انتشار الطلاق في ريف حلب.. أزمة سلطة ووعي وتفكك في المجتمع

انتشار الطلاق في ريف حلب.. أزمة سلطة ووعي وتفكك في المجتمع

حسين الخطيب – تلفزيون سوريا:

تفكك ونزاع أسري متزايد تشهده العائلات السورية في ريف حلب، وانتشار واسع لقضايا الطلاق في المحاكم المدنية المحلية. أحد أبرز القضايا المجتمعية التي لا تغيب عن مجالس الأهالي، الذين يعزون السبب لقلة الوعي وتفكك المجتمع خلال السنوات الماضية، بشكل لم يعد يجدي فيه حالات الصلح التي يبادر بها كبار العائلات الذين يتميزون بمكانة مرموقة بين أفراد المجتمع المحلي.

 

فما إن يبدأ خلاف بين الزوجين إلا وتتسع دائرته دون توقف، ليستقر في رفوف أضابير المحاكم.

 

ظاهرة الطلاق والخلافات الزوجية وما يتبعها من عنف أسري وتفكك في العائلة الكبيرة في حال كان الزوجان من الأقرباء؛ ليست بالجديدة على أي مجتمع وخاصة السوري، إلا أن نسبتها ازدادت في السنوات الأخيرة.

 

تشهد المحاكم المدنية قضايا خاصة بالطلاق لأسباب متنوعة، تحظى بموقف من كلا طرفي القضية، لتقف عائقاً أمام الحلول التي يقررها القضاة، دون النظر من قبل الزوج والزوجة في الكوارث التي ستلحق بأفراد الأسرة، والأطفال المكون الأهم فيها، والذين يتعرضون لفقدان أهم حقوقهم الأسرية، إذ لا تبدو الأسباب مقنعة أحياناً، وعلى عكس ذلك تماماً. بينما الأولاد على الرغم من ضعفهم قد لا يشكلون مسؤولية أو عائقاً لدى الأبوين في الانفصال.

 

أسباب متعددة تقف عائقاً أمام الزوج والزوجة لاستمرار مسيرتهم الأسرية:

 

تبدو الأسباب التي أوصلت ركني الأسرة إلى نهاية مسيرتها الأسرية، بعض الشيء منطقية أحياناً، بينما هناك حالات غير منطقية ولا يبدو أن لها نهاية، فتزداد تفاقماً. ويكون الوضع المتردي معيشياً وتعليمياً، هو أحد عناصر تفاقمها، وكذلك عدم قدرة الزوج والزوجة في السيطرة على مشـكلاتهما، للوصول إلى حل يضمن بقاءهما معاً.

 

الزواج المبكر

لا يزال الزواج المبكر، أكبر خطر يهدد المجتمع في هذا السياق، وفي ظل عدم وجود قانون أو ركيزة محلية يتقيد بها كافة أفراد المجتمع السوري، سرعان ما يتحول الشخص في سن السادسة عشرة من عمره وهو طفل إلى رجل لديه مسؤوليات تجاه أسرته، ولا سيما تلك الزوجة التي لم يتجاوز سنها الأربعة عشر عاماً فكيف سيكون شكل الأسرة، التي سيصبح لديها أولاد بعد مرور عام واحد على الزواج؟ وهل سيستطيعان تحقيق التكافل الأسري، أم أنهما ستصبح حالتهما درساً لأفراد المجتمع.

 

وجرت العديد من حوادث الفكاك سببها الرئيسي عدم مقدرة ركني الأسرة على تلبية دورهما على أكمل وجه وعدم وجود قدرة إدراكية جيدة للسيطرة على مشاكلهم، هنا يكون الطلاق سبيلهما لإغلاق الخرق الذي وصلوا إليه. بعد اتساعه على الراقع!

 

سمير سلطان 25عاماً هو (اسم مستعار) لأحد الأشخاص الذين تزوجوا زوجة في سن الرابعة عشر من عمرها تحدث لموقع تلفزيون سوريا، ليضعنا في التفاصيل التي أوصلته إلى الطلاق.

 

يقول: “لم يعد بإمكاني السيطرة على نفسي فزوجتي كانت تصغرني بأحد عشر عاماً فقط، جميع تصرفاتها كانت توحي بطفولتها فعادةً ما تمازحني بشكل طفولي جداً، أمام أقاربي وضيوفي، وفي بعض الأحيان أطلب منها أن تقدم لي الطعام فلا تبالي إلى طلباتي، وكأنني أتحدث إلى طفلة، قلت في نفسي صغيرة ولا يمكنها أن تتعلم مباشرةً فسأعمل على تهيئتها لتكون ربة منزل، إلا أنه بعد عامين من زواجنا وعلى الرغم من وجود طفل لدينا، اختارت الطلاق وإنهاء العلاقة بشكل كلي”.

 

وأضاف: “كنت قد حاولت سابقاً الضغط عليها من قبل والديها، فكثيراً ما كانت تعود إلى تفكيرها ذاته، ولم تعد علاقتنا ناجحة بالشكل الذي كنت أبحث عنه، لذلك وجدت في الطلاق الحل النهائي لنا نحن الاثنين، وبالنسبة لاختيارها كزوجة، كنت قد رفضت إلا أن والداي حاولا إقناعي”.

 

لا يمكن حصر السبب الرئيسي في حالات الطلاق بالزوجة، فالزوج كثيراً ما يكون سببا للطلاق في تصرفاته وابتعاده عن مسؤولياته الأسرية، بالإضافة إلى الاعتداء والضرب والإهانة، فهو ملزم بتقديم كل واجباته على أكمل وجه، ولو الحد الأدنى إذا لم تساعده ظروفه المعيشية.

 

الوضع المادي المتردي

قد يتعجب القارئ من أن الوضع المادي المتردي للأسرة وعدم توفر فرصة عمل لدى الزوج، يسبب الطلاق وانفصال مكوني الأسرة عن بعضهما بعضا، بل إن الوضع المعيشي السيئ لعب دوراً كبيراً في هذا الجانب، وتشكل الأمور المعيشية النصف الآخر من مسببات الانفصال، لأن الزوج غير قادر على توفير حياة كريمة لأسرته التي كونها بكامل إرادته، في الوقت ذاته عندما تكون الزوجة غير مدركة للواقع الذي يعيشه الزوج وعدم توفر العمل لديه مع مراعاة ظروفه فإن مصير الأسرة حتماً سيصل إلى الطلاق.

 

صباح الحمود، 22 عاماً، هو (اسم مستعار) كذلك لزوجة أنهت حياتها الزوجية حديثاً، وهي من النازحين إلى ريف حلب، حيث جرت الحادثة هناك، إذ توضح الزوجة أسباب انفصالها عن أسرتها لموقع تلفزيون سوريا قائلةً: “إن حياتنا أصبحت سيئة جداً نحن غير قادرين على طهي الطعام لأطفالنا لأن زوجي لا يوجد عمل لديه، فهو يعمل في المياومة، في اليوم الذي لا يتوفر به العمل لا نجد طعاما ونبقى جياعا”.

 

حاولت الحمود استيعاب ظروفهم المعيشية بتأن حتى يتغير الواقع، لعلها لا تفرط بأسرتها وأطفالها، لكن جميع محاولاتها لم تغير الواقع المعيشي، وعلى الرغم من عملها في مواسم الزراعة وتضحياتها إلا أنها لم تنجز شيئاً لذلك.

 

وتابعت “إن الحياة لا تطاق فالأطفال ينتظرون والدهم الذي يخرج صباحاً من أجل الطعام، ولا يعود حتى ساعات المساء دون عمل أو شيء يحمله.. لذلك وجدت التخلي عن أسرتي والعيش لدى والدي بظروف معيشية جيدة هو بمثابة حلم”.

 

وأضافت: “خلال قضية الطلاق في المحكمة حاولت الوقوف أمام القاضي وإدلاء ما عندي إلا أنني لن أستطيع لوم نفسي في ظلم زوجي لأن وضعه المعيشي مترد.. لذلك تخليت عن كامل حقوقي مقابل نجاح دعوة الطلاق”.

 

قد يبدو أن طلب صباح في الانفصال عن زوجها هو بمثابة تخلٍ ورفض للاستمرار، لكن الظروف المعيشية واستمرار تدهورها والعيش في مكان مشترك كالخيمة والبرد القارص وغيرها من الظروف القاسية جداً لا يمكن تحملها، إلا لفترات محدودة.

 

قلة الوعي والتعليم

في هذا السياق لا يقصد بالتعليم، المناهج التي يتلقاها الطلاب في المدارس فقط، وإنما المقصود هو حالة الوعي والثقافة المجتمعية وتعلم كيفية العيش وتدبر الأمور الحياتية من خلال التجارب، وهذا لا يدركه جميع أفراد المجتمع، الذي مازال يحاول العيش بشتى السبل في ظروف لا تساعد في التقدم، وإذا عدنا إلى التعليم المدرسي نجد أن هناك عقدا كاملا لم يتم التعليم فيه خلال سنوات الثورة السورية، لذلك يبدو أن التعليم حذف من ذاكرتنا، فنشأ لدينا أشخاص معدومي التعليم إناثاً وذكوراً، فقدوا كافة حقوقهم التعليمية وكانوا ضحايا حرب لكن من نوع آخر.

 

غياب وثائق السجل المدني، وعدم وجود قانون لسن الزواج:

 

نشأت خلال السنوات السابقة العديد من المحاكم في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، كل واحدة منها تتبع لفصيل عسكري في صفوف الجيش السوري الحر، إذ لا تقبل الأولى في الثانية وترفض كل ما تصدره وهكذا يبدو أن الكثير من الوثائق ضاعت سدى دون وجود قيود، إلا القليل من مراكز السجل المدني حافظوا على وثائقهم. بينما فقد الكثير من السوريين وثائق الزواج خلال القصف ثم النزوح والتهجير في ظل عدم وجود السجل المدني وإغلاقه بشكل تام خيفة القصف والتدمير.

 

ولذلك كان من الصعب إيجاد وسائل لتقييد سن الزواج المبكر، وفرض غرامات مالية على العائلات التي تقوم بهذا الأمر، لأن العديد من معاملات الزواج كان يجريها عاقد ديني (شيخ)، بحسب ما أوضح المحامي يوسف حسين، عضو نقابة المحامين الأحرار في سوريا لموقع تلفزيون سوريا.

 

وقال المحامي حسين: “أغلب عقود الزواج في المناطق المحررة عقدت عن طريق عاقد ديني (شيخ) بسبب عدم استقرار المحاكم في فترة الثورة، ولطالما كانت الأسرة معرضة للقصف والنزوح والتهجير فهي كانت لا تقوم بتثبيت عقود زواجها في المحاكم المحلية لأنها غير رسمية ولا تعترف بأي محكمة محلية أخرى”.

 

ويرى المحامي أن الطلاق ظاهرة مستمرة في ظل التفكك الأسري الذي تعيشه سوريا، ولاسيما التهجير والانقسام في المجتمع السوري وعدم وجود سلطة واحدة تفرض قوانينها وغياب الوعي في المجتمع.

 

وأضاف: مما فاقم ظاهرة الطلاق هجرة الأزواج إلى خارج البلاد وترك أسرهم، وكذلك الهرب من المسؤوليات التي تلاحقهم، إذ تعد هذه الظاهر هي الأخطر بالإضافة إلى تزويج مجهولي النسب الذين لا يعرف أسماؤهم، ولا يوجد لديهم وثائق تثبت وجودهم، ولا يمكن نسبهم إلى أمهاتهم.

 

هل قدم أحد الحلول؟

حاولت العديد من الجهات المدنية والرسمية وغير الرسمية إيجاد حلول لعلها توقف هذه الظاهرة التي انتشرت في المجتمع كانتشار النار في الهشيم، إذ أقيمت العديد من الندوات وحملات التوعية المجتمعية لمكافحة ظاهرة الطلاق، وربط عقود الزواج بالمحاكم المحلية وإجراء عقود رسمية يمكن الاعتراف بها إلا أنها لم تجدِ نفعاً.

 

وقال المحامي يوسف حمود لموقع تلفزيون سوريا، إنه “على الرغم من الندوات وورشات العمل لحل هذه المعضلة إلا أننا وصلنا في نهاية المطاف لطرق مسدودة عائقها الوعي المجتمعي والالتزام في هذا الجانب للسيطرة عليه بشكل أفضل وإيجاد الحلول لمن لا يمتلكون وثائق تثبت نسبهم”.

 

مضيفاً: “أن ظاهرة الطلاق في المناطق المحررة هي نتاج حرب عمل عليها النظام وحاول تفكيك المجتمع بشكل غير مسبوق، وانقطاع التعليم وتجهيل المجتمع لا يصب إلا في هذا الإطار الذي مازلنا نعاني منه اليوم”.

 

تبدو ظاهرة الطلاق متنوعة الأسباب التي صُنعت على مدار سنوات وأنتجتها الحرب التي شنها النظام ضد شعبه. من فقر وجوع وفقدان حق التعليم، وكذلك حق السكن في منزل يوفر حياة جيدة للأسرة التي وجدت الخيمة ملاذاً وحيداً ليس إلا.

  • Social Links:

Leave a Reply