقضين: المجد والتمجّد. أما مفهوم المجد فيعرفه الكواكبي كما يلي “المجد هو إحراز المرء مقام حب واحترام في القلوب”، وزيادة في التحديد يضيف إليه صفتين أساسيتين الحرية والكرامة. فالحر يفضل الموت على حياة الذل مثل حياة ابن خلدون الذي خطّأ أمجاد البشر في إقدامهم على الخطر إذا هدد مجدهم، ذاهلاً عن أن بعض أنواع الحيوان ومنها البلبل وجدت فيها طبيعة اختيار الانتحار، أحياناً تخلصاً من قيود الذل، وإن أكثر سباع الطير والوحوش إذا أسرت كبيرة تأبى الغذاء حتى تموت، وأن الحرة تموت ولا تأكل بعرضها.
وهكذا يتحدد المجد في بنية مفاهيم أخلاقية أثيرة لدى الأنا، الحب، الاحترام، الحرية، الكرامة، ولسان حال السيد الفراتي يقول “إن الحياة خارج هذه المفاهيم لا قيمة لها، وبالتالي فالموت أولى بالإنسان إن هو فقد وجوده السامي هذا. فالحب علاقة معشرية طوعية، علاقة تقوم بين الأفراد ويسعى إليها الأنا دون قهر الآخر، والاحترام حالة يجوز الإنسان فيها بالنظر الآن على مكانة التقدير. والحب والاحترام لا يقومان إلا في حقل الحرية والكرامة الإنسانية. ولكن كيف يحقق الإنسان مجده، أي كيف يحوز على الحب والاحترام ويظهر حراً كريماً؟ الطريق إلى ذلك البذل في سبيل الجماعة، فحضور الآخر هو الحضور الأقوى عند الماجد، وبالمعنى الأخلاقي يعني أن الأنا قد تحرر من الأثرة وسار على طريق الإيثار”.
يضيف الكواكبي صفات أخلاقية لإغناء مفهوم المجد، وهي الكرم والفضل والنبل وجميعها صفات ذات ارتباط بالعلاقة بالآخر. رغم أنها صفات ذاتية للمجد والماجد، فالمجد إذن صفات أخلاقية يتميز بها الأنا، وسلوك أخلاقي يقع أثره على الآخر إيجاباً، لكن الاستبداد كما يقول الكواكبي أصل كل فساد “يفسد الاستبداد المجد ويقيم مقامه التمجّد”، فالتمجد في تعريف الكواكبي “القرب من المستبد بالفعل كالأعوان والعمال، أو بالقوة كالمتلقبين بدوق وبارون والمخاطبين بنحو رب العزة ورب الصولة أو الموسومين بالنياشين أو المطوقين بالحمائل” أو هو “أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية، أو أن يتقلد الرجل سيفاً من قبل الجبار يبرهن على أنه جلاد في دولة الاستبداد”.
نحن هنا إمّا فئة بنية تحيط بالمستبد، عماله وأعوانه ومن تكرّم قمعه عليهم المستبد بالألقاب، وأدوات قمعه من كل الأنواع. وكما للماجد بنية أخلاقية تميزه، كذلك للمتمجّد بنيته الأخلاقية فهو “معاد للعدل نصير للجور خال من الوجدان والشرف والرحمة والدين”، إن هذا الصنف من النفوس الوضيعة ذو مهام يفصّلها الكواكبي استناداً إلى وظيفتها الفعلية كما كانت في عصره، وكما أراد المستبد من الإكثار منها لتدعيم الاستبداد كاشفاً حقيقتها الفعلية التي تختفي وراء التظاهر بحريتها. فالمتمجد في حقيقته عبد عند المستبد، وموضوع إهانة، لأنه ليس أكثر من أداة رخيصة تقوم بـ”تغرير الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها. فيسوقها للحرب اقتضاها محض التجبر والعدوان على الجيران، فيوهمها أنه يريد نصرة الدين. أو يسرف بالملايين من أموال الأمة على ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبّهة المملكة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنها أعداء لها، أو يتصرف في حقوق المملكة والأمة كما يشاء هو باسم أن ذلك من مقتضى الحكمة والسياسة”.
بلغة معاصرة فإن المتمجّد هو البوق الأيديولوجي عند المستبد الذي يزيّف الوقائع والحقائق، هو الذي يقلب الأمور رأساً على عقب، لأنه يخفي أهدف المستبد الذاتية الضيقة ويحوّلها إلى أهداف باسم الأمة مستخدماً المفاهيم الأخلاقية الأثيرة لدى الناس ولصقها بسلوك المستبد، كحب الوطن، وتوسيع المملكة، وتوسيع المنافع العامة، والدفاع عن الاستقلال. لا شك أن السلطان عبدالحميد هو المقصود بهذا الكشف والتحليل. ربما أنه أخفاها لسببين: الخوف من المستبد، أو لإعطاء معنى كليّ للمستبد والمتمجّد.
أما السبب الرئيسي في سلوك المتمجّد فهو البحث عن المنصب في الحكومة المستبدة. وهنا تظهر آلية اختيار المستبد لمتمجديه.
فالمستبد المحنك “يطيل أمد التجربة في المناصب الصغيرة، فيستعمل قاعدة الترقّي مع التراقي، ويسمّون ذلك برعاية قاعدة القدم. ثم يختمون التجريب بإعطاء المتمرن خدمة ليكون فيها رئيساً مطلقاً ولو في قرية. فإن أظهر مهارة في الاستبداد، ذلك ما يسمونه حكمة الحكومة، فبها ونعمت. وإلا قالوا عنه يا ضيعة الأمل فيه”.
أو أن المستبد يذلّ الأصلاء بكل وسيلة حتى يجعلهم مترامين دائماً بين رجليه كي يتخذهم لجاماً لتذليل الرعية.
ويستعمل عين هذه السياسة مع العلماء ورؤساء الأديان، الذين متى شمّ من أحدهم رائحة الغرور بعقله أو علمه ينكّل به، أو يستبدله بالأحمق الجاهل، من كل ظان من أن إدارة الظلم إيقاظاً منه ولأمثاله من أن إدارة الظلم محتاجة إلى شيء من العقل أو الاقتدار فوق مشيئة المستبد.
في تحليل هذا النص، نحصل على ما يلي: إنّ المتمجد ظاهرة لا أخلاقية، قد يجدها المستبد من جميع فئات المجتمع. من الناس العاديين ومن الأصلاء ومن رؤساء الأديان ومن العلماء.. الخ. وآية ذلك أن المستبد يجعل من الاستبداد حالة كلية، من هنا نفهم قول الكواكبي “الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفراش إلى كناس الشوارع”.
نحصل هنا على نوع من العلاقة المتبادلة الآتية، فالمستبد يختار أولاً الأسافل أخلاقياً، ثم يعمّ هؤلاء الأسافل الاستبداد كحالة كلية، فيشيع الاستبداد في كل أرجاء الإمبراطورية، فالكناس الذي هو وظيفة وضيعة في نظر الكواكبي وعصر الكواكبي يتحول في دولة الاستبداد إلى مستبد. إذن كلّ في حقله مستبد في حكومة الاستبداد. وهكذا يتحول المجتمع إلى جحيم. فتدمر الهيئة الاجتماعية كما يزول فعل النظام الأخلاقي المتعالي.
فالأسافل يكثر عددهم ويقل تبعاً لشدة الاستبداد وخفته، فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى جيش الانتهازيين واحتاج إلى المزيد من الدقة في اتخاذهم بمعيار السفالة، فكلما كان الانتهازي المتمجّد أكثر سفالة كان أكثر قرباً ويكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم ومن ثم من دونه لؤماً وهكذا.
وبالخلاصة فإن المستبد لا يخرج قط عن أنه كائن خائف محتاج لعصابة تعينه وتحميه فهو ووزراؤه كزمرة لصوص، رئيساً وأعوانا، كما يقول الكواكبي: ترى أليس من صحوة لهذا الصنف من المتمجدين الانتهازيين. ألا يمكن أن يتحول وعيهم بالاستبداد إلى مقارعته؟
يغلق الكواكبي الباب أمام هؤلاء للصحوة وإن أظهروا ميلاً للإصلاح، وبهذا الصدد يقول: لا يغتر العقلاء بما يتشدق به الوزراء والقواد من الإنكار على الاستبداد والتزلف بالإصلاح وإن تلهّفوا وإن تأفّفوا.. فكيف يجوز تصديق الوزير والعامل الكبير الذي ألف عمراً طويلاً لذة البذخ وعزة الجبروت في أن يرضى بالدخول تحت حكم الأمة.
لكنه لا ينكر وجود مصادفة ما تجعل من الذين آزروا الاستبداد عمراً طويلاً يندمون، ولكن لا ينبغي على الأمّة أن تتّكل على من يظهر فيها أمثال هؤلاء، لأن وجودهم من نوع الصدف التي لا تبنى عليها آمال ولا أحلام.
هذه النتيجة التي يصل إليها الكواكبي قادته لأن يصنع الآمال بالأمة التي لا يحكّ جلدها غير ظفرها، ولا يقودها إلا العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات حتى إذا ما اكفهرّت سماء عقول بنيها قيض الله لها من جمعهم الكبير أفراداً كبار النفوس، قادة أبراراً يشترون السعادة بشقائهم والحياة بموتهم.
Social Links: