غازي الصوراني – الهدف:
نضج الظرف الموضوعي وعجز العامل الذاتي ( الحزب) :
نلحظ هنا مفارقة تتجلى في تراجع وتفكك القوى والأحزاب اليسارية العربية ، في مرحلة يتبدى فيها نضوجاً غير مسبوق للظروف الموضوعية ، المتمثلة في تزايد مظاهر وتراكمات ظلم واضطهاد ومعاناة وكبت واستبداد وقمع الجماهير الشعبية الفقيرة ، بحيث يبدو لي أن هذه الظروف الموضوعية باتت –طوال العقود الأربعة الماضية- تستنجد بالعامل الذاتي / الحزب الثوري الماركسي، لكي يقطف ثمارها عبر دوره الطليعي في توعية وتنظيم الجماهير من أجل تجاوز والغاء كل مظاهر اضطهادها ومعاناتها ، وفي المقدمة من ذلك اسقاط الأنظمة القائمة ، لكن أحزاب وقوى اليسار العربي عجزت وتقاعست عن القيام بهذا الدور التاريخي ، على الرغم من أن حاجة الجماهير الشعبية العربية ، للثورة الديمقراطية وللاشتراكية ، هي ، موضوعياً ، حاجة ملحة طوال العقود الماضية ، أكثر من أي مرحلة سابقة في التاريخ الحديث والمعاصر للتطور الاجتماعي الاقتصادي للمجتمعات العربية ، الأمر الذي يستدعي طرح التساؤل الموضوعي حول مستقبل قوى وأحزاب وفصائل اليسار العربي ، الذي بات غامضاً وشديد الضبابية بفعل تراكم أزماتها، السياسية والفكرية والتنظيمية ، واشتداد الحاجة لخروجها من هذه الازمات قبل أن يسدل عليها الستار من خلال الجديد الذي سيولد بالضرورة من رحمها أو من خارجها أو من كلاهما ، خاصة في اللحظة الثورية أو لحظة الانتفاضات العربية التي بدأت تهز أركان بعض الأنظمة العربية وتسقطها ، والبقية على الجدول بالتأكيد .
فقد انطلقت هذه الانتفاضات –بعد أن وصلت تراكمات الصبر والمعاناة والتحمل لدى الجماهير الشعبية حد القطع – لتفكك هذه الصورة البشعة من استبداد الأنظمة التي بدأت في التراجع والانهيار لحساب المشهد العربي الجديد، الذي يتبلور في اللحظة الراهنة، من تفجر الانتفاضة أو الحالة الثورية العربية ، على الرغم من اختلاط وتداخل عوامل التغيير الديمقراطي المنشود، مع عوامل القلق المشروع من أدوات التخلف والثورة المضادة، التي تتفاعل صعوداً، بدعم مباشر وغير مباشر من القوى الامبريالية و”حلف الناتو” وعملاءه من الحكام العرب في قطر والسعودية والخليج والعراق…إلخ ، ما يعني بوضوح شديد ، ان النضال من اجل اسقاط رؤوس وانظمة الاستبداد وبناء النظام الديمقراطي الخالي من كل اشكال الاستغلال، هو في نفس اللحظة نضال من اجل الغاء علاقات ومظاهر التبعية للنظام الامبريالي وحليفه الصهيوني، وإذا كان الأمر كذلك، فان من واجبنا أن نطرح مجدداً السؤال التقليدي : ما العمل؟ … ما هي العملية النقيض لذلك كله؟
إن الإجابة عن هذا السؤال مرهونة بصحوة حقيقية نشطة ، سياسياً وفكرياً وتنظيمياً ، من قبل أحزاب وحركات اليسار العربي ، على الرغم من ادراكنا للطبيعة المركبة والمعقدة لأزمة هذه الأحزاب ، ومرهونة أيضاً بتبلور ولادة احزاب وحركات يسارية ماركسية ثورية قادرة على التقاط هذه اللحظة، ومن ثم الالتزام بعملية النضال الحقيقي السياسي الديمقراطي والجماهيري، من أجل تحقيق الأهداف التي انطلقت الانتفاضات الشعبية من أجلها ، وخاصة إسقاط رؤوس و أنظمة الاستبداد والقمع والاستغلال ، وتأسيس النظام الديمقراطي الجديد من خلال ” هيئة تأسيسية” تجسد الشرعية الثورية، وتبدأ بمحاكمة رموز النظام ، ومحاكمة كل من أسهم وشارك في قتل الثوار ، وتطهير شامل وموضوعي لكل مؤسسات وأجهزة حكومة النظام المخلوع وكافة الأجهزة والمؤسسات المنبثقة عنه في المجتمع ، على أن يترافق جنباً إلى جنب مع هذه القرارات ، اصدار القوانين المؤقتة التي تتضمن صراحة إلغاء كافة الامتيازات الممنوحة لرموز النظام المخلوع ، ومصادرة كل الثروات غير المشروعة في جميع المجالات ، والتعويض الفوري لاسر شهداء الانتفاضة ، واعادة احياء مؤسسات القطاع العام الانتاجية وتجديدها ودمقرطتها بعد تطهيرها من كل مظاهر الفساد والاستغلال ،وتحديد الحد الأدنى والحد الأعلى للأجور، والتطبيق الصارم لمبدأ تكافؤ الفرص ، ودعم السلع الغذائية والأساسية للشرائح الفقيرة ، واصدار القوانين والقرارات المطلوبة التي تؤكد على اهتمام والتزام النظام الجديد بالقضايا المطلبية ، في الاقتصاد والتنمية والصحة والتعليم والثقافة والبحث العلمي ، في اطار مبدأ تحقيق العدالة الاجتماعية و إحياء قيم الديمقراطية والتنمية المستقلة والإنتاج المترابط، ونشر وتكريس روح الانتفاضة عبر التطبيق الفعال لرؤية وبرنامج الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية ، ضد كل أشكال التبعية ، وضد الوجود الصهيوني والقواعد العسكرية الأمريكية والغربية ، وضد كل أشكال الاستغلال الرأسمالي والتبعية في شتى صورها، وأن يخطط النظام الديمقراطي الجديد إلى إعادة بناء الذات الوطنية والقومية الوحدوية على أسس ديمقراطية و تنموية حديثة وفق قواعد الاعتماد على الذات.
لذلك فإن قوى وأحزاب اليسار العربي ، تواجه في هذه اللحظة الثورية ، تحدياً كبيراً ، سيحدد مصيرها ووجودها ومستقبلها ، سواء بالنسبة للقوى والأحزاب التاريخية أو التقليدية القديمة ، أو بالنسبة للحركات والأحزاب الماركسية التي تولد اليوم في ظروف الانتفاضة.
لكن يبدو ان عوامل الاستنهاض الثوري الذاتي، في مجمل أحزاب اليسار العربي، باتت اليوم في حالة شديدة من الضعف والتراجع، غير مؤهلة –حتى اللحظة- لهذه المجابهة، مما وفر بالتالي فرص تراكم عوامل الأزمة البنيوية الشاملة فيها، وعندئذ لا مجال للحديث عن أي صحوة أو استنهاض.
لذلك ، فإن رسم أو وضع تصور لمغادرة الأزمة وتجاوزها، يجب أن يبدأ أولا عبر المراجعة النقدية لكل مكونات الخطاب السياسي وآليات العمل التنظيمي والكفاحي والمطلبي ، طوال العقود الأربعة الماضية، -شرط وضوح الهوية الفكرية الماركسية ومنهجها- ، نظرا لأولويتها كحلقة مركزية توفر الأرضية التي تـنبنى عليها الحلقات الأخرى (التنظيمية والسياسية والكفاحية والمجتمعية) بصورة موضوعية ومنضبطة، إذ أن المفصل الأساسي في أزمة اليسار العربي يتحدد –بصورة رئيسية- في العجز الفكري أو ضعف الوعي بالنظرية، ومن ثم العجز عن بلورة الرؤية الفكرية لتشخيص واقع مجتمعاته وصياغة البرنامج الديمقراطي البديل، الأمر الذي يتطلب خطوات استنهاضية عاجلة لخروج هذه الأحزاب من أزماتها قبل فوات الأوان .
إن نقطة البدء لعملية التصدي للوضع المأزوم ، و الارتقاء بالعامل الذاتي كعقل جمعي ، تتطلب توفير عنصر الوحدة الجدلية بين الوعي و الممارسة لدى كل عضو من اعضاء هذا الحزب أو ذاك ، في كل ما يرتبط بمفهوم الحزب و دوره ووظيفته و آلياته، خاصة وأننا نعيش اليوم ، أمام نتيجة مفزعة تتجلى في هذه الهوة المتزايدة الاتساع بين الجماهير من ناحية وأحزاب اليسار العربي من ناحية ثانية، وهنا تتبدى الحاجة إلى إثارة وتفعيل عملية النقد الذاتي البنَّاء ، الذي يستند إلى الحاجة الموضوعية الضاغطة، لتجديدها وإعادة بنائها، عبر ممارستها لعملية التقييم والمراجعة المنهجية العلمية القاسية لكافة برامجها وسياساتها ورؤاها الأيديولوجية، وصولاً الى التطبيق الخلاق لهذه الأسس على ضوء المتطلبات والضرورات الراهنة والمستقبلية للواقع الخاص في كل بلد عربي على حدة، دون أي انفصام عن الهدف الاستراتيجي في تحقيق المشروع النهضوي التوحيدي الديمقراطي العربي .
وعلى هذا الأساس ، فإننا ندعو إلى البدء في تفعيل عملية الحوار والبحث ، -بكثير من الهدوء والتدرج والعمق- بهدف ايجاد آلية حوار فكري من على ارضية الحداثة والماركسية ، حول كل القضايا السياسية والاقتصادية والمجتمعية القومية والانسانية ، بما يخدم ويعزز الدور الطليعي -الراهن والمستقبلي- لقوى اليسار الماركسي العربي ، رغم كل الصعوبات والتعقيدات التي تفرضها الهجمة العدوانية الصهيونية الامبريالية على شعوبنا من جهة ، ورغم ما يعتري هذه المرحلة من ادعاءات القوى الليبرالية الهابطة تجاه ضرورات الماركسية وراهنيتها من الجهة الأخرى…
الأمر الذي يفرض على قوى اليسار الماركسي أن تبدأ بعملية الاستنهاض الذاتي للخروج من أزماتها، واثبات وجودها ودورها في اوساط جماهيرها في كل قطر عربي أولاً ، عبر برامج سياسية ومجتمعية يستجيب لمنطلقات الثورة الوطنية التحررية الديمقراطية بارتباطها المستقبلي الوثيق بالثورة القومية الديمقراطية الوحدوية ، بما يمهد إلى الخطوة الثانية التي تتجلى في البدء بعملية حوارية تستهدف وضع التصورات الفكرية والسياسية والتنظيمية من أجل إعادة بناء الحركة الماركسية العربية التي يجب أن تظل هدف استراتيجياً لدى كافة احزاب وفصائل ومثقفي اليسار العربي ، انطلاقاً من أن بلورة وتنشيط الحركة الماركسية العربية كاطار ديمقراطي ثوري جامع لكافة القوى اليسارية المناضلة ضد التحالف الامبريالي والوجود الصهيوني والقوى الرجعية والطبقية وكافة قوى الاستبداد والتبعية والتخلف في وطننا العربي ، سيوفر اداة ورافعة نهضوية ديمقراطية تقدمية وثورية تسهم بدورها التاريخي الراهن في تجاوز الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة والمتخلفة والمأزومة صوب تحقيق مهمات الثورة القومية الديمقراطية والمشروع النهضوي العربي على طريق المجتمع العربي الاشتراكي الموحد .
[1] كارل ماركس-رأس المال –الجزء الأول –ترجمة محمد عيتاني – مكتبة المعارف-بيروت –

Social Links: