صفوان موشلي
ان حكاية الربيع السوري هي حكاية الربيع العربي بامتياز بل حكاية الثورة العالمية ضد الطغيان ، فالظلم الذي قلما كان غير شائع ،إذا ما عاضده وعي بتلك المظالم ،وإذا ما حالفه أمل في النجاح لكسر هذا الطغيان ، يتحول دون شك الى احتجاج كاسح أو ثورة جامحة تجتاح الإقليم .
لقد تم اعتماد النخب العسكرية لإدارة السياسات في الشرق الأوسط بزيها العسكري حينا أو بزي مدني لتجميل قبح هذا الخيار في أحيان كثيرة وكأنه خيار لا تملك الامبريالية بديلا عنه ، وفي هذا السياق ،قاد الجيش السوري عام 1970 انقلابا عسكريا دعمته الولايات المتحدة ، لتوطيد حد أدنى من الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط المستقطب حول مقاربة الغرب الذي مارس دعما لا محدودا لإسرائيل ، للتحكم في امدادات النفط وبالتالي في إيقاع التنمية لكل من الغرب الصناعي والعالم ايضا .
كما هو متوقع ،تنكرت طغمة الانقلاب التي قادها الأسد الاب ،لحق السورين في التعبير السياسي ،وللأدنى مبادئ المشاركة التي رسختها التجربة الديمقراطية القصيرة بعيد الاستقلال .لان الدول الراعية لهذه الطغمة أطلقت يدها في انتهاك الحقوق السياسية وفي ممارسة التمييز المجتمعي الذي حول الاقتصاد السوري الى اقتصاد مافيوي متوحش مؤسسا على فساد معمم ،يخدم التوحش المتنامي للرأسمالية ، التي يجري تسويقها كنظام نهائي منتصر بعيد انهيار السوفييت .
في عام 1980 اجتاح العسكر عدة مدن سورية اجتياح كلي كما في حماه وجزئيا كحلب وادلب ردا على احتجاج الشارع المحتقن ضد الفساد والتميز والتهميش ،حيث قام الجيش المدجج بصنوف الاسلحة بتدمير أحياء المدنيين الفقيرة بعد قصفها بالأسلحة الثقيلة كما لو كانت تحصينات عدو ،سكت العالم الليبرالي الذي يعتز بقيم الديمقراطية عن البطش والانتهاكات التي رافقت هذا الاجتياح ،كما تجنب الاعلام الغربي أي نقد للمجازر المرتكبة و تم تزيف الخبر الذي شرح دوافع المجزرة ، بما يخدم استمرار النظام القمعي وتكريس الدكتاتورية ، الأمر الذي أغرى هذا النظام الشمولي بتأميم الحياة السياسية تماما ، فبادر الى زج جميع النشطاء من اقصى اليمين الى اقصى اليسار في السجون بحجة مكافحة التطرف الأصولي ،لقد كان هذا تنفيسا مكلفا لاحتقان عشر سنوات خلت ، وفي عام 2011 كان الاحتقان الجديد الذي نمى وتعاظم لنفس الأسباب السابقة قد بلغ مداه أيضا ،خاصة بعد شيوع الاعلام الاجتماعي ،الذي جعل الوصول للخبر ميسرا كما أتاح التأثير في الرأي العام . ورغم العديد من التحذيرات ،التي تلقتها تلك الأنظمة من مراكز بحث مختصة بأن الانفجار قادم ووشيك ،الا أن السكون والانصياع الطافي على سطح الغليان الاجتماعي ،أغرى هذه الطغم الدكتاتورية بتفسير التحذيرات المتتالية على أنها انذار كاذب ،الى ان أحرق السيد بوعزيزي نفسه تعبيرا عن فشله في تحمل المزيد من الضغوط حاله في ذلك حال الطبقة الوسطى والطبقات الأدنى ،فكانت احتجاجات المتعاطفين والمكلومين معه وعليه هي الرافعة التي دفعت المطالب السياسية والاقتصادية الى بؤرة الحدث ، حيث ساعد التواصل الرقمي في خلق شعور بالتضامن هم في اشد الحاجة اليه لمواجهة الدكتاتور ،الذي لم يجد اسياده أي جدوى من دعمه ،فأوصت فرنسا باستبداله لتهدئة المطالب الشعبية التي لم تكن مستعدة للتوقف الا باجتثاث كامل النظام الشمولي عبر عدالة انتقالية . وهكذا دخلت أحجار الدومينو في فخ التداعي فكانت الثورة المصرية والليبية واليمنية وصولا الى الثورة السورية في أذار من 2011 .لقد كانت سورية أكثر من جاهزة للانتفاضة التي ستتحول الى ثورة سياسية واجتماعية ليس فقط نتيجة الاحتقان الذي أصبح غير مسبوق، بعد ان أمست سورية الجمهورية الأولى التي يحكمها رئيسا انتخب وسلاحه في صدغ الشعب ، حكما مطلقا متكررا و مستمرا لدورات غير محدودة دامت عقودا مريرة الى ان تدخل الموت ،موت الطاغية الأب ليكون خلاصهم المتوهم ،لكن المصالح الكبرى كانت تعمل لصالح الدكتاتور حتى بعد هلاكه ، فقد ضمن بهذا التواطؤ نقل حكمه المطلق والشمولي لابنه قبل بلوغه السن القانوني عبر انتخابات ، روج بعض الغرب الديمقراطي لضرورتها واعترف البعض الاخر بشفافيتها ، بعد أن مهد لهذا النفاق باستقبال الخليفة الصغير على السجاد الأحمر بصفته وريثا محتملا للحليف المريض . انتظر السوريون طويلا قبل الاندفاع الى الشارع ، لم يتوقع السوريون تدخلا من المجتمع الدولي فتجربتهم مع عتبة تحسسه لحق الشرق اوسطين في الحياة كانت أعلى مما قرؤه عن الدول الديمقراطية او كتبوا عنه في وصفهم للغرب الليبرالي ، الأمر الذي جعلهم ينتظرون طويلا قبل الاندفاع الى الشارع . لكنهم خرجوا مسلحين بوعي كاف ليظفروا بحريتهم ،فقد اندفعوا منادين بوحدة الشعب السوري رغم التمييز الذي مورس عليهم لعقود كي يستحيلوا شعوبا لكنهم أصروا انهم شعب واحد ،خرج ليستعيد كرامته عبر ممارسة حريته وواعدا بان يحافظ على وحدته بالامتناع عن الانزلاق في فخ التمييز . ومرة أخرى جاءت المصالح الكبرى لإجهاض هذه الثورة ،فالنظام العربي المتحالف مع النظام العالمي الجديد المنتش بواحديته وتفرده أراد للربيع العربي ان يقف في سورية وأن يعود القهقرة .
يعتقد المتابع لنظام إيران الطائفي ان الولي السفيه كما قيصر مافيا الشعبوية الروسية قد استثمرا في دماء السورين ،بدءا من مجازر براميل النترات الغبية وحتى الكيماوي وقنابل السيخوي الارتجاجية ،وهو استثمار كبير على امتداد سنوات مما يجعل التنازل عنه غير ممكن الا بأشد الضغوط الدولية ،وهو أمر غير متوفر سيما مع الإدارة الامريكية الجديدة التي تشي تركيبتها انها مستعدة لان تشتري القنبلة الإيرانية بمليوني جسد سوري جديد التقطيع ،عبر غازات سامة أو قنابل دمار شامل جديدة لن يتأكد الغرب الليبرالي من مدى خطورتها الا بعد أن ينفذ تحالف الشر مجازره المرتقبة .
اننا نعلم ان ربيعنا مزعج لإدارة بايدن كما كان مزعجا لسلفه أوباما لكننا كسوريون لا نملك الا خيارا واحدا ، نيل كرامتنا بهزيمة نظام الطاغية ،وسنعمل على ان يكون تجاوزنا مكلفا وغير مطاق لأعداء ربيعنا ، كما هو فوق طاقتنا .

Social Links: